طالما كانت فترة ما بعد الثانية عشرة ظهراً، موعداً متفقاً عليه ضمنياً بين المثقفين، للقاء في مقهى الروضة بدمشق.
لكننا اليوم، لا نعثر على أحد هناك.
كأن أحوال الأمكنة تغيرت وتبدّل روادها، رغم استمرار كراسي الخيزران، بأداء مهمتها التاريخية في مقاومة الضجر.
إعادة اكتشاف المقاهي، أصبحت ضرورة ملحة، ونشاء أن نبدأها من مقهى" الشرق الأوسط"، حيث للمكان، الشيء الكثير من اسمه، خاصة أنه يطل على شارع" الثورة"، وساحة المرجة، أو الشهداء، الذين أعيد توصيفهم مؤخراً.
يبدأ" تلفزيون سوريا"، صعود الدرج باتجاه الطابق الثالث، بعد أن نرمي" فتيشة" على شكل سؤال، باتجاه أحد الباعة: " كيف ندخل إلى الشرق الأوسط"؟ ، ليجيب السوري بنباهته المعروفة: " من ذلك المدخل الحديدي الضيق، لكن انتبهوا، فالدرج متسخ وصعب"!
نبدأ الصعود نحو المكان، وعند المدخل، نتمنى للنادل الذي أنهى صلاته للتوّ، صالح الأعمال والبركات، ثم نخبره بأننا نقوم بإعادة اكتشاف مقاهي دمشق، للتعرف على أحوالها، فيرشدنا للموظف المسؤول، الذي يهز رأسه موافقاً على التصوير والتجوال قائلاً: " وهل تعتقدون أنكم ستعثرون على كنز"؟
ويستغرب الموظف، عندما نسأله إن كان بعض المثقفين يداومون على الجلوس في هذا المقهى، ويقول: " أحياناً أشاهد أشخاصاً يحملون جرائد أو كتباً، ربما تقصدون هؤلاء؟ ".
الزبائن قليلون في مقهى الشرق الأوسط، ولا جلسات جماعية يتحلق فيها الأشخاص حول الطاولات.
فقط أشخاص منعزلون ضجرون، كأنهم ينتظرون شيئاً ما!
لكن أسعار كاسات القهوة والشاي هنا، أرخص بكثير من بقية المقاهي، لهذا يسمونه مقهى البسطاء والدراويش، رغم موقعه الاستراتيجي المطل على ساحة يوسف العظمة وشارع الثورة، ومجموعة المطاعم والمقاهي التي افتتحت مؤخراً في مجمع" يلبغا".
المثقفون والمقاهي.
إعادة تموضع!تنازل مقهى" البرازيل" في فندق الشام، عن مكانته التاريخية، كمكان مفضل للكتاب والشعراء، ولبس حلةً أخرى خلال السنوات الماضية، لكن مقاهي" الكمال" و" الروضة" و" الهافانا"، ما زالت بهوياتها الشخصية، مع تعديلات في طبيعة الرواد.
يفضل الشاعر صقر عليشي، الجلوس في مقهى" الكمال"، ويقول إنه الأخفّ ازدحاماً وضوضاء.
كما يعقد فيه مجموعة من الإعلاميين القدامى، لقاء شهرياً، بهدف الحفاظ على التواصل واسترجاع الماضي.
لكن المشهد الاجتماعي، لا يكتمل في مقهى" الكمال"، إذ ينفرد عشاق الأراكيل، على طاولاتهم، وينهمكون بنفث الدخان، غير عابئين أنهم يديرون ظهورهم غير متقابلين، كأنهم يفضلون النظر للفراغ.
الأسعار هنا ترتفع قليلاً، عما يتقاضاه" الشرق الأوسط" من الزبائن، كما ينفرد" الكمال"، بتفوقه بعدد الطاولات التي يجتمع فيها عدة أشخاص، إضافة لتميزه بحضور بعض الكتاب والمثقفين بين حين وآخر، متحمسين للصالة الصيفية، التي يتم افتتاحها عادة كل موسم.
ويبدو الخروج من" الكمال"، باتجاه مقهى" الهافانا" صاحب السمعة التاريخية، في السياسة والأدب والحوارات الساخنة، نقلة نوعيةً بالنسبة للزائر، لكن" هافانا" أيام زمان، ليست هافانا اليوم.
فالرواد قلائل، والمكان تحول لاستراحة للعابرين وسط المدينة، باتجاه مبنى المحافظة أو البنك المركزي وشركات الصرافة.
يفضل الفنان والمصور جورج عشي، الجلوس في مقهى الهافانا، ويحافظ على موعد محدد في الأسبوع، يكون بمثابة لقاء مع من يقدر على الحضور من الأصدقاء القدامى.
لكن" الهافانا"، لا تشذّ عما يجري في" الشرق الأوسط" و" الكمال"، حيث استقال المكان من ميزته، كفضاء للمثقفين.
رماة النِّرد و" الطرنيب".
مكان قصائد النثر والفنونرغم قساوة المشهد، بقي مقهى" الروضة" يحاول عدم خسارة جلسات المثقفين، التي تجذب رواداً مشغولين بهموم السياسة والثقافة والأدب، إلى جانب العشاق والعابرين، الذي يجذبهم" لوغو" المقهى في شارع العابد.
ويعرقل حرص المقهى، ارتفاع مستوى الضيق الاقتصادي والتضخم، وعدم تمكن المثقفين من تخصيص مبالغ كبيرة في الشهر، لفنجان القهوة و" قنينة" الماء، تصل إلى 30 ألف ليرة للزيارة الواحدة.
البعض حدد زيارة واحدة في الشهر إلى" الروضة"، مراعاة للدخل المحدود.
وآخرون يقتصرون على الحضور، عندما يتلقون دعوة مفاجئة من أصدقاء غائبين، إلى درجة أن جلسات الحوار التي نشطت كثيراً بعد التحرير، غابت اليوم بشكل كامل تقريباً.
نعبر مدخل مقهى الروضة، ونتجاوز أبواب البللور، باتجاه الصالة المزروعة بالكراسي، وفي وسطها بحرة ماء، وعلى جدرانها" صمديات" قديمة وأوانٍ من نحاس.
نتلقف طاولات الرخام وكراسي الخيزران بسرعة، لنشعر بالاطمئنان، ونحن نرى الروائي خليل صويلح، يحافظ على كرسيه وطاولته، جهة اليمين، حيث اعتاد الجلوس.
لم يغب صويلح عن تضاريس المكان، منذ سنوات عديدة.
هنا، منبع الحكايا وملعب الأصدقاء القادمين من المدن البعيدة، حيث يحضر الشاعر فاتح كلثوم في هذا الوقت بالضبط، بعد الثانية عشرة ظهراً، وترتفع حظوظ العثور على الأصدقاء.
يتردد أحياناً على المقهى، مخرج" أحلام المدينة" محمد ملص، مع كتاب إعلاميين، غالباً ما يختارون المكان لإجراء الحوارات الصحفية.
أما احتمالات اللقاءات الأخرى، فلا بد أن تحدد بموعد مسبق، لأن عادة القدوم بشكل يومي، خفت كثيراً، مع عدم القدرة على تكبّد التكاليف.
وخلال أحداث مميزة، مثل مباريات كأس العام، يختلف رواد المقهى بشكل كامل، حيث غالباً من يهرب المثقفون من الضجيج وحفلات الحماس التي ترافق المباريات، ويغلب على المكان جمهور المشجعين، ورماة نرد الحظ، ولاعبو ورق الطرنيب، والمتعلقون بنفث دخان الأراكيل.
لم تعد حوارات النص الجديد، تحضر في المكان كما السابق.
حتى قصيدة النثر التي ازدهرت في مقاهي دمشق، انكفأت في ظهورها العلني، أمام استيلاء القصيدة العمودية للمنبر، رغم سمعتها التاريخية السيئة في مدح الطغاة، وتكرارها ذائقات كلاسيكية، تمت كتابتها آلاف المرات.
القصائد أعمال شاقة، يقول الشاعر كلثوم، وهو ينهي فنجان القهوة بسرعة، كي يلحق الباص المتجه إلى مدينته النائية" سلمية"، ويقول: " لا أستطيع أن أغيب عن مقهى الروضة، كأنني أدافع عن جزء من الذاكرة عندما آتي هنا".
يحتاج المثقفون لأماكن، خارج سياق حسابات الربح والخسارة المالية، التي تحكم عمل المقاهي.
ويطمحون في أن يخصص اتحاد الصحفيين أو وزارة الثقافة، مكاناً من عقاراتهم الكثيرة، كفضاء خاسر تجارياً، رابح إبداعياً، يدفع فيه المثقفون أجوراً رمزية، لقاء فنجان القهوة وكأس الماء.
ينتظر المثقفون، أن يلقي لاعبٌ ما، نرد الحظ المفاجىء، ليقلب الطاولة، معلناً استعادة القصائد والأفكار، لجغرافيتها الضائعة، لكنهم يوقنون أن اللعبة قد تطول، بانتظار قدوم لاعب النرد الماهر.
الملك!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك