انفتحت البلاغة الجديدة على ميدان في غاية الأهمية، ألا وهو دراسة استجابات الجماهير وما ينتجونه من فنون، بمختلف شرائحهم الاجتماعية، بالوقوف على دلالاتها، ومن ثم تأويلها في سياقاتها الاجتماعية والثقافية والنفسية، سواء على الفرد أو المجتمع.
فقد اقتصرت البلاغة التقليدية على مختلف أوجه القول الذي ينتجه الأديب، شاعرا كان، أو ناثرا، خطيبا كان أو كاتبا، ساردا كان أو محررا، حيث تتناول أوجه الجمال في النصوص الأدبية على اختلاف أشكالها، في السرد والشعر، والخطابة والمقال، والكتب المؤلفة.
بينما اتجهت البلاغة الجديدة إلى النظر في ما ينتجه الجمهور من استجابات بليغة، تظهر في الأمثال الشعبية، والنكات، والطرائف، وسائر التعليقات الشفاهية في المواقف، وعلى مختلف الأحداث السياسية، والمشكلات الاجتماعية والشخصيات العامة والشهيرة، وهذا نجده في التاريخ الإنساني بشكل عام، وهو ما يفتح المجال لدراسات واسعة، تلتقي مع دراسات الفلكلور الشعبي، وما يبدعه الفنان الفطري، والمبدع الشعبي، في ما يسمى «الأدب السيّار».
فلما ظهرت المخترعات الحديثة، تفاعل معها الجمهور، بأشكال مختلفة، ووفق طبيعة كل مخترع، فما يكتبه الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، ومنصة إكس، وإنستغرام.
)، يختلف عما يسجله على السيارات، وهي الظاهرة اللافتة التي تسمى «الأدب السيّار» الذي نشاهده مكتوبا على وسائل المواصلات الخاصة، يكتبه السائقون، وملّاك السيارات، والدراجات البخارية والهوائية، ناهيك مما كان يُكتب على العربات الخشبية التي تجرها الخيول والبغال، وكلها تعبر عن مواقف أصحابها، ومشاعرهم، وعن آمالهم، ومخاوفهم، إلى جانب إشاراتهم إلى من يحبونهم، والمقربين منهم.
وبالطبع تختلف العبارات المكتوبة على سيارات الأجرة، عن السيارات الملّاكي الخاصة، فالأولى هي بمثابة وسيلة ارتزاق، يقضي عليها السائق ساعات طويلة، قد تصل إلى 12 ساعة يوميا، فهي بيته الثاني، ومصدر دخله الرئيسي، لذا، نشاهد كثيرا من قائدي سيارات الأجرة، يهتمون بنظافتها، وصيانتها، ويكتبون على زجاجها الأمامي، أو الخلفي، وفي الماضي كان يكتبها خطّاط محترف، وحديثا صارت ملصقات بعينها، تدور حول طلب الرزق، والرغبة في زيادته، والحفاظ على أحبائهم، وأحيانا إشارات ضاحكة.
أما أصحاب السيارات الخاصة، فهو يضعون عبارات من قبيل دفع الحسد، وآيات قرآنية، وأدعية، وبعضهم يختال فرحا وكبرا بعباراته، إذا كان من أبناء الطبقة الثرية.
وسنقوم بدراسة بعض هذه المقولات، في منظور بلاغة الجمهور، ساعين للغوص في ما وراء كلماتها، والنظر في سياقاتها المختلفة على مستوى الشخص والفئة، وسيكون مجال تطبيقنا على بعض الملصقات على السيارات في الطرق والشوارع المصرية.
بالطبع سنجد المفردات العامية منتشرة في مثل هذه الكتابات، بسبب بساطة المستوى التعليمي لقائدي السيارات، فهم ينتمون غالبا إلى الشرائح الشعبية البسيطة، التي تعيش في الأحياء الشعبية، وكثير منهم من الأرياف؛ قدموا إلى المدن للعمل والارتزاق، خاصة في المدن الرئيسية، مثل القاهرة العاصمة، والإسكندرية وهي الميناء الأكبر، ومدن القناة في شرق مصر؛ السويس، الإسماعيلية، بورسعيد، وكذلك المدن الصناعية الكبرى مثل 6 أكتوبر، والسادات، والعاشر من رمضان، ودمياط، والمحلة.
وهناك أحياء شعبية بأكملها تحيط بزمام هذه المدن، وقد تكون عشوائية، بنيت بلا ضابط أو رابط، لاستيعاب هؤلاء القادمين من القرى، وتحديدا من محافظات الصعيد، بل إننا نجد تجمعات كاملة للصعايدة في المدن الكبرى، وفدَ أجدادهم منذ عقود بعيدة، ثم استقروا مع أبنائهم، وتتابع أحفادهم، وظلوا محافظين على الروابط العائلية والعشائرية في ما بينهم، ناهيك من زياراتهم المستمرة من الأجداد إلى الأحفاد لقراهم الأصلية، في دلالة على شدة اعتزازهم بهذا الانتماء العريق، وكثير منهم يتمسكون بتقاليدهم في الأعراس، فيتزوجون من أقاربهم، أو من قراهم نفسها، ويستمرون في العيش في المدن، ثم يوصون بدفنهم في قراهم عند موتهم.
ثلاث عبارات موزعةٌ في مواضُعها على «ميكروباص»، هو سيارة أجرة في شوارع القاهرة الكبرى، والعبارات هي: «ما شاء الله»، «أمي أعز ما أملك»، «الرزق على ربنا مش على البشر»، الأولى أعلى الزجاج الأمامي، والثانية على التابلوه أمام السائق، والثالثة على الزجاج الخلفي.
العبارة الأولى، فيها حس إيماني عال، وهي دارجة على الألسنة، بوصفها جزءا من الثقافة القرآنية، المستقاة من قوله تعالى: «وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، (الكهف، 39)، وترتبط غالبا بمواطن النعمة والمال الكثير، لذا، تُكتَب على القصور، والفيلات، وعلى الشركات والمصانع، وقد ازداد انتشارها مع الصحوة الدينية، التي ملأت الفضاء العام منذ سنوات السبعينيات والثمانينيات، وأقصت الكثير من العبارات الدالة على الخرافة الشعبية، مثل مجسمات العين، والخرزة الزرقاء.
العبارة الثانية «أمي أعز ما أملك»؛ سليمة في صياغتها العربية، وغالبا ما يدوّنها سائقو الأجرة، الذين يعولون أسرهم، لغياب الأب بشكل أو بآخر، وقد تقدم الذكر أن كثيرا من الصعايدة يعملون في المدن المصرية الشمالية، لقلة فرص العمل وضعف التنمية في بلادهم، وبعض هذه الأسرة تفتقد عائلها (الزوج) الذي قد يكون في السجن لأنه أخذ بالثأر المتوارث في العائلة، أو قد يكون هو ضحية للثأر نفسه، فتجد الأم نفسها تعيل أفراد أسرتها، وغالبا ما يكون الابن الأكبر، الذي يحمل العبء عن الأم بعد سنوات من الشقاء، وينظر إليها بكل احترام وتقدير، محاولا ردّ بعض فضلها، وتعويضها عن صبرها.
العبارة الثالثة بالعامية « الرزق على ربنا، مش على البشر»، وهي دالة على التسليم الكامل بأن الرزق كله بيد الله، خاصة في حالات سائقي الأجرة، وهي تعبير غير مباشر عن الثقافة المترسخة في الوجدان المصري، لكثير من المشتغلين بشعار «على باب الله»، والمقصود بهم: عمال التراحيل الذين يعملون في مواسم الحصاد الزراعية، والبائعون في الأسواق، والحمّالون، وكل ذوي الحرف اليدوية، مثل النجارين والسبّاكين والكهربائيين، فكل هؤلاء يبدأون يومهم مبكرا، داعين الله بالرزق، وغالبا ما أنفقوا آخر ما في جيوبهم في أمسهم، فأجرهم قائم على اليومية، التي تكفي مصاريف يومهم.
«الأدب السيّار» ميدان بكر جديد، يحتاج إلى باحثين كثر، يجمعون ما يقال وما يدوَّن، يحللون ويغوصون في ما وراء الكلمات، وما تحمله المجسمات، من ثقافة ووعي، وما تعبر عنه من تغيرات في الذائقة، وفي موقف الناس من قضايا الحياة والوطن والأمة.
إن هذا الميدان لن ينتهي البحث فيه، لأنه مرتبط بحياة البشر اليومية، وبإيقاعاتها، أي أنه دائم بديمومة الدنيا، متجدد بتجدد ما فيها من أحداث، وما يعتريها من متغيرات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك