بعد عام ونيف على سقوط نظام الأسد، ما يزال السوريون يعيشون مرحلة انتقالية معقدة بعد عقود من القمع والحرب التي استمرت 14 عاماً.
ورغم شعور كثيرين بالتحرر، فإن آثار العنف الواسع، والتوتر الطائفي والعرقي، وعودة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين، إضافة إلى انتشار تعاطي المخدرات، تحولت كلها إلى عوامل خلقت احتياجات هائلة في مجال الصحة النفسية لدى الصغار والكبار.
وبالمقابل، ما تزال منظومة الصحة النفسية في سوريا ضعيفة ومحدودة الموارد، ما يترك معظم السكان من دون رعاية كافية، ويدفعهم للالتجاء إلى الأسرة والدين والمجتمع للتعامل مع الضغوط النفسية.
خلال العام الماضي، برزت الحاجة إلى إعادة بناء شاملة لقطاع الصحة النفسية.
ففي زيارة إلى حمص عام 2025 مع منظمة (ميدغلوبال)، بدأ التعاون مع وزارة الصحة وأطباء سوريين على تأسيس خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي.
وشملت الأنشطة اجتماعات مع جهات متعددة، ومجموعات نقاش، وتدريب للكوادر، وتقديم خدمات علاجية ووقائية.
وفي مؤتمر صحي كبير بحمص، طُرحت التحديات الهائلة التي تواجه النظام الصحي، لكن الأجواء حملت أيضاً أملاً واضحاً بإمكانية التغيير، خصوصاً في مجال الصحة النفسية الذي طالما عانى من الإهمال.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو واحد من كل عشرة سوريين يعاني من اضطراب نفسي، بينما تعيق الوصمة الاجتماعية وضعف الخدمات حصول كثيرين على العلاج.
مع التغيير السياسي ورفع العقوبات، برزت فرصة لإعادة بناء القطاع الصحي.
وأكد وزير الصحة الجديد التزامه بإصلاح النظام الصحي الذي عانى من الفساد والانهيار، بما في ذلك تطوير قطاع الصحة النفسية.
كما شدد على أن الوزارة ستتعاون مع المنظمات المحلية والدولية بدل أن تعيق عملها.
وتركزت الجهود على بناء قيادة وطنية للصحة النفسية، وتفعيل الاستراتيجية الوطنية التي أُعدت سابقاً بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، إضافة إلى تعزيز دور المجتمع المدني.
فالمؤسسات غير الحكومية تعتبر عنصراً أساسياً لتوسيع الخدمات، خصوصاً في ظل النقص الحاد في الكوادر المتخصصة.
وفي الوقت نفسه، يشير خبراء وناجون من النزاع إلى أن الصحة النفسية في سوريا لا يمكن فصلها عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
لأن كثيراً من السوريين فقدوا منازلهم وأعمالهم وأفراداً من عائلاتهم، ما يجعل التعافي النفسي مرتبطاً أيضاً بتحقيق العدالة والكرامة وإعادة الإعمار.
لذلك، لا بد من مقاربة شاملة تربط بين العلاج النفسي والدعم الاجتماعي وإعادة الإدماج.
الناجون من الاعتقال.
وتحدي التعافيفي مركز للتعافي بحمص، تم التركيز على دعم المعتقلين السابقين في سجون النظام، خصوصاً الناجين من سجن صيدنايا، بما أنهم تعرضوا لتجارب قاسية تشمل التعذيب الجسدي والنفسي والجنسي، ويعانون من اضطرابات مثل الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والقلق.
فكثير منهم وصف شعوره بأنه يتمثل بالانفصال عن الحياة الطبيعية وصعوبة العودة إلى الأهل، بعد أن تغيرت العلاقات خلال سنوات الاعتقال.
كما ذكر عدد منهم حاجات أساسية تتجاوز العلاج الطبي، مثل الحصول على فرصة عمل، أو تدريب، واستخراج وثائق هويتهم، والحاجة للدعم المالي.
وأكدوا أن غياب هذه الأساسيات يجعل التعافي النفسي أصعب.
لذلك، برزت الحاجة إلى برامج دمج اجتماعي واقتصادي إلى جانب العلاج النفسي.
استجابة لذلك، تم اعتماد نموذج" الرعاية التدريجية"، الذي يبدأ بتدخلات نفسية جماعية وفردية يقدمها متخصصون وغير متخصصين، قبل الانتقال إلى العلاج الطبي عند الحاجة.
وقد شارك مئات الأشخاص في جلسات دعم، وأظهرت النتائج الأولية انخفاضاً في مستويات الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب تحسن الشعور بالأمل والاستقرار النفسي لدى المشاركين.
عوائق تصعب على الدولة توفير الطبابة النفسيةفي موازاة ذلك، تواجه سوريا تحديات متزايدة تتعلق بتعاطي المخدرات، خصوصاً الكبتاغون والمواد الأفيونية والمنشطات.
وقد أدى غياب مراكز التأهيل سابقاً إلى تفاقم المشكلة، ما دفع الحكومة إلى إطلاق برامج علاج جديدة تشمل مراكز سحب السموم والخدمات المجتمعية، رغم محدودية الموارد.
تواجه البلاد أيضاً تداعيات العنف الطائفي والصراعات المحلية، ما يضاعف الاحتياجات النفسية والاجتماعية.
وفي بعض المناطق، يعمل متطوعون وموظفون في المجال الاجتماعي على تقديم دعم أولي للأسر المتضررة، لكنهم يفتقرون إلى التدريب الكافي للتعامل مع الحالات المعقدة.
أما على المستوى الوطني، فيواجه قطاع الصحة النفسية نقصاً حاداً في الكوادر، إذ لا يوجد سوى عدد محدود من الأطباء النفسيين، بينما يعاني النظام التعليمي والتدريبي من ضعف كبير.
كما أن معظم العاملين في المجال الاجتماعي والنفسي غير مؤهلين سريرياً بشكل كافٍ.
لذلك، يتم العمل على برامج تدريبية لتطوير مهارات العاملين السوريين، بدعم من خبراء من داخل سوريا وخارجها.
وبالنسبة للتمويل، تعاني الصحة النفسية من عدم توفر ميزانيات كافية، حيث تذهب الموارد المحدودة إلى مستشفيات نفسية كبيرة من دون تطوير الخدمات المجتمعية.
لذلك، يعتمد تطوير هذا القطاع بشكل كبير على التعاون بين وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات الدولية والمحلية.
هذا ويجري العمل على دمج الصحة النفسية في القطاعات الأخرى مثل التعليم والعدالة.
ففي المدارس، يوجد مرشدون نفسيون لكنهم يفتقرون للتدريب السريري، ما يحد من قدرتهم على التعامل مع الأطفال الذين يعانون من اضطرابات نفسية، ومن المقترح تدريبهم على تدخلات قائمة على الأدلة بهدف توسيع نطاق الخدمات.
إلى جانب ذلك، وضمن مسار العدالة الانتقالية، تسعى سوريا لمعالجة آثار النزاع والإخفاء القسري، إذ تشير التقديرات إلى وجود آلاف العائلات المتضررة، ما يخلق احتياجات نفسية ضخمة مرتبطة بما يُعرف بـ" الخسارة الخفية"، بما أن الأهالي لا يعرفون ما حل بأحبائهم، وهذه الحالات تتطلب دعماً نفسياً ومجتمعياً طويل الأمد.
وعموماً، يتفق معظم العاملين في هذا المجال على أن بناء نظام صحي نفسي فعال في سوريا يتطلب نهجاً يعتمد على تعدد القطاعات، يجمع بين الحكومة والمجتمع المدني والدعم الدولي.
كما يحتاج إلى الاستثمار في نشر التوعية، وتخفيف الوصمة الاجتماعية، وبناء قوة عاملة مؤهلة.
ورغم التحديات الهائلة، ثمة إحساس حذر بالأمل.
فالإمكانات البشرية موجودة، وهناك استعداد واسع ورغبة كبيرة لدى السوريين والسوريات للمشاركة في إعادة بناء المنظومة الصحية.
لكن نجاح هذه الجهود يعتمد على استمرار الاستقرار، وتوفر التمويل، وتعزيز التعاون الدولي، وبناء منظومة صحية نفسية مجتمعية شاملة ومستدامة.
وفي الختام، لا تعتبر الصحة النفسية قطاعاً طبياً قائماً بذاته، بل جزءاً أساسياً من التعافي المجتمعي وإعادة بناء الدولة.
والتجربة السورية تُظهر أن التعافي النفسي مرتبط بالعدالة، والكرامة، وإعادة الإعمار، وأن المستقبل يعتمد على قدرة المجتمع على تحويل الصدمة إلى فرصة لإعادة البناء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك