قبل ثلاثة أيام من استضافتها قمة مجموعة السبع في إيفيان (بين 15 و17 يونيو/حزيران الحالي)، اختارت فرنسا أن تعيد الملف الفلسطيني الإسرائيلي إلى الواجهة الدبلوماسية من خلال مؤتمر لـ" المجتمع المدني" الفلسطيني والإسرائيلي حول حلّ الدولتين، في خطوة تبدو حذرة وبعيدة عن أي رهان سياسي مكلف.
فالمؤتمر، الذي يُقام اليوم الجمعة في معهد العالم العربي بالعاصمة باريس، لا يستضيف ممثلين سياسيين من الطرفين من أجل التفاوض، ولا يطرح آلية ضغط جديدة على حكومة بنيامين نتنياهو، بل يجمع ناشطين وشخصيات مدنية ومنظمات مؤيدة لحلّ الدولتين، لم يعلن عنها حتى اللحظة الأخيرة لما قبل انعقاد مؤتمر باريس لحلّ الدولتين وكأنها سرّ لا يجوز كشفه، في وقت تنشغل فيه إسرائيل بتحويل هذا الحل إلى أفق شبه مستحيل، إن كان من خلال الحرب والاحتلال المستمرين في غزة، أو عبر توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، أو من خلال العمل على خنق السلطة الفلسطينية اقتصادياً.
تركيبة مؤتمر باريس لحل الدولتينويمثّل مؤتمر باريس لحلّ الدولتين النسخة الثانية من" نداء باريس"، الذي انعقد في 13 يونيو من العام الماضي، على هامش التحضيرات الفرنسية السعودية للمسار الذي قاد، نهاية يوليو/تموز 2025، إلى إعلان نيويورك حول حل الدولتين، ومن ثم اعتراف فرنسا، مع عدد من الدول الأخرى، بدولة فلسطين في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه.
وإلى جانب جهات المجتمع المدني، يحضر في المؤتمر وزراء ومسؤولون وممثلون حكوميون عن 14 بلداً على الأقل، من بينها بريطانيا وإسبانيا وبلجيكا وتركيا وقطر والإمارات والبرازيل والمكسيك والنرويج، إضافة إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، والمفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا شويتسا.
ويشمل البرنامج عرض الخلاصات والتوصيات التي توصلت إليها خمس مجموعات عمل بعد اجتماعات وجلسات عدة جرت خلال الأسابيع والأشهر الماضية، وتناولت خمسة مواضيع تتصل بالأمن، والمساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة، ومخاطر الاستيطان وتوسعه في الضفة، إلى جانب قضايا الديمقراطية والإصلاح، فضلاً عمّا سمّته وزارة الخارجية الفرنسية" الاندماج الإقليمي"، ويُقصد به تطبيع الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل.
تقدّم باريس المؤتمر بوصفه وسيلة لإبقاء الملف الفلسطيني الإسرائيلي في الواجهة، على أن تُنقل خلاصاته إلى قادة مجموعة السبع في إيفيانورغم الحماسة الفرنسية التي أحاطت بالمؤتمر، وتقديمه منذ أسابيع بوصفه محطة ضرورية لإحياء مسار السلام وحل الدولتين، فإن تركيبة مؤتمر باريس تنطوي على سقف سياسي منخفض.
فالتمثيل الرسمي من الطرفين المعنيين غائب حتى في أبسط صوره، إذ اعتذر السفير الإسرائيلي في باريس جوشوا زاركا عن الحضور، كما فعل في نسخة العام الماضي، فيما لم ترد السفارة الفلسطينية في باريس على الدعوة التي وُجهت إليها.
هكذا، يبقى الرهان الفرنسي على هذا الموعد محصوراً في تحويل ما أنتجه العمل المدني من نقاشات وخلاصات إلى مادة سياسية قابلة للتداول، أكثر من قدرته على إطلاق مسار من شأنه التأثير في ما يجري على الأرض.
وتقر الدبلوماسية الفرنسية، ضمناً، بهذا السقف، إذ تقدِّم المؤتمر بوصفه وسيلة لإبقاء الملف الفلسطيني الإسرائيلي في الواجهة بعدما دفعته الحروب المشتعلة في المنطقة إلى الهامش، على أن تُنقل خلاصاته إلى قادة مجموعة السبع في إيفيان، وفق ما قاله وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية.
على أن هذا النوع من المبادرات لا يبدو في مستوى اللحظة التي تمر بها فلسطين، بحسب الباحث الفرنسي في العلوم السياسية ديدييه بيون.
فالمشكلة، كما يقول بيون في حديث إلى" العربي الجديد"، ليست في دعم أصوات فلسطينية وإسرائيلية تؤمن بالسلام، بل في أن يصبح هذا النوع من المبادرات عنوان التحرك الدبلوماسي الفرنسي في لحظة تتطلب ضغطاً سياسياً مباشراً على إسرائيل.
ويرى بيون أن مبادرة كهذه كانت لتبدو مفهومة في ظروف أكثر هدوءاً، لكنها تبدو اليوم شديدة الهشاشة في ظل ما يجري من حرب على غزة وتوسع للاستيطان في الضفة الغربية والقدس.
ويقول: " اعترفت فرنسا بدولة فلسطين قبل عام.
هذا، ولو جاء متأخراً، أفضل من عدم الاعتراف.
لكن ماذا فعلت فرنسا منذ ذلك الحين؟ لا شيء، أو تقريباً لا شيء".
من جهتها، تدافع الأوساط الدبلوماسية الفرنسية عن مؤتمر باريس لحلّ الدولتين بوصفه امتداداً لإعلان نيويورك، وتعبيراً عن موقف فرنسي يرفض الخطاب القائل بأن حلّ الدولتين بات" وهماً من زمن أوسلو".
والمؤتمر، في هذه القراءة، لا يُقدَّم بوصفه منصة لإنتاج اختراق سياسي، بل باعتباره حلقة في مسار بدأ مع الاعتراف بدولة فلسطين، وتريد له باريس أن يبقى حاضراً في دائرة النقاش.
ذلك أن تدهور الوضع في غزة والضفة لا يسوّغ، في المنطق الفرنسي، سحب مبدأ الدولتين من التداول السياسي، بل يجعل التمسك به أكثر إلحاحاً.
والهدف من هذا، بحسب باريس، ليس تناسي مأساوية الوضع في فلسطين، بل منع منطق القوة وصوت السلاح من تهميش المرجعية السياسية التي ترى فرنسا أنها الركيزة لأي تسوية ممكنة.
ديدييه بيون: هذه المبادرة كانت لتبدو مفهومة في ظروف أكثر هدوءاً، لكنها تبدو اليوم شديدة الهشاشةوعلى هذا الأساس، تقول باريس إنه جرى اختيار المشاركين في المؤتمر.
إذ كان المعيار الأساسي في انتقائهم إيمانهم بحلّ الدولتين واستعدادهم للعمل من أجل تقديم صياغات تنطلق منه.
وقد استعان المنظمون بالبعثات الدبلوماسية الفرنسية في القدس وتل أبيب من أجل التنسيق مع شبكات المجتمع المدني المتعاونة معها، كما جرى التحضير للمؤتمر بالتعاون مع منظمات تتحرك في فضاء" بناء السلام"، القريب من الأروقة الدبلوماسية والبرامج الحكومية ومصادر التمويل، بما يتجاوز التمثيل المدني الواسع.
فـ" محاربات من أجل السلام" حركة نسوية فرنسية أسّستها هانا أسولين عام 2022، وتقدّم نفسها جمعية ضد الكراهية والتمييز ومعاداة السامية والإسلاموفوبيا، غير أنها واجهت انتقادات من أوساط مؤيدة لفلسطين رأت في خطابها ميلاً إلى تحويل الاحتلال إلى" صراع" بين" طرفين"، وتغليب لغة المصالحة على سؤال المسؤولية السياسية.
أما" مبادئ من أجل السلام"، ومقرها جنيف، فتقودها الفلسطينية هبة قصاص، التي عملت لفترة طويلة في الأمم المتحدة، وتعمل على جمع شخصيات إسرائيلية وفلسطينية حول مقترحات قابلة للعرض في المحافل الدولية حول الضفة وإصلاح السلطة وتصور دولة فلسطينية منزوعة السلاح.
وفي الحقل نفسه، يعمل" تحالف السلام في الشرق الأوسط"، ومقره واشنطن، وهو شبكة تضم أكثر من مائتي منظمة، ويقول إن عمله في الضغط والمناصرة ساهم، منذ تأسيسه، في توفير نحو 400 مليون دولار لبرامج بناء السلام الإسرائيلية الفلسطينية.
وبهذا المعنى، لم تبحث باريس عن تمثيل واسع للمجتمعين، بل عن جهات تتحرك ضمن المساحة نفسها التي تتحرك فيها الدبلوماسية الفرنسية.
وهذا ما يذكّر، مرة أخرى، بمحدودية المسعى الذي يقوم عليه مؤتمر باريس.
فهو يتوجه إلى جمهور مقتنع أساساً بخطابه، لا إلى من يملكون القدرة على تغيير الواقع.
إذ يمكن للمشاركين تقديم شهادات وتوصيات من شأنها الحفاظ على أمل بالسلام، لكنّ مصير ما يقولونه يبقى مرتبطاً باستعداد الحكومات للانتقال من تشجيع هذه الأصوات إلى حماية الشروط السياسية التي تجعل لكلامها معنى.
وتبدو حدود هذا الرهان أوضح حين تقارَن بما تعرفه الدبلوماسية الفرنسية نفسها عن الوقائع على الأرض.
ففي غزة، لم يؤد وقف إطلاق النار إلى انسحاب إسرائيلي أو إعادة إعمار، بل قُتل خلاله مئات الفلسطينيين واستحلّت إسرائيل مساحات واسعة من القطاع، مع استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات.
أما في الضفة الغربية والقدس، فقد دخلت المشاريع الاستيطانية مرحلة جديدة لم تعد تقتصر على التوسع بالاستيطان فحسب، بل باتت تهدد بقطع أوصال الأرض الفلسطينية والإتيان على ما تبقى من شروط قيام دولة مستقلة فيها.
وفي سياق كهذا، تبدو إقامة مؤتمر باريس للمجتمع المدني للبحث في الأمن وإصلاح السلطة والتطبيع الإقليمي وكأنها تتحرك في زمن سياسي مختلف عن الزمن الذي تفرضه الوقائع على الأرض.
وما يزيد من هشاشة هذا الخيار أن الأصوات المدنية المدعوة إلى باريس" باتت اليوم مهمّشة تماماً في مجتمع مثل المجتمع الإسرائيلي"، كما يقول بيون.
ويلاحظ الباحث تراجعاً في حركة السلام الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، " بعد أن كانت قادرة على حشد عشرات الآلاف من المتظاهرين" في السابق، بينما تبدو الأصوات التي تدافع عن التسوية السياسية اليوم أبعد من أي وقت مضى عن مراكز صناعة القرار.
ويلفت إلى أن الخارجية الفرنسية" تعطي أهمية كبيرة للمجتمعات المدنية، لكنها للأسف لم تعد الموضوع اليوم".
والموضوع، في نظره، هو إيقاف الحرب من خلال ضغط سياسي حقيقي على إسرائيل، لأن أي خيار آخر" يعني أننا خاسرون مسبقاً".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك