نواكشوط –«القدس العربي»: في قلب النقاشات الدولية المتصاعدة حول مستقبل مناطق الهشاشة والنزاعات، تبرز موريتانيا من جديد كصوت إفريقي يقدم مقاربة مختلفة تقوم على الوقاية بدل المعالجة، وعلى الاستباق بدل ردّة الفعل.
فخلال منتدى الهشاشة 2026 المنعقد في العاصمة الأمريكية واشنطن، استعرض الوفد الموريتاني تجربة موريتانيا الخاصة في مواجهة تحديات الأمن والتنمية، مقدماً رؤية تعتبر أن الاستقرار لا يُبنى فقط عبر الحلول الأمنية، بل من خلال مقاربة شاملة تربط بين الحكامة الرشيدة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، والحد من مسببات التوتر داخل المجتمعات الهشة.
وضمن هذا التوجه تندرج مباحثات أجراها وزير الاقتصاد والتنمية عبد الله ولد الشيخ سيديا في واشنطن على هامش المنتدى المذكور، مع مسؤولي المنظمة الدولية للهجرة، حيث استعرض الوزير المقاربة الموريتانية للوقاية من مخاطر الهشاشة والنزاعات.
وخلال الاجتماع عرضت أوغوشي دانيلز، نائبة المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة، المقاربة التي تعتمدها المنظمة في مناطق غرب ووسط إفريقيا لتنظيم الانتجاع الرعوي عبر الحدود، مشيرة إلى أنه يعتبر رافعة أساسية لتعزيز المرونة الاقتصادية وتأمين وسائل العيش وتكامل الأسواق الإقليمية.
كما تبادل الجانبان الآراء حول رؤية المنظمة في مجالات الوقاية ومواجهة الهشاشة، والتي تتماشى تمامًا مع الأولويات والسياسات الوطنية لموريتانيا.
وتم التركيز على العلاقة الوثيقة بين التغيرات المناخية وحركة السكان (الهجرة) والتأثيرات الاقتصادية المترتبة عنها.
وتم خلال اللقاء، التطرق إلى الآليات والفرص المتاحة لتطوير برامج هيكلية ذات أثر اقتصادي قوي ومباشر، خاصةً في المناطق الحدودية، حيث تأخذ تلك البرامج بعين الاعتبار حركة السكان والتحديات والتهديدات المناخية الحالية.
وفي الوقت الذي تتعامل فيه دول عديدة مع الأزمات بعد وقوعها، تحاول موريتانيا، وفق العرض الذي قدمه الوزير، الانتقال إلى منطق الوقاية والاستباق، انطلاقاً من قناعة مفادها أن كلفة منع الأزمات أقل بكثير من كلفة احتوائها بعد انفجارها.
وتبرز الهجرة غير النظامية وتدفقات اللاجئين في مقدمة الملفات التي تختبر فعلياً قدرة هذه المقاربة الوقائية على الصمود، إذ تمثل الظاهرة انعكاساً مباشراً لحالة عدم الاستقرار التي تشهدها منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
وخلال العقد الأخير، تحولت موريتانيا إلى ما يشبه «جزيرة استقرار» داخل فضاء إقليمي مضطرب: فمن الشرق والجنوب الشرقي تتواصل الأزمة الأمنية في مالي، ومن الجنوب تعاني عدة دول غرب إفريقية من أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، فيما تشهد منطقة الساحل برمتها تصاعداً في أنشطة الجماعات المسلحة وتراجعاً في مؤشرات التنمية.
وقد جعل هذا الواقع موريتانيا نقطة جذب للنازحين واللاجئين والباحثين عن فرص اقتصادية أفضل، كما جعلها ممراً رئيسياً للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا.
غير أن هذه المكانة تضع البلاد أمام تحديات مركبة؛ فكلما ازداد الاستقرار الداخلي، ارتفعت الضغوط الخارجية المرتبطة بالحركات السكانية العابرة للحدود.
ورغم أن موريتانيا لم تشهد حتى الآن توترات واسعة مرتبطة بالهجرة، فإن الخبراء يحذرون من أن استمرار تدفق أعداد كبيرة من الوافدين قد يتحول مستقبلاً إلى عامل ضغط على التوازنات الاجتماعية والاقتصادية.
ففي المناطق الحدودية الهشة أصلاً، تتزايد المنافسة على المياه والمراعي والخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل المحدودة، وهو ما قد يخلق بؤراً جديدة من الاحتقان إذا لم تتم مواكبة الظاهرة باستثمارات تنموية كافية.
ومن هنا يمكن فهم تركيز الحكومة الموريتانية على المشاريع الاقتصادية الموجهة للمناطق الحدودية، وهي النقطة التي حضرت بقوة في مباحثات الوزير مع المنظمة الدولية للهجرة، حيث جرى الحديث عن برامج هيكلية ذات أثر اقتصادي مباشر في المناطق الأكثر تأثراً بحركة السكان.
ومن أبرز النقاط التي بدأت تفرض نفسها بقوة في النقاش الدولي حول الساحل، العلاقة بين التغير المناخي والهجرة؛ فموريتانيا تعد من أكثر الدول تعرضاً لمخاطر التصحر والجفاف وتدهور الموارد الطبيعية، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر على المجتمعات الرعوية والزراعية التقليدية.
ومع تراجع الموارد الطبيعية في أجزاء واسعة من الساحل، تتزايد حركة السكان بحثاً عن ظروف معيشية أفضل، ما يؤدي إلى ضغوط إضافية على الدول المستقبلة.
ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تركز المباحثات بين موريتانيا والمنظمة الدولية للهجرة على الترابط بين التغيرات المناخية وحركة السكان والآثار الاقتصادية المترتبة عليهما، إذ باتت هذه العلاقة تمثل أحد أهم محددات الأمن والاستقرار في المنطقة خلال العقود المقبلة.
في المقابل، تواجه موريتانيا تحدياً سياسياً لا يقل أهمية عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ويتمثل في تنامي دورها كشريك أمني للاتحاد الأوروبي في إدارة تدفقات الهجرة نحو القارة الأوروبية.
فمع تصاعد أعداد المهاجرين المتجهين إلى جزر الكناري عبر السواحل الموريتانية، أصبحت نواكشوط جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأوروبية الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية.
لكن هذا الدور يثير نقاشاً متزايداً داخل الأوساط السياسية والحقوقية حول حدود المسؤولية التي يمكن أن تتحملها دولة نامية مثل موريتانيا في معالجة أزمة تتجاوز قدراتها الوطنية، وترتبط في جوهرها باختلالات تنموية وأمنية إقليمية ودولية واسعة.
ويبدو أن الرسالة التي تحاول موريتانيا إيصالها في المحافل الدولية، ومن بينها منتدى الهشاشة بواشنطن، تقوم على أن معالجة ملف الهجرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها.
فالاستراتيجية الوطنية الموريتانية لترسيخ السلام والتماسك الاجتماعي 2025-2030، التي أشادت بها المنظمة الدولية للهجرة، تعكس توجهاً نحو معالجة الجذور العميقة للهشاشة، سواء تعلق الأمر بالفقر أو البطالة أو التفاوتات المجالية أو ضعف الخدمات الأساسية.
ومن هذا المنظور، تصبح الهجرة نتيجة لأزمات أوسع وليست أزمة مستقلة بذاتها، وهو ما يفسر تركيز الحكومة على مفاهيم الوقاية والمرونة والتنمية المحلية والتماسك الاجتماعي.
والحقيقة أن التطورات الأخيرة لنشاط الهجرة، كشف أن موريتانيا أصبحت في قلب واحدة من أكثر القضايا تعقيداً على الأجندة الدولية، وهي قضية تقاطع الهجرة مع الأمن والتنمية والتغير المناخي.
فبينما تسعى البلاد إلى الحفاظ على صورتها كواحة استقرار في منطقة الساحل، تجد نفسها في مواجهة تدفقات بشرية متزايدة تفوق في كثير من الأحيان إمكاناتها الذاتية.
وفي هذا السياق، لا يبدو الرهان الموريتاني مقتصراً على ضبط الحدود أو الحد من الهجرة غير النظامية، بل يتجه نحو بناء نموذج وقائي شامل يربط بين التنمية والاستقرار والتماسك الاجتماعي.
غير أن نجاح هذا النموذج سيظل رهيناً بمدى قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق معالجة أسبابها العميقة، لأن موريتانيا، مهما بلغت جهودها، لا تستطيع بمفردها تحمل أعباء أزمة صنعتها تحولات جيوسياسية ومناخية واقتصادية تتجاوز حدودها الوطنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك