أصبحت أزمة المعيشة وتشديد الضغوط الاقتصادية في إيران تؤثر اليوم حتى في أحد أبسط الاحتياجات اليومية للمواطنين، وهو الخبز، إذ تشير تقارير ورسائل وردت إلى صحيفة" اندبندنت فارسية"، من طهران وكرج وأصفهان وخراسان رضوي ومازندران وعدد من المحافظات الأخرى، إلى أنه، إلى جانب الارتفاع الرسمي وغير الرسمي في أسعار الخبز في كثير من المدن، بدأ بعض المخابز الذي يحصل على حصص من الطحين المدعوم حكومياً بتقنين بيع الخبز، بحيث لا تبيع لكل زبون سوى عدد محدد من الأرغفة.
تأتي هذه التقارير في وقت تصاعدت فيه خلال الأيام الأخيرة الخلافات العلنية بين الحكومة ووسائل الإعلام الرسمية ومسؤولي النظام الإيراني في شأن الجهة التي تتحمل مسؤولية الأزمة الاقتصادية.
وعلمت" اندبندنت فارسية" أن بعض المخابز التي تحصل على حصص من الطحين المدعوم في عدد من مناطق طهران أبلغت زبائنها بعدم إمكان بيع أكثر من ثلاثة أرغفة من خبز" البربري" أو رغيفين من خبز" السنكك" لكل شخص، وفي الوقت نفسه، تحدث عدد من المواطنين عن فرض قيود على شراء الخبز باستخدام البطاقات المصرفية.
وقال عدد من أصحاب المخابز في محافظة طهران إنه استناداً إلى تعميم أبلغت به بعض المخابز، لم يعد ممكناً شراء أكثر من ثلاثة أرغفة باستخدام بطاقة مصرفية واحدة، وبأن الراغبين في شراء كميات أكبر باتوا مضطرين إلى استخدام بطاقة مصرفية أخرى، وهو ما تسبب في حال من الارتباك والاستياء لدى كثير من المواطنين.
وقال أحد سكان منطقة طهران بارس" كنا نشتري سابقاً ستة أو سبعة أرغفة لعائلتنا المكونة من خمسة أفراد، أما الآن فيقول لنا الخباز إنه لا يستطيع بيع أكثر من ثلاثة أرغفة، وعندما نعترض، يجيب بأن هذه هي التعليمات، فهل أصبح الخبز أيضاً خاضعاً للتقنين؟ ".
وقال شخص آخر من غرب طهران" كل يوم يفرضون قيوداً جديدة على شيء ما، بدأ الأمر بالكهرباء، ثم المياه، ثم الإنترنت، والآن وصل إلى الخبز.
والمشكلة لا تقتصر على الخبز وحده، فاللحوم والدجاج ومنتجات الألبان خرجت منذ فترة طويلة من موائد كثير من الناس، أما اليوم فلم يعد بإمكان المواطنين حتى تناول الخبز وحده".
وقال سائق سيارة أجرة في مدينة كرج" خرج التضخم وارتفاع الأسعار والضغوط الاقتصادية عن السيطرة، فخبز السنكك، الذي كان يباع قبل ثلاثة أشهر فقط بـ7 آلاف تومان (0.
05 دولار)، أصبح اليوم يباع بأكثر من 20 ألف تومان (0.
13 دولار)، وكل مخبز يحدد السعر الذي يريده.
فكم بلغت نسبة التضخم خلال ثلاثة أشهر؟ وعندما ترتفع أسعار الخبز بهذا الشكل، فمن الطبيعي أن يشعر الناس بالغضب وأن يفكروا مجدداً في النزول إلى الشوارع".
وأوضح متقاعد يقيم في مدينة مشهد أن راتبه التقاعدي لا يكفيه حتى منتصف الشهر، " ففي كل أسبوع ترتفع أسعار سلعة جديدة، لقد ظل النظام الإيراني، أعواماً، يؤكد أن الخبز خط أحمر ولن يسمح بارتفاع أسعاره، لكن يبدو أن الخبز نفسه بات اليوم خارج متناول المواطنين".
في الوقت نفسه، أفاد أحد أصحاب المخابز في محافظة مازندران بأن تقليص حصص الطحين المدعوم وارتفاع كلف الإنتاج وضعا كثيراً من المخابز في ظروف بالغة الصعوبة، وأضاف" ارتفعت كلف العمالة وإيجارات المحال وفواتير الكهرباء وأسعار المواد الأولية أضعافاً عدة، وتقلصت حصص الطحين، وأصبح بعض المخابز يواجه بالفعل صعوبات في دفع أجور عماله، وبصراحة، لم يعد استمرار هذا الوضع ممكناً".
وخلال الأيام الماضية، أعلن رسمياً عن زيادات جديدة في أسعار الخبز في عدد من المحافظات الإيرانية، ففي محافظة زنجان، أعلن معاون المحافظ عن ارتفاع متوسط أسعار الخبز بنحو 60 في المئة، في وقت أبلغت المخابز في محافظة يزد بالتسعيرات الجديدة اعتباراً من الثامن من يونيو (حزيران) الجاري، أما في محافظة خراسان الشمالية فقد ارتفعت أسعار الخبز بمتوسط وصل إلى 80 في المئة.
في مدينة مشهد، تحدث مسؤولون في القطاع النقابي عن زيادة تقارب 50 في المئة في أسعار الخبز، في وقت أكدت الجهات الحكومية في المحافظة المركزية أن أسعار بعض أنواع الخبز ارتفعت بالنسبة للمستهلكين بأكثر من 80 في المئة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)في الوقت نفسه، تشير التقارير الميدانية إلى أن الأسعار الرسمية في طهران لا تطبق عملياً، إذ يعرض كثير من المخابز التي تنتج خبز" السنكك" و" البربري" و" التافتون" منتجاتها بأسعار تفوق بكثير الأسعار الحكومية.
وقال أحد سكان طهران" أصبح سعر خبز السنكك العادي 17 ألف تومان (0.
11 دولار)، فيما يباع خبز السنكك بالسمسم بسعر يصل إلى 25 ألف تومان (0.
16 دولار).
وبعض المخابز يعد أرغفة أكبر حجماً وبكميات وفيرة من السمسم، وقد رفعت سعرها إلى 80 ألف تومان (0.
53 دولار)".
ويرى متخصصون اقتصاديون أن ارتفاع كلف الإنتاج في القطاع الزراعي أسهم أيضاً في تغذية موجة الغلاء الجديدة.
ووفقاً لما أوردته صحيفة" دنياي اقتصاد"، فإن كلفة تأمين بعض أنواع الأسمدة الكيماوية ارتفعت خلال العام الحالي بنحو 600 في المئة، الأمر الذي أدى إلى زيادة أسعار القمح وغيره من السلع الأساسية، وفرض مزيداً من الضغوط على موائد الأسر الإيرانية.
بالتزامن مع تفاقم الأزمة المعيشية، أصبحت الخلافات داخل أروقة السلطة أكثر وضوحاً، ففي حين اعتبر الرئيس مسعود بزشكيان أن جانباً من المشكلات الاقتصادية يعود إلى الضغوط الخارجية وتداعيات الحرب، داعياً المواطنين إلى إدراك كلفة المقاومة، تحمّل وسائل إعلام مقربة من الأجنحة المنافسة، إلى جانب بعض مسؤولي الحكومة السابقة، السياسات الاقتصادية للحكومة الحالية مسؤولية التضخم المتفاقم.
وخلال الأيام الأخيرة امتدت هذه الخلافات إلى سجالات علنية بين مقربين من الرئيس بزشكيان ومديري وسائل الإعلام الحكومية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التابعة للدولة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يؤكد فيه كثير من الإيرانيين أن القضية لم تعد تقتصر على ارتفاع سعر سلعة بعينها أو فرض قيود على شراء منتج محدد، بل باتت تتمثل في التراجع المستمر للقدرة الشرائية وتقلص موائد الأسر.
وما يشاهد اليوم في طوابير المخابز ليس سوى أحد مظاهر أزمة أوسع تضرب إيران، أزمة بدأت بالتضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية ونقص الموارد وتداعيات الحرب، قبل أن تمتد اليوم إلى الخبز، أبسط السلع الاستهلاكية وأكثرها التصاقاً بالحياة اليومية لملايين الإيرانيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك