" أخشى أن يأتي يوم لا أستطيع فيه حمل أبنائي"، بهذه الكلمات يختصر أبو مصطفى جانباً من المأساة التي تعيشها أسرته في قرية معرشمشة بريف إدلب الجنوبي.
أبو مصطفى الذي عاد مع عائلته إلى بلدته بعد سنوات طويلة من النزوح، وجد منزله دون أسقف، مما دفعه إلى تحويل خيمته لسقف يحميه من حر الصيف وبرد الشتاء، لكن الدمار لم يكن التحدي الوحيد الذي ينتظره؛ فداخل الخيمة يعيش ثلاثة أطفال مصابين بضمور في الدماغ، يحتاجون إلى رعاية وعلاج ومتابعة صحية تفوق بكثير قدرة الأسرة المادية.
في معرشمشة، لا تبدو قصة أبي مصطفى حالة استثنائية، فبين البيوت المهدمة والخيام المنتشرة فوق الركام، تعيش عائلات أخرى ظروفاً متشابهة، بينها عائلة الحاج عبدو التي تضم طفلة تعاني المرض ذاته.
وبينما يحاول الأهالي إعادة بناء حياتهم بعد سنوات الحرب والنزوح، يجدون أنفسهم أمام معركة يومية أكثر تعقيداً؛ معركة الحفاظ على حياة أطفالهم في ظل غياب الإمكانات الطبية والدعم المعيشي.
تروي العائلات أن رحلة العودة التي انتظرتها طويلاً لم تنتهِ بالاستقرار الذي كانت تأمله، فالمنازل التي تركتها قبل سنوات عادت إليها جدراناً متصدعة وأسقفاً منهوبة، في حين بقيت الخيام الملاذ الوحيد للكثير من الأسر، وفي ظل البطالة وضعف الدخل وارتفاع أسعار العلاج، تتحول الإصابة بمرض مزمن إلى عبء يتجاوز قدرة معظم العائلات على الاحتمال.
داخل المنازل المغطاة بخيمة التي يعيش فيها أبو مصطفى، تبدو آثار المرض واضحة على أجساد أطفاله الثلاثة، الحركة محدودة، والجلوس لفترات طويلة يرهقهم، في حين تحتاج حالتهم إلى متابعة طبية مستمرة لا تستطيع الأسرة توفيرها.
يقول أبو مصطفى: " أكبر همومي اليوم ليس المنزل ولا الطعام، بل أطفالي، كلما كبروا شعرت أن المرض يسبقنا، نحتاج إلى أدوية ومراجعات طبية ومستلزمات لا أستطيع تأمينها، وأحياناً أشعر أنني أقف متفرجاً على معاناتهم من دون أن أملك القدرة على مساعدتهم".
لا تقتصر معاناة هذه العائلات على المرض بحد ذاته، بل تمتد إلى الظروف المحيطة به، فالأطفال المصابون بأمراض عصبية أو عضلية مزمنة يحتاجون عادة إلى بيئة مستقرة ورعاية مستمرة ومتابعة صحية متخصصة، وهي أمور يصعب توفيرها في منطقة تعاني من ضعف الخدمات وارتفاع نسب الفقر.
ويقول الأهالي إنهم لا يواجهون المرض وحده، بل يواجهون أيضاً غياب برامج الدعم المنتظمة التي يمكن أن تخفف جزءاً من الأعباء الملقاة على عاتقهم؛ فكلفة التنقل إلى المراكز الطبية، وثمن الأدوية، والحاجة إلى تجهيزات خاصة، كلها تتحول إلى تحديات يومية أمام أسر فقدت مصادر دخلها خلال سنوات النزوح.
أبو مصطفى الذي كان يأمل أن تكون العودة إلى القرية بداية جديدة، وجد نفسه أمام واقع أكثر قسوة مما توقع، فبعد سنوات قضاها في المخيمات، عاد ليبدأ من الصفر تقريباً، بينما تتزايد احتياجات أطفاله الصحية مع مرور الوقت.
ويتابع: " في المخيم كنا نحلم بالعودة فقط، لم نكن نفكر كثيراً بما سنجده بعد العودة، أما اليوم أصبح همي أن أؤمن الدواء قبل أي شيء آخر".
الطبيب برهان اليونس والمختص بالأمراض العصبية قال لـ موقع تلفزيون سوريا، إن ضمور الدماغ لدى الأطفال ليس مرضاً واحداً بحد ذاته، بل حالة تنتج عن تلف أو فقدان جزء من الخلايا العصبية في الدماغ، ما قد يؤدي إلى درجات متفاوتة من الإعاقة الحركية أو الذهنية أو كليهما معاً، بحسب شدة الإصابة والمنطقة المتأثرة من الدماغ.
ويضيف: " يحتاج هؤلاء الأطفال إلى متابعة طبية دورية ومستمرة، إضافة إلى جلسات علاج فيزيائي وتأهيل حركي وعلاج نطق في بعض الحالات، فضلاً عن أدوية تساعد على ضبط الاختلاجات أو التشنجات العصبية إن وجدت، كما يحتاج كثير منهم إلى برامج تغذية خاصة وأدوات مساعدة للحركة والجلوس والنوم، بهدف الحد من المضاعفات وتحسين نوعية حياتهم".
ويتابع: " المشكلة لا تقتصر على العلاج الدوائي فقط، فاستقرار الحالة الصحية لهؤلاء الأطفال يتطلب بيئة سكنية مناسبة ورعاية يومية مستمرة وإمكانية الوصول إلى المراكز الطبية المختصة".
ويوضح: " أن انقطاع المتابعة الطبية أو جلسات التأهيل لفترات طويلة قد يؤدي إلى تراجع القدرات الحركية وزيادة المضاعفات الصحية، لذلك فإن توفير الرعاية التأهيلية المنتظمة والدعم الاجتماعي للأسر يشكل جزءاً أساسياً من العلاج، لأن هذه الحالات تحتاج إلى متابعة طويلة الأمد أكثر من حاجتها إلى تدخلات إسعافية مؤقتة".
على بعد مسافة قصيرة من خيمة أبي مصطفى، تعيش عائلة الحاج عبدو قصة مشابهة، بعد عودته من مخيمات النزوح إلى منزله في معرشمشة وجده دون سقف، فاضطر مع أفراد أسرته إلى العيش داخل خيمة أقيمت بين الجدران المتصدعة.
يقول الحاج عبدو لموقع تلفزيون سوريا، " أرى الطفلة تكبر أمامي والمرض يزداد قسوة عليها، بينما أعجز عن فعل شيء، لا أملك ثمن علاجها، ولا أملك منزلاً يحميها من الحر والبرد".
ويضيف: " عدنا إلى قريتنا بحثاً عن الاستقرار، لكننا وجدنا أنفسنا نبدأ من الصفر فوق أنقاض بيتنا".
وتعيش مع الأسرة طفلة تعاني من ضمور في المخ، تحتاج إلى عناية خاصة لا تستطيع العائلة توفيرها بشكل كامل، ويقول الحاج عبدو: " أكثر ما يؤلمني هو رؤية الطفلة وهي تكبر وسط هذه الظروف، تحتاج إلى علاج ومتابعة واهتمام، بينما نحن ما زلنا نبحث عن طريقة لتأمين سقف للمنزل".
في معرشمشة، ما تزال آثار القصف والدمار حاضرة في معظم أحياء القرية، أسقف منهوبة، جدران متشققة، ومنازل تحولت إلى هياكل إسمنتية فارغة، وتحاول العائلات العائدة إيجاد مساحة للحياة، ولو داخل خيمة مؤقتة.
لكن الحياة داخل الخيام تفرض تحديات إضافية على الأطفال المرضى، فدرجات الحرارة المرتفعة صيفاً والبرد القاسي شتاءً يزيدان من معاناة الأسر، كما أن ضيق المساحة وصعوبة الحركة يضاعفان من الأعباء اليومية.
وتؤكد العائلات أن العودة إلى القرية لم تكن نهاية المعاناة كما تخيلت، بل بداية مرحلة جديدة من التحديات، فالمخيمات التي غادروها كانت تفتقر إلى كثير من مقومات الحياة، لكن العودة إلى منازل مهدمة وضعتهم أمام مشكلات إضافية تتعلق بالسكن والعمل والخدمات الأساسية.
يعاني أهالي قرية معرشمشة بريف إدلب الجنوبي من غياب شبه كامل للخدمات الصحية داخل البلدة، في ظل تدمير البنية الطبية خلال سنوات الحرب وعدم إعادة تأهيل أي مركز صحي حتى الآن، يقول أبو مصطفى؛ إن أقرب مركز صحي يبعد نحو 10 كيلومترات عن القرية، إلا أن خدماته محدودة ولا توفر العلاجات الخاصة أو الأدوية النوعية التي يحتاجها الأطفال المصابون بحالات مزمنة مثل ضمور الدماغ أو الإعاقات الحركية والعصبية.
ويضيف أبو مصطفى أن هذا الواقع يفرض عبئاً إضافياً على العائلات، خصوصاً في ظل الظروف المعيشية الصعبة وغياب مصادر الدخل، ما يجعل التنقل المتكرر إلى المراكز الطبية أمراً شبه مستحيل بالنسبة لكثير من الأسر.
ويشير إلى أن الأطفال الذين يحتاجون إلى جلسات علاج فيزيائي وتأهيل طبي منتظم لا يحصلون على أي متابعة حقيقية، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور تدريجي في حالتهم الصحية مع مرور الوقت.
ويتابع قائلاً: " نحن نضطر أحياناً إلى تأجيل زيارة الطبيب بسبب عدم القدرة على تأمين أجرة الطريق أو ثمن الدواء، رغم أن حالة الأطفال تحتاج إلى متابعة دائمة".
ويؤكد أن الأهالي يوجهون نداءً إلى وزارة الصحة ومديرية الصحة في إدلب من أجل العمل على إنشاء نقطة طبية داخل القرية أو دعم المراكز القريبة بالأدوية والعلاجات الأساسية، بما يضمن الحد الأدنى من الرعاية الصحية للأطفال المرضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك