يمكن اعتبار مسلسل «البقايا» The Leftovers واحداً من المحاولات المعاصرة اللافتة، لمعالجة المفهوم الفلسفي المعاصر لـ»الحدث» Event، وفق معايير صناعة الترفيه الأمريكية: فجأة، ومن دون أي سبب، يختفي 2% من سكان العالم، من دون أن يجد أي أحد تفسيراً لذلك.
وطيلة ثلاثة مواسم نعيش مع «البقايا»، في محاولتهم للفهم والتأقلّم وإيجاد المعنى والبحث عن خلاص.
اختيار لفظ Leftovers، الذي لا يُستخدم عادة للإشارة إلى البشر، بل إلى الأشياء (مثلاً بقايا الأغراض أو بقايا الطعام)، يبدو مقصوداً، فمن تبقّوا، رغم أنهم الأغلبية الساحقة من سكان الأرض، وما يزالون يمتلكون كل الموارد والمؤسسات، ليسوا ناجين، أو محظوظين، وليس هناك سبب منطقي بالنسبة لهم لبقائهم هم، واختفاء الآخرين.
لقد فقدوا المعنى، وباتت المنظومات القديمة، التي يفهمون بها العالم، غير مجدية، بما في ذلك الدين، والعلم، والسلطة، والمجتمع والعائلة والحب، وعلم النفس، وهذا يجعلهم أقرب إلى «بقايا» في عالم يتداعي ويتجه تدريجياً إلى الجنون، رغم كل محاولاتهم لإكمال حياتهم، واعتبار أنفسهم «الباقين»، والآخرين، الذين رحلوا، «أبطالاً»، من دون أي سبب أو مسوّغ للصفة الأخيرة، فالرحيل عشوائي جداً، ويصعب إيجاد نمط له، أو رابط بين أفراده، وهم لم يكونوا جميعهم صالحين أو طالحين.
يستند العمل إلى رواية، بالعنوان نفسه، للكاتب الأمريكي توم بيروتا، أعدها ديمون ليندلوف لشبكة HBO الشهيرة، وهو من أبرز كُتّاب التلفزيون الأمريكي، وظهرت مواسمه بين عامي 2014 و2017، ونال جمهوراً مخلصاً ومتحمّساً، وإن لم يحظ بشعبية الأعمال الكبرى التي تبثها الشبكة على منصاتها عادةً.
إنه مسلسل لجمهور نوعي، من الطراز الذي يحب أن يتابع ما هو «أعمق»، ويحب أن يجد ضالته على شبكات البث التي يشترك بها عادةً.
ويمكن القول إن الشبكة لم تخيّب ظن هذا النمط من متابعيها، فقدمت دراما نفسية تحوي كل عناصر النجاح: التشويق، الأسئلة والرموز الفلسفية، الاستثارة العاطفية، والإسقاط على العالم الواقعي.
نحن لم نشهد حدثاً واضحاً وصادماً مثل اختفاء نسبة من سكان الأرض من دون سبب، ولكن هل عالمنا يختلف حقاً عن عالم «البقايا»؟مفهوم «الحدث»، الأقرب لتراث فلسفي متعدد ومختلف المستويات، ممتد من مارتن هيدغر (مفهوم Ereignis) وحتى آلان باديو (مفهوم Événement)، يبدو واضحاً للغاية في المسلسل، ويمكن تبسيطه بأنه انكشاف جديد للوجود، لا يمكن استيعابه ضمن شبكة المعاني والغايات والعلاقات والاستخدامات التي تطبع عالم الموجودات الذي نعرفه، ويغيّر بنية الفهم نفسها، وشروط ظهور المعنى، ما يثير قلقاً بالغاً، ربما يجب مواجهته بشجاعة، وليس نسيانه.
وبالفعل يقدّم لنا العمل طائفة تسمي نفسها «البقيّة المذنبة»، ترى أن مهمتها أن تمنع الناس من نسيان «الحدث»، ومواصلة حياتهم كأن شيئاً لم يكن، فتمتنع عن الكلام، ويهجر أفرادها عوائلهم وحياتهم الاعتيادية، ويعترضون طريق بقية الناس بصمت، وكأنهم تذكير حي بما حدث، لا يريد أن يتعلّق بأي شيء، أو بأي أمل.
«الصمت لتذكّر الوجود» مفهوم هيدغري معروف، إلا أن هذه الطائفة لا تبدو أفضل حالاً بتذكّرها وتذكيرها الدائم، وتدريجياً يتوضّح أنها ليست أقلّ ادعاءً من الآخرين، ولا تملك أي فكرة عما تصمت لأجله، وتريد تذكّره، وكأن تذكّر «الحدث» قد تحوّل إلى عقيدة مرضيّة جديدة، تشغل أنصارها عما يريدون التركيز عليه.
وسرعان ما تتجه الطائفة للعنف والإرهاب، لتنتهي بشكل مأساوي على يد السلطة.
خارج هذه المحاولة الوجودية اليائسة، نرى كثيراً من الهلوسة والثرثرة والصخب: رجل دين مسيحي يسعى إلى التشبث بالإيمان، وينتهي بجدل عبثي مع رجل يدّعي الإلوهية على سفينة مليئة بالممارسات الإباحية، ويبدو قريباً من الإيمان به، ثم يموت الرجل بطريقة أشد عبثية، فيُعلّق الكاهن: «هذا هو الرجل الذي أخبرتكم عنه دائماً»؛ طبيبة نفسية تنضم إلى «البقية المذنبة»، ثم تتركها لتتعاون مع وسيط روحاني زائف، يقول للناس ما يودّون سماعه؛ محاولات أفراد متناقضين لإيجاد مسيح جديد، وكتابة إنجيل عنه؛ علماء يدّعون قدرتهم على محاكاة ظاهرة الاختفاء، ولا نعلم إن كانوا صادقين أم مجرّد نصابين، يقتلون من يصدّقهم؛ سلطات تزداد توحشاً، وتبيد كل من يثير قلقها من دون رحمة، وخارج نطاق أي قانون، وكأن حالة الاستثناء باتت هي القاعدة، ولكن لا ندرك إن كان هذا مجرد توحّش، أم محاولة للحفاظ على السلم الاجتماعي؛ طوائف تنشأ وتختفي، من دون سبب واضح، وأيضاً لا نعلم إن كان زعماؤها يمتلكون قوى روحانية فعلية، أم مجرد مجانين ومعتدين على أتباعهم.
كل ظاهرة أو «حقيقة» تنقسم على نفسها، فتُظهر الشيء ونقيضه، من دون أن ينزلق المسلسل إلى موقف عدمي كامل، فهو لا يقول إن الحقائق غير موجودة، ولكنه يحرص على أن تبقى غير محسومة، و»البقايا» في حالة سعي مؤلم وراءها، مع إدراك أن عالمهم الرمزي ومنظوماتهم الاجتماعية غير قابلة لاستيعاب ما حدث.
في الموسم الثالث نرى مغامرة رجل عجوز، يؤمن بأن الطوفان قادم في الذكرى السابعة للحدث، ويحاول جمع أغاني قبائل السكان الأصليين في أستراليا، التي يظن أنها ستوقف الطوفان.
في النهاية، عندما يكتشف أنه لا توجد أغنية لإيقاف المطر، ولا طوفان أصلاً سيحدث، يبدو ضائعاً تماماً، ويسأل ابنه، الذي ظنه المُخلّص: «وماذا سنفعل الآن؟ » أي من دون طوفان، ومن دون خلاصٍ منه.
فيما الحلقة الأخيرة تبدو أقل جرأة وطموحاً من بقية المسلسل، وتنتهي بمشهد لا يمكن وصفه إلا بالمبتذل: لقاء البطل والبطلة بعد طول غياب، وعودة الحَمَام إلى موطنه.
قد يكون هذا محاولة من المنتجين للتخفيف من قسوة المسلسل، التي قد لا يحتملها المشاهد العادي، وقد تكون رسالة أشد قسوة: ربما لا فائدة إلا إذا آمنت بأشد الأشياء ابتذالاً، واتبعتها من دون تفكير.
وبذلك تُغلق الدائرة تماماً، إذا لم يعد يوجد ما يمكن قوله جدياً، إلا الصور الأقرب لـ»الكيتش» Kitsch، بعد أن رأينا كل الفعل الممكن أمام «الحدث»، وكل أنماط الصخب والعنف، من الصمت الصاخب إن صح التعبير، وحتى القنابل النووية.
تاريخياً، شهدت الدول الغربية وقائع كبرى، بدا أثرها أقرب لـ»الحدث» الفلسفي، لعل أشهرها الحربان العالميتان، والهولوكوست، والقنبلة النووية على هيروشيما، وانهيار الإمبراطوريات الاستعمارية، وسقوط الاتحاد السوفييتيتاريخياً، شهدت الدول الغربية وقائع كبرى، بدا أثرها أقرب لـ»الحدث» الفلسفي، لعل أشهرها الحربان العالميتان، والهولوكوست، والقنبلة النووية على هيروشيما، وانهيار الإمبراطوريات الاستعمارية، وسقوط الاتحاد السوفييتي، وبعد كل «حدث» كانت الصدمة تبدو أكبر من محاولات التأقلم، فتظهر موجات فلسفية وفنية واجتماعية جديدة، تحاول إعادة ترتيب العالم الرمزي ليستوعب ما جرى، وعلى هامشها عدد من الموجات العبثية والعدميّة.
كثيرون يرون أن هذا جانب تأسيسي في الحداثة نفسها، أكثر من كونه نتيجة مباشرة للصدمة من وقائع معينة، فهي تقوم على جانب التبدّل، والزوال، وعدم الثبات، ونزع التأقلم، ثم إعادة التوطين، وبالتالي فنحن نعيش منذ قرنين من الزمن على الأقل «حدثاً» واحداً، وهو التحديث، الذي فكك استقرار المجتمعات التقليدية.
تلك المجتمعات لم تكن أكثر استقراراً من ناحية عدم حدوث وقائع كبرى فيها، فهي قد شهدت غزوات وأوبئة ومجاعات وغيرها، ولكن المعنى الاجتماعي فيها كان دائماً أقرب للاستقرار، فيما تفكّر مجتمعات التحديث دائماً بالعلاقة بين الزائل والعابر من جهة، والكلي من جهة أخرى (وهو تعريف الشاعر الفرنسي شارل بودلير للحداثة) ما يجعل «الحدث»، الذي لا يعود العالم بعده كما كان قبله، جانباً من «جيناتها الثقافية» إن صح التعبير.
وهكذا يمكن أن تصنع شبكة أمريكية مسلسلاً معقداً وسوداوياً، يحوي أسئلة كبرى عن الدين والعلم والإنسان والمجتمع، في إطار «صناعة الترفيه»، ومن دون مناسبة محددة، سوى تناقضات العالم المعاصر «الاعتيادية»، التي تبدو دائماً أشبه بـ»حدث».
ولكن هل هذه «قضايا عالم أول» كما يُقال؟ كيف يمكن أن يتم استقبال أعمال فنية من هذا النوع في منطقتنا؟ وهل يمكن اعتبارها مجرد أعمال غربية مسليّة؟ ألم تشهد المنطقة أنواعاً من «الأحداث» التي تتطلب استجابات، من النوع الذي يهز ويسائل كل منظومات إنتاج المعنى؟ ولماذا يبدو أن كثيراً من أقوالنا وتصوراتنا يعمل على إعادة إنتاج المعنى السابق وتأكيده؟ هل منظوماتنا الاجتماعية والفكرية بهذه المتانة فعلاً؟قد يبدو من غير المجدي الحديث عن انعدام «الحدث» في ثقافتنا المعاصرة، في مقابل ثقافة غربية أكثر ديناميكية، فمحاولات إعادة إنتاج المعاني، والإصرار الملح عليها، والتأكيد الدائم على امتلاكها، قد تشير إلى عكس ما ترمي إليه، أي الخواء وليس الامتلاء.
يصعب أن تسعى ثقافة طيلة عقود إلى «الاستعادة»، أي استعادة الدين، أو التراث، أو المجتمع، أو الأخلاق، المعلومة والصحيحة، إذا كانت تعرفها أو تمتلكها حقاً، أو تستطيع أن تعيشها.
ما قد يجعلنا أمام دوال فارغة، أي كلمات ورموز يكررها الجميع، تمتلك نوعاً من الحضور أو الهيبة، ولكن لا معنى محدداً لها، مثل «الإسلام الحقيقي»، «الوطنية»، «قيم المجتمع»، «الدولة المدنية»، «مواجهة العدو»، «النصر» وكذلك «الهزيمة».
لا يبدو السعي والصراع لأجل هذه الدوال، التي من المفترض أنها شديدة الرسوخ، أكثر معنى، أو أقل تشظياً، من سعي أبطال مسلسل «البقايا» للتعاطي مع عالمهم، الذي بات غريباً وغير مفهوم بالنسبة لهم.
ربما يوجد فرق أساسي، وهي أن أبطال المسلسل يسعون إلى معنى يعرفون أنهم لا يدركونه بعد، ويشوبه كثير من الغموض والدهشة والألم، «موجود هناك»، في مكان وزمان لم يتم تحديده بعد، ويفتح أفقاً للأسئلة والتعاطي معها، ويواجهون أثناء ذلك مشاعر الفقد والحداد والخسارة؛ فيما المعنى الغائب في ثقافتنا يبدو «موجوداً هنا»، ولكن شيئاً ما شريراً يمنعنا من «العودة له»، ما يجعل «الحدث» عكسياً، أي عودة إلى شروط رؤيا ضيّعانها لسبب ما.
المحاولة هي تذكّر ما كان قبل الحدث، وليس تذكّر الحدث نفسه.
يمكن إعطاء مثال عن هذا في مجزرة الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين، التي ارتكبها تنظيم داعش، هنالك حالة عامة من نسيان الإبادة، رغم أنها تحمل كل سمات «الحدث»: مقاتلون محليون وعشائر هاجموا إثنية ضعيفة وغير ذات امتياز، وقتلوا رجالها وسبوا نسائها بكامل الوحشية، بشعارات دينية وصور تراثية، من المفترض أنها من عمق ثقافة المنطقة، ما يطرح أسئلة شديدة الصعوبة على عالمنا الرمزي، لن تستطيع أطرنا في إنتاج المعنى الإجابة عليها.
ولكن بدلاً من ذلك تمت العودة إلى دال فارغ مثل «الإسلام الحقيقي»، الذي لا تمثله تصرفات داعش.
قد لا يكون هذا مجرد نسيان عادي للحدث، بقدر ما هو محاولة يائسة لتذكّر ما قبله، أي تذكر ما كان قبل أن توجد داعش، وانهيار الدولتين العراقية والسورية.
«الحدث» ماثل دائماً، ولكن هنالك محاولة لعكسه، أي إعادة الأمور إلى وضع سابق له، ينجي من الأسئلة.
محاولة الهروب الدائم من «الحدث» إلى عالمٍ قبله، عبر الإصرار على الدوال الفارغة، يجعل اللغة أقرب لتعاويذ، يبدو تكرارها محاولة لصرف أشباح ومسوخ، من الأفضل عدم التعاطي معها، ولذلك كلما بدت العبارة لا تقول شيئاً، نالت ثناءً وقبولاً وإجماعاً أكثر، فهي أقرب لتأدية الوظيفة المرجوة: تحقيق الأمان عبر النسيان والتعمية.
في مسلسل «البقايا» تسعى طائفة «البقية المذنبة» لإفساد أي تجمع يكرر هذا النوع من التعاويذ، مثل تسمية الراحلين «أبطالاً»، هذا الدال الفارغ يبدو إهانة، ليس للراحلين ولا حتى للباقين، بل للحدث نفسه.
ويدفع أعضاء الطائفة ثمن إصرارهم على التذكير برحابة صدر، حتى لو تعرضوا للضرب والاعتداء والأذى.
ولكن يبقى المصرون على الدوال الفارغة هامشيين جداً في المسلسل، إنهم عوام، وسياسيون محليون شعبويون، فيما الأبطال يجدون أنفسهم مجبرين على التذكّر، وهذا يعطيهم السمة التراجيدية المألوفة في الآداب والفنون الغربية عموماً، حيث يتفاعل «العيب التراجيدي» في الشخصية مع الأحداث، ليوصلها إلى مصيرها الذي يبدو محتوماً.
هل تفتقر ثقافتنا إلى الأبطال التراجيديين؟ربما يكون الأمر هكذا، ولا معنى كبيراً لمطالبة البشر بأدوار لا يجدون أنفسهم فيها، أما أسباب هذا فيجب البحث عنها في المنظومات الاجتماعية، ومفاهيم الذات الجماعية والفردية، التي تنتج مرددي تعاويذ، أكثر من طارحي أسئلة مأساوية.
ولكن، هل ما يزال بإمكاننا الاحتفاظ بترف ترديد التعاويذ؟يعود مفهوم «الإخلاص للحدث» للفيلسوف الفرنسي آلان باديو، وهو يُعرّف «الحدث» بوصفه قطيعة استثنائية وغير متوقعة ولا يمكن التنبؤ بها مع «الوضع»، أي مجموعة القواعد والمعاني والمعارف والمؤسسات، التي تحدد ما هو ممكن، وصحيح، ومُعترف به.
يعود مفهوم «الإخلاص للحدث» للفيلسوف الفرنسي آلان باديو، وهو يُعرّف «الحدث» بوصفه قطيعة استثنائية وغير متوقعة ولا يمكن التنبؤ بها مع «الوضع»، أي مجموعة القواعد والمعاني والمعارف والمؤسسات، التي تحدد ما هو ممكن، وصحيح، ومُعترف به.
«الحدث» ينتج حقائق جديدة عبر القطيعة، ولكن هذه الحقائق ليست ماثلة وموجودة سلفاً بمجرد حصول «الحدث»، بل تتطلب إخلاصاً له، أي أن يعيد الإنسان تنظيم حياته وفكره وممارساته بما يتناسب مع ما بدا أن الحدث كشفه، ولتطوير الإمكانية التي فتحها، والتي لا يمكن استخلاصها من البنى القائمة.
وإذا كان «الحدث» عند هيدغر هو انكشاف يغير أفق الفهم، فهو عند باديو واقعة تقطع مع قواعد الوضع، وتفتح إمكانيات جديدة.
يرى باديو أن الأصل هو التعدد والكثرة والاختلاف، فيما «الوضع» القائم يحاول تنظيم التعدد والكثرة، وتقديمها على أنها وحدة، أو منظومة موحّدة.
في النهاية سيُفلت عنصر أو عناصر معينة من هذا التنظيم، عبر خطأ ما، أو ثورة، أو كارثة، وهنا يقع «الحدث»، الذي ينتج جديداً لم يكن ممكناً من داخل «الوضع»، ويجب الوفاء لهذا، وإيجاد اللغة والممارسة المتناسبة معه، الأمر الذي يعيد إنتاج الذات نفسها.
ربما ما نعيشه حالياً هو محاولة للحفاظ على «وضع» منهار وفاشل، والإصرار على تقديمه على أنه وحدة متسقة، إذ ما نزال نريد الحديث عن أشياء واحدة: أمم وأوطان ومجتمعات، كلما غرقت في «حدث» تمزقها، كلما ازددنا إصراراً على تكرار تعاويذ «الوحدة».
فعلياً لا تعبّر هذه الوحدة الزائفة إلا عن محاولات سلطوية متأخّرة للهيمنة، في زمن انقلبت فيه السلطات إلى دول مضمحلة، وشبكات من الميليشيات و»المنظمات»، ومجتمعات أبوية منهارة، ومؤسسات ضبط اجتماعي عاجزة.
هذا ليس حدثاً «ثورياً» من النوع الذي قد يعجب باديو، ذي المزاج الفرانكفوني الراديكالي الكلاسيكي، بل أمرٌ مرعب، خاصة أن هذه المجتمعات لم تنتج أية قوى بديلة، نمت في رحم «الوضع» القديم.
مرددو التعاويذ يخدمون بالتأكيد السلطات الفاشلة، والعاجزة عن أداء وظائفها، ولكنهم يقدّمون شيئاً مطمئناً لمن يعيشون الأهوال المعاصرة، ويعجزون عن استيعاب «الحدث».
في مسلسل «البقايا» يبدو جميع الأبطال مخلصين تماماً لـ»الحدث»، ولا ينسونه للحظة، ويسعون لأجل الحقيقة، التي تبدو مشتتة، وغير قابلة للإمساك، وتناقض نفسها، فينتجونها عبر ممارساتهم بشكل مأساوي، بل يسقطون في تعاويذ جديدة، وسرعان ما يخرجون منها، ليواجهوا أسئلة أخرى.
وربما يكون الإخلاص للحدث ضرورة لنا أيضاً، مهما كان مأساوياً، وحقائقه صادمة ومشوهة ومتناقضة، إذ لا يمكنك التشبث بالتعاويذ، عندما لا يمكنها أن تحفظ عالمك، وأن تحميك من القتل والتجويع والانتهاك، بل عندما تعيق استمرار حياتك نفسها.
لا يمكن لأحد أن يعلم مسبقاً إلى أين قد يؤدي «الإخلاص للحدث»، لكن التجاهل والنسيان لم يعودا ممكنين، ولذلك فقد يكون من الأفضل لنا أن نفهم وضعيتنا بوصفنا «بقايا»، عليها أن تقوم بفعل غير مضمون، بدلاً من الاكتفاء بتعويذة «نحن ضحايا نقوم بردات فعل»، التي تطبع ثقافتنا المعاصرة.
لهذا قد تكون مشاهدة مسلسل «البقايا» أكثر من مجرد ترفيه، خاصة لمن خسروا، أو مهددين بأن يخسروا ما يزيد عن 2% من سكان ومحتويات عالمهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك