العربي الجديد - تغطية هيئة البث الدنماركية للحرب على غزة... العين تتسع على فلسطين وكالة الأناضول - ترامب: الاتفاق مع إيران سيكتمل في غضون أيام قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة | ترمب يعلن التوصل إلى اتفاق مع طهران.. فكيف ستكون بنوده وآليات تنفيذه؟ قناة التليفزيون العربي - هل ستقود الأزمة الحالية للاقتصاد العالمي بسبب استمرار الحرب في الشرق الأوسط إلى تطورات سلبية؟ قناة الجزيرة مباشر - Current debate - Tel Aviv's stance on Trump's announcement of the agreement with Tehran and its r... قناة الشرق للأخبار - ما هي الشروط السرية التي فرضها ترمب لرفع الحصار عن إيران؟ قناة التليفزيون العربي - البنك العالم ييخفض توقعاته للنمو العالمي للعام 2026 إلى 2.5% بسبب الحرب في الشرق الأوسط الجزيرة نت - بالفيديو.. منتخب تونس يتبادل تذكارات مع حاكم "نويفو ليون" المكسيكية قناة الغد - مصر تدعو لاغتنام الفرصة للتوصل لاتفاق نهائي بين أميركا وإيران العربية نت - معلق مكسيكي يعتذر لكينيونيس على الهواء مباشرة
عامة

جو 24 : حين تتحول القروض إلى حصان طروادة: دور المؤسسات التمويلية الدولية وأزمة السيادة الاقتصادية

جو 24
جو 24 منذ 1 ساعة

كتب أ. د. عبدالرزاق بين هاني - إذا كانت الحروب التقليدية قد عرفت عبر التاريخ باستخدام الجيوش والأسلحة والقوة العسكرية المباشرة، فإن العالم المعاصر أوجد أدوات أكثر نعومة وأشد تأثيراً في الوقت ذاته. فال...

كتب أ.

د.

عبدالرزاق بين هاني - إذا كانت الحروب التقليدية قد عرفت عبر التاريخ باستخدام الجيوش والأسلحة والقوة العسكرية المباشرة، فإن العالم المعاصر أوجد أدوات أكثر نعومة وأشد تأثيراً في الوقت ذاته.

فالدولة لم تعد تُحتل دائماً بالدبابات، بل قد تُحتل بالديون.

ولم يعد إخضاع الشعوب يمر بالضرورة عبر الجيوش الغازية، بل قد يمر عبر جداول السداد، واتفاقيات التمويل، وبرامج الإصلاح الاقتصادي.

ومن هنا يمكن فهم فكرة التمويل الطروادي (Trojan Finance)، بوصفها استعارة فلسفية تصف الكيفية التي قد تتحول فيها المساعدات والقروض الخارجية إلى أدوات لإعادة تشكيل الاقتصادات الوطنية، وأحياناً إعادة تشكيل الدول نفسها من الداخل.

فتخبرنا الأسطورة الإغريقية القديمة تخبرنا أن مدينة طروادة لم تسقط بالقوة المباشرة، بل سقطت عندما أدخلت إلى أسوارها حصاناً خشبياً ظنت أنه هدية.

وما إن دخل الحصان حتى خرج منه الجنود الذين فتحوا أبواب المدينة من الداخل.

وعلى نحو مشابه، يرى عدد من المفكرين الاقتصاديين والنقاد السياسيين أن بعض برامج التمويل الدولي قد تعمل بالطريقة ذاتها؛ فهي تدخل تحت عنوان الدعم والتنمية والاستقرار المالي، لكنها تحمل في داخلها منظومة كاملة من الشروط والسياسات والتوجيهات التي قد تغير البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة المقترضة على المدى الطويل.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة بالمعنى الساذج للكلمة، كما لا يعني أن كل قرض أو برنامج تمويلي يمثل خطراً بحد ذاته.

فالمؤسسات التمويلية الدولية، وعلى رأسها المصرف (البنك) الدولي (World Bank)، وصندوق النقد الدولي (International Monetary Fund)، لعبت أدواراً مهمة في تمويل مشاريع البنية التحتية ودعم الاستقرار النقدي ومساعدة دول كثيرة على تجاوز أزمات مالية حادة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة بين الدولة المقترضة والجهة الممولة من علاقة مؤقتة إلى علاقة بنيوية طويلة الأمد، يصبح معها القرار الاقتصادي الوطني مرتبطاً بصورة متزايدة بموافقات خارجية وشروط مفروضة من مؤسسات لا تخضع للمساءلة الديمقراطية داخل الدولة نفسها.

وفي جوهر المسألة يكمن تناقض فلسفي عميق بين مفهومين متنافسين، هما مفهوم السيادة السياسية ومفهوم الانضباط المالي الدولي.

فالدولة الحديثة تقوم نظرياً على مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن السياسات العامة يجب أن تعكس الإرادة الوطنية.

لكن عندما تصبح الدولة معتمدة بصورة مستمرة على التمويل الخارجي، فإن جزءاً من عملية صنع القرار ينتقل عملياً إلى جهات التمويل.

وعند هذه النقطة لا يعود السؤال الاقتصادي متعلقاً بكيفية سداد الدين فقط، بل يصبح سؤالاً سيادياً يتعلق بمن يملك حق تحديد أولويات الإنفاق والضرائب والدعم الاجتماعي والسياسات الاقتصادية.

وتتجلى هذه الإشكالية بصورة واضحة في برامج الإصلاح الهيكلي التي انتشرت منذ ثمانينيات القرن الماضي.

فغالباً ما ترتبط القروض بحزمة من الشروط تتضمن تخفيض الإنفاق الحكومي، ورفع الدعم عن السلع والخدمات، وتحرير الأسعار، وخصخصة المؤسسات العامة، وتحرير التجارة الخارجية، وإعادة هيكلة النظام الضريبي.

ومن الناحية النظرية، تهدف هذه الإجراءات إلى تصحيح الاختلالات الاقتصادية وتحسين كفاءة الأسواق.

إلا أن المشكلة تكمن في أن هذه الوصفات تُقدَّم في كثير من الأحيان باعتبارها حلولاً عالمية تصلح لمختلف الدول بغض النظر عن خصوصياتها التاريخية والاجتماعية والسياسية.

وهنا تظهر إحدى أخطر مشكلات التمويل الدولي، وهي ما يمكن تسميته توحيد النماذج الاقتصادية.

فالمجتمعات ليست نسخاً متطابقة من بعضها بعضاً.

وما قد ينجح في دولة صناعية متقدمة قد يفشل في دولة نامية تعاني البطالة والفقر وضعف القاعدة الإنتاجية.

وعندما تُفرض السياسات الاقتصادية وفق نماذج معيارية جاهزة، فإن الاقتصاد الوطني قد يتحول إلى حقل تجارب لأفكار صيغت في سياقات مختلفة تماماً عن واقعه المحلي.

والأخطر من ذلك أن الدين العام يمتلك خاصية تراكمية تجعل الخروج منه أكثر صعوبة مع مرور الزمن.

فالدولة التي تقترض لسداد ديون سابقة تدخل تدريجياً في دائرة مفرغة يصبح فيها الاقتراض وسيلة للحفاظ على القدرة على الاقتراض.

ومع مرور الوقت تتضخم مدفوعات الفوائد، ويزداد الجزء المخصص لخدمة الدين في الموازنة العامة، فتتقلص الموارد المتاحة للتعليم والصحة والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية.

وعند هذه المرحلة تبدأ الحكومة بخدمة الدين بدلاً من أن يخدم الدين الحكومة.

ومن منظور أعمق، فإن أخطر ما قد تسببه المديونية المزمنة ليس العبء التمويلي ذاته، بل إعادة تشكيل أولويات الدولة.

فعندما تصبح الثقة الخارجية للمقرضين هدفاً دائماً للسياسات الاقتصادية، قد تتراجع الاعتبارات الاجتماعية والتنموية أمام متطلبات تحقيق مؤشرات مالية قصيرة الأجل.

وقد تجد الحكومات نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات اقتصادية لا لأنها الأنسب للمجتمع، بل لأنها الأكثر قبولاً لدى الجهات الممولة والأسواق المالية الدولية.

تبرز هذه الإشكالية بصورة خاصة في الدول محدودة الموارد، ومنها الأردن.

فالمملكة واجهت عبر عقود طويلة تحديات استثنائية تمثلت في محدودية الموارد الطبيعية، والضغوط الديموغرافية، والتقلبات الإقليمية، وارتفاع كلف الطاقة والمياه، واستضافة موجات متتالية من اللاجئين.

وقد دفعت هذه الظروف الدولة إلى الاعتماد بدرجات متفاوتة على المساعدات الخارجية والاقتراض.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاقتراض بحد ذاته، وإنما في تحول الاقتراض إلى بديل دائم عن بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توليد النمو والإيرادات الذاتية.

فالدين ليس مشكلة عندما يمول أصولاً منتجة ترفع القدرة الاقتصادية المستقبلية.

لكنه يصبح خطراً عندما يُستخدم لتمويل الاستهلاك الجاري أو لتأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية.

وفي هذه الحالة يتحول الدين إلى جسر مؤقت نحو المستقبل، لكنه جسر يُبنى من مواد تزداد هشاشتها كلما طال استخدامه.

ولذلك فإن النقاش الحقيقي حول المؤسسات المالية الدولية لا ينبغي أن يكون نقاشاً أيديولوجياً بين القبول المطلق والرفض المطلق.

فهذه المؤسسات ليست شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً.

وإنما السؤال الجوهري هو هل تستخدم الدولة التمويل الخارجي كأداة ضمن استراتيجية وطنية مستقلة، أم تتحول هي نفسها إلى أداة ضمن استراتيجية يضعها الآخرون؟ والفرق بين الحالتين يشبه الفرق بين من يستخدم الدواء ومن يعيش عليه.

فالدواء قد ينقذ الحياة عندما يُستخدم مؤقتاً لمعالجة أزمة محددة.

أما عندما يصبح شرطاً دائماً للبقاء، فإن المشكلة لم تعد في الدواء نفسه، بل في الاعتماد عليه.

وهكذا تكشف ظاهرة التمويل الطروادي عن واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في التمويلات العامة المعاصرة.

فهي تذكرنا بأن أخطر أشكال التبعية ليست تلك التي تُفرض بالقوة العسكرية، بل تلك التي تتسلل عبر الحاجة الاقتصادية.

وأن الحفاظ على السيادة الاقتصادية لا يتحقق برفض العالم أو الانعزال عنه، وإنما ببناء اقتصاد منتج قادر على تمويل نفسه بنفسه، بحيث يصبح الاقتراض خياراً استثنائياً لا قدراً دائماً، وتصبح المؤسسات الدولية شركاء في التنمية لا أوصياء على القرار الوطني.

فعندما تعتاد الحكومة البحث عن الحلول خارج حدودها أكثر مما تبحث عنها داخل قدراتها الذاتية، يبدأ الاعتماد المالي بالتحول تدريجياً إلى اعتماد فكري ومؤسسي.

وعندئذٍ لا تصبح المشكلة في القروض ذاتها، بل في تآكل القدرة على تصور بدائل وطنية مستقلة للتنمية.

ولذلك فإن التحرر الحقيقي من التمويل الطروادي لا يتحقق بمجرد خفض المديونية، وإنما ببناء ثقافة اقتصادية تؤمن بأن التنمية المستدامة تنبع أولاً من تعبئة الطاقات المحلية، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتطوير المعرفة والابتكار، بحيث يصبح التمويل الخارجي عاملاً مساعداً للنمو لا بديلاً عن الإرادة الاقتصادية الوطنية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك