ثمة حالة من الترقب والحيرة تسود أوساط السياسيين بخصوص مزاج السلطة حول الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
في العادة، تعرف المرحلة السابقة لتقديم الترشيحات الانتخابية حركة ترحال كبيرة داخل الأحزاب الإدارية، بل وحتى داخل بعض الأحزاب الوطنية التي تبحث عن الأعيان لتوسيع حظوظها الانتخابية، لكن، تبدو الأمور أكثر بطئا بسبب عدم بروز مؤشرات كافية تنبئ عن الاتجاه الذي تميل إليه السلطة.
العديد من محترفي الانتخابات، رأوا في نزول السيد عزيز أخنوش رئيس الحكومة من أمانة حزبه التجمع الوطني للأحرار في وقت المحاسبة الشعبية، مؤشرا على أن هذا الحزب أصبح خارج رهان السلطة، على الأقل فيما يخص تصدّر الانتخابات وقيادة الحكومية، لكن مع ذلك لم تلحظ حركية واسعة منه إلى غيره من الأحزاب الإدارية، مثل الأصالة والمعاصرة، فهناك حالة يقين تام بأن بقاء القيادة الثلاثية الحالية للأصالة والمعاصرة، مع ما أثير من تهم تخص تضارب المصالح بخصوص فاطمة المنصوري الأمينة العامة للحزب، يعني أنه سيكون هو ألآخر خارج رهان السلطة، والمثير في الأمر، أن الحزب كاد أن يتحول إلى مركز استقطاب للمُرَحلين من محترفي الانتخابات عند تسريب خبر إمكان التحاق فوزي لقجع، وزير الميزانية بهذا الحزب، لكن نفيه الخبر أبقى ألأمور على ركودها السياسي.
في مقال سابق، تحدثنا عن ثلاثة أحزاب يدور مزاج السلطة على واحد منها، وربما هناك حالة من الإصرار على جعل السيناريوهات بينها مفتوحا إلى آخر لحظة، الأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، لكن التهم الثقيلة التي طالت زعيم الاستقلال نزار بركة، وزعيمة الأصالة المعاصرة فاطمة المنصوري بخصوص شراء عقارات فخمة بأثمنة بخسة بما يوحي بتضارب المصالح، ونزول عزيز أخنوش من الشجرة مبكرا، أعاد الغموض كلية إلى المشهد.
عمليا، وبالمقياس السياسي، لا يوجد في واقع الفعل والدينامية السياسية إلا حزب واحد، هو العدالة والتنمية، فهو يشكل اليوم الحزب المعارض، الذي يملأ الساحة بخطابه المنتقد للفساد وتضارب المصالح، لكن ثمة إكراهات عديدة تجعل من وصوله مرة ثالثة إلى قيادة الحكومة أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا، فهناك معادلة دولية وإقليمية، ترسخت في المنطقة تجعل المغرب لا يتحمل قيادته للحكومة، وهناك فوق ذلك وضع سياسي داخلي انتقالي، يصعب فيه أن يُجعل الإسلاميون في قيادة الحكومة، هذا فضلا عن أزمة بين الحزب والدولة، تطّرد مؤشراتها، منها أن الحزب لم يفز بالمطلق منذ المؤتمر الاستثنائي الذي حمل عبد الإله بن كيران إلى قيادة الجزب سنة 2021 بأي مقعد في أي انتخابات جزئية، بل ولم يقبل أي تعديل تقدم به بخصوص القوانين الانتخابية.
في الواقع ثمة مفارقة كبيرة تسود في المشهد السياسي، ترسم أطرافها الثلاثة بؤرة غير قابلة للشرح أو الانسجام، فمن جهة، هناك حالة من السخط العام على أداء حكومة أخنوش، بل هناك إشارة واضحة على أن الدولة لم تعد تتحمل بقاء حكومة أخنوش، أو للدقة وجود أخنوش في قيادة الحكومة لولاية ثانية، دليلُ ذلك هو خروجه المبكر من قيادة الأحرار، وحجم الحراكات الاجتماعية التي اندلعت في حكومته، والتي اضطرت الدولة بمؤسساتها الأمنية إلى الاحتكاك المباشر مع الجمهور لتهدئة الوضع بعد عجز الحكومة، ومن جهة ثانية، هناك حالة من الجمود يتسم به أداء مختلف الفاعلين الآخرين، فلا يوجد في الساحة حصان سريع، يمكن الرهان عليه لإضفاء معنى على السياسية أو على الأقل تحسيس المواطن بإمكان حصول تغيير ما، فحزب الاستقلال المشارك في الحكومة يتحمل كلفة أدائها، والاتحاد الاشتراكي، الحزب المعارض، أصبح خطابه أشبه ما يكون بمرافعة لدعم حكومة أخنوش، ومواجهة العدالة والتنمية، بينما حزب التقدم والاشتراكية، لم يستطع طول العقود الثلاثة الماضية أن يخرج من دائرة الحزب النخبوي.
ومن جهة ثالثة، يوجد حزب الإسلاميين، الذي لم يستطع تماما أن يخرج من أزمته الداخلية، ولا أن يوحد صفوفه، ولكنه استثمر حالة الفراغ وأضفى حركية سياسية أضحت تبدو أكثر نجاعة، لكن المشكلة، أن المعادلة الانتخابية، تحكمها اعتبارات أخرى، لا يمثل فيها الاقتراع الانتخابي إلا أحد الأبعاد، مما يرجح أن يكون خارج الرهان هو الآخر.
يبدو التحليل في مخرجاته عدميا، فالنتيجة الظاهرية التي يسمح بها أن الانتخابات في المغرب لا أفق لها، وربما تكاد تكون عبثية، لكن الأمر ليس كذلك تماما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك