في بلدٍ أثقلته سنوات التشظّي المؤسّساتي واستدامة الأزمات، أضحى ابتكار المسارات السياسية من البعثة الأممية للدعم في ليبيا أشبه بآلية روتينية لإدارة الأزمة بدلاً من حلّها، ليكون آخرها ما أطلق عليه" الحوار المُهيكَل"، ليُمثّل أحدث هذه المحاولات، فبعد عدّة أشهر من نقاشات ضمّت شخصيات ليبية تمثّل أطيافاً سياسية مختلفة، نُشر التقرير النهائي في 7 يونيو/ حزيران الحالي حاملاً في طيّاته تشخيصاً يمكن أن نطلق عليه تشخيصاً مكرّراً للأزمة، بل يحمل توصيات تعكس عمق الفجوة بين الطموح النظري والواقع السياسي المعقّد في بيئة تتّسم بانقسام حادّ بين معسكرين ومؤسّسات موازية.
وفي ظلّ بعثة أممية يرى كثيرون أنّها غدت متماهيةً مع الوضع القائم، ومُكتفية بدور" الميسّر" لعملية تدوير الوجوه من دون ممارسة ضغوط حقيقية وفاعلة لكسر الجمود السياسي داخل البلاد، نقف عند نتائج هذا الحوار في وقفات: الوقفة الأولى عند المثالية الإجرائية.
فعلى الرغم من وجود مقاربة سياسية حاول التقرير تقديمها، فإنّ نقده يبدأ من أنّه يغرق في" المثالية الإجرائية" ويتعامى عن" الواقعية السياسية"، إذ يبدو كأنّه كُتب لدولة تعاني من مشكلة إدارية، لا لبلد تتنازعه المجموعات المسلّحة والمصالح الضيّقة للنُّخب السياسية المستفيدة من استمرار الوضع الراهن، وانتهاء الأجسام الشرعية في البلاد منذ سنوات، الأمر الذي يستدعي إشراكها في أيّ عملية سياسية جديدة، أي تكرار المكرّر لا أكثر.
والوقفة الثانية غياب الإلزامية والآليات التنفيذية، إذ المعضلة الكُبرى في مخرجات الحوار المُهيكَل أنّها تفتقر إلى أيّ صفة إلزامية؛ فالتقرير ينصّ صراحةً على أنّ الحوار" منتدى استشاري وليس هيئة لصنع القرار"، وبذلك تصبح التوصيات رهينةً بموافقة الأطراف التي تسبّبت في الانسداد السياسي، وبالتالي، فإنّ الدائرة المغلقة لم تتغيّر، بل ندور فيها ذهاباً وإياباً.
أما الوقفة الثالثة، فإعادة تدوير المقاربات الفاشلة، حيث تعيد الخيارات المطروحة لتشكيل الأجسام السياسية بما فيها التنفيذية بالصيغة نفسها" ملتقى الحوار السياسي" في تونس وجنيف، أو حتّى أنّها لا تخرج من دائرة تفاهمات مجلسَي النوّاب والدولة السابقة، وبالتالي، فإنّ هذه الآليات أثبتت التجربة أنّها تؤدّي إمّا إلى ولادة حكومات هشّة تفتقر إلى السيطرة الفعلية على الأرض، أو إلى صفقات تقاسم سلطة ونفوذ سرعان ما تنفجر عند أوّل استحقاق حقيقي للانتقال من المراحل الانتقالية إلى الدائمة تُقصي الفاعلين فيها.
المعضلة الكُبرى في مخرجات الحوار المُهيكَل أنّها تفتقر إلى أيّ صفة إلزاميةوبالتالي، تضعنا هذه الخيارات أمام أسئلة جوهرية تبحث عن إجابات واضحة أولها: كيف يمكن إجبار الأجسام السياسية الحالية التي يطالب التقرير باستبدالها أو تقليص صلاحياتها على تبنّي هذه التوصيات وتطبيقها، وهي تتضارب مع مصالحها، بل ولها القدرة على تعطيل أيّ مسار لا يضمن مصالحها، وهذا ما كان واقعاً في عدّة محاولات سابقة لتخطّي هذا الانسداد السياسي، وكذلك إذا رفضت هذه التوصيات سلطة الأمر الواقع في البلاد، فما الخطّة البديلة لدى البعثة الأممية والمجتمع الدولي؟ هل تمتلك البعثة الجرأة لتجاوز الأجسام القائمة وفرض شرعية بديلة، أم ستكتفي بالعودة إلى مجلس الأمن لإبداء" القلق" والمطالبة بجولة حوار جديدة؟ هل الاستقطاب الإقليمي والدولي المستمرّ حول الملفّ الليبي، وتداخل مصالح الدول الكُبرى، يعكسان توافقاً دولياً حقيقياً، أم أنّها مناورة لملء الفراغ السياسي بانتظار تفاهمات دولية أكبر خارج الحدود الليبية؟في المحصّلة، إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة ليست من الصعوبة بمكان، وإنّما يكمن الخلل في أنّ" الحوار المُهيكَل" ما هو إلا أداة استشارية فحسب، والمعضلة الليبية لم تعد تفتقر إلى أفكار جديدة أو تقارير جامعة، بل يحتاج الوضع السياسي الليبي في حقيقته إلى إرادة فاعلة قادرة على تفكيك شبكات المصالح المستفيدة من الوضع القائم، خاصّةً أنّ البعثة الأممية في ليبيا ولسنوات متتالية لم تكن تخرج من عقلية إدارة الأزمة لا أكثر، وبالتالي، فإنّ هذه المخرجات لن تتجاوز أن تكون وثيقةً ستنضمّ إلى أرشيف المبادرات السابقة فحسب، ليكون الحلّ الحقيقي في إعادة صياغة المعادلة (المحلّية- الدولية) من خلال البدء باستراتيجية مغايرة ترتكز على بناء الشرعية من القواعد الشعبية لا من المحاصصات السياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك