لم تعد القدس اليوم مدينة محتلّة فحسب، بل تحوّلت إلى المختبر الأكبر لإنتاج الأكاذيب السياسية في العصر الحديث.
فهنا، وعلى مساحة لا تتجاوز بضعة كيلومترات، يُعاد تصنيع التاريخ، وتُعاد كتابة الجغرافيا، ويُعاد تعريف الضحية والجلاد بطريقة تكاد تكون غير مسبوقة في التاريخ المعاصر.
في القدس لا يجري الصراع على الأرض فقط، بل على الذاكرة والمعنى والوعي.
إنها المدينة التي تحوّلت فيها الأسطورة إلى برنامج سياسي، والنبوءة إلى مشروع استيطاني، والعقيدة إلى أداة لإدارة القوة.
ومنذ أكثر من سبعة عقود، لا تحاول إسرائيل احتلال المكان فحسب، بل تسعى إلى احتلال الرواية ذاتها، أي احتكار الحق في تفسير الماضي وتحديد المستقبل وفرض صورة واحدة للحقيقة.
ولعل المفارقة الأكثر قسوة أنّ القرن الحادي والعشرين، الذي يفاخر بمنظومات حقوق الإنسان والقانون الدولي، يشهد في القدس واحدة من أكثر عمليات الاستيلاء على الأرض وضوحا في التاريخ الحديث، بينما يقف العالم متفرّجا أو متواطئا أو غارقا في حسابات المصالح.
فالمدينة التي يفترض أن تكون رمزا عالميا للعدالة الروحية، تحوّلت إلى سوق مفتوحة للمساومات السياسية، وإلى منصة تتقاطع فوقها مشاريع الإمبراطوريات القديمة مع حسابات القوى العظمى الحديثة.
إنّ أخطر ما تواجهه القدس اليوم، ليس الجدار ولا المستوطنة ولا الحاجز العسكري وحده، بل عملية أعمق بكثير، وهي تحويل الظلم إلى رواية مقبولة، وتحويل القوة إلى حق، وتحويل الاحتلال إلى قدر تاريخي لا يجوز الاعتراض عليه.
وعندما تنجح السياسة في ارتداء ثياب النبوءة، يصبح الكذب أكثر خطورة من الدبابة، لأنّ الدبابة تحتل الأرض، أما الكذبة فتحتل العقول.
لهذا لم تعد القدس مجرد قضية فلسطينية، بل أصبحت اختبارا أخلاقيا للعالم كله.
فكل ما يحدث فيها يطرح السؤال الأكثر إزعاجا في عصرنا: هل ما زالت العدالة قيمة إنسانية عالمية، أم أنّها مجرد شعار يُرفع حين يخدم الأقوياء ويُنسى حين يتعلق الأمر بفلسطين؟ فالاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل حاول السيطرة على المعنى نفسه، معنى التاريخ، ومعنى الشرعية، وحتى معنى الضحية.
ومنذ عقود، تعمل إسرائيل على نقل الصراع من مستوى القانون الدولي إلى مستوى العقيدة والأسطورة.
فحين يصبح الاستيطان «تنفيذا لوعد توراتي»، تتحوّل الجرافة العسكرية إلى أداة دينية، ويتحوّل التهجير إلى فعل مبرر داخل خطاب يعتبر الأرض ملكية مقدسة لا قضية سياسية قابلة للنقاش.
إنّ أخطر ما فعله المشروع الصهيوني هو تحويل النص الديني إلى غطاء جيوسياسي، فالدولة الحديثة التي كان يفترض أن تستند إلى القانون والمؤسسات، عادت لتستند إلى تأويلات دينية تُستخدم لتبرير التوسع والسيطرة.
وهكذا لم تعد القدس مدينة متعددة الحضارات، بل أصبحت داخل الخطاب الصهيوني المتطرف «مركز النبوءة»، أي المكان الذي يجب أن يُعاد تشكيله وفق تصور عقائدي يرى في الفلسطيني عقبة تاريخية لا إنسانا صاحب حق.
وليس هذا التحليل صادرا عن خصوم إسرائيل وحدهم.
فالمفكر الإسرائيلي يشيعاهو لايبوفيتش حذّر مبكرا من تحويل الدين إلى أداة للسياسة، معتبرا أنّ تديين الصراع سيقود إلى نتائج كارثية أخلاقيا وسياسيا.
كما رأى عدد من المؤرخين الإسرائيليين الجدد، أن ما جرى في فلسطين لا يمكن اختزاله في نزاع حدودي عادي، بل يرتبط بمشروع استيطاني طويل المدى سعى إلى إعادة تشكيل الأرض والذاكرة معا.
وفي هذا السياق، لم تعد السياسة منفصلة عن الميثولوجيا.
بعض التيارات الدينية المتشددة داخل إسرائيل والولايات المتحدة لا تنظر إلى القدس باعتبارها ملفا سياسيا، بل باعتبارها جزءا من «السيناريو الإلهي» لنهاية التاريخ.
ولهذا يصبح أي حديث عن التسوية أو التقاسم أو الحقوق الفلسطينية أقرب ـ في نظرهم ـ إلى التمرد على الإرادة الإلهية نفسها.
وهنا تحديدا يتحوّل الصراع إلى شيء أكثر خطورة من الاحتلال العسكري.
يتحوّل إلى احتلال عقائدي يُغلق باب الحلول الواقعية، لأنّ الطرف الذي يرى نفسه منفذا للنبوءة لا يعترف أصلا بمفهوم التنازل، لكن الوجه الآخر للمأساة يكمن في النظام الدولي، فالولايات المتحدة التي تقدّم نفسها بوصفها راعية للسلام، كانت دائما طرفا منحازا بشكل فاضح.
وقد شكّل قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 2018 لحظة كاشفة، إذ لم يكن مجرد إجراء دبلوماسي، بل إعلانا سياسيا بأنّ موازين القوة باتت تتقدم على الشرعية الدولية.
أما أوروبا التي ترفع شعارات حقوق الإنسان، فقد أثبتت مرارا أنّ مبادئها تتعثر عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
هنا يصبح الدم الفلسطيني تفصيلا صغيرا داخل حسابات المصالح والتحالفات والضغوط السياسية.
والأكثر صدمة أنّ القدس تحوّلت إلى «سلعة سياسية» تُستعمل في كل شيء تقريبا: في الانتخابات الأمريكية، وفي صفقات التطبيع، وفي صراعات النفوذ الإقليمي، وحتى في إعادة تشكيل التحالفات الدولية.
الجميع يتحدث عن القدس، لكن كل طرف يريد استخدامها لخدمة مشروعه الخاص، إسرائيل تستخدمها لتثبيت شرعيتها التوسعية.
اليمين الإنجيلي الأمريكي يستخدمها لإحياء سرديات دينية مرتبطة بنهاية العالم.
وبعض الأنظمة العربية تستخدمها كشعار عاطفي للاستهلاك الجماهيري، دون مشروع حقيقي لتحرير الإنسان أو الأرض.
أما القوى الكبرى، فتتعامل معها كورقة ضغط جيوسياسي لا أكثر.
وهكذا أصبحت المدينة التي يفترض أن تكون رمزا للروح والسلام والعدالة، واحدة من أكثر المدن استثمارا في سوق المصالح الدولية.
لكن الكارثة لا تتوقف هنا.
فالإعلام الغربي لعب دورا مهما في إعادة تشكيل صورة الصراع، حيث قُدِّم الاحتلال غالبا باعتباره دفاعا عن النفس، بينما اختُزل الفلسطيني في صورة التهديد الأمني.
وعندما تُزوَّر اللغة، تُزوَّر الحقيقة تلقائيا.
لقد نجحت إسرائيل لعقود في كسب معركة السردية أكثر مما كسبت معركة الأخلاق، فهي تدرك أنّ السيطرة على الصورة لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.
ولهذا تستثمر بكثافة في الإعلام ومراكز الأبحاث والجامعات واللوبيات الدولية، بينما ظل الخطاب العربي ـ في كثير من الأحيان ـ أسير الانفعال الموسمي وردود الفعل الآنية.
وكان المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد من أوائل من نبّهوا إلى هذه المسألة عندما أكد أنّ الصراع في فلسطين ليس صراعا على الأرض فقط، بل صراع على الرواية أيضا؛ أي على الحق في تعريف الواقع نفسه وتقديمه إلى العالم.
والمؤلم أنّ بعض العرب باتوا يتعاملون مع القدس بوصفها «قضية خاسرة» أو عبئا سياسيا ينبغي تجاوزه من أجل المصالح الاقتصادية والتحالفات الجديدة.
ومع ذلك، تظل القدس حالة استعصاء تاريخي.
فكل الإمبراطوريات التي حاولت احتكار المدينة سقطت في النهاية، وبقيت القدس أكبر من مشاريع الهيمنة كلها.
لأنّ المشكلة في جوهرها ليست مشكلة حدود فقط، بل مشكلة عدالة.
والتاريخ يثبت أنّ القضايا التي تُبنى على الظلم قد تستمر طويلا، لكنّها لا تتحوّل أبدا إلى حقيقة أخلاقية مهما امتلكت من قوة وسلاح ودعاية.
لهذا فإن القدس اليوم ليست مجرد مدينة محتلة، بل مرآة تكشف أزمة العالم المعاصر كله.
عالم يتحدث عن الحرية بينما يموّل الاحتلال، ويتحدث عن القانون بينما يبرر القوة، ويتحدث عن السلام بينما يترك مدينة كاملة تُذبح ببطء تحت شعارات مقدسة ومصالح باردة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك