بعد انتخابات 1996، عندما أعلن عن فوزه في الانتخابات المباشرة لرئاسة الوزراء، فوجئ نتنياهو مثلما فوجئ مؤيدوه ومعارضوه.
فقد ازدهرت إسرائيل اقتصادياً في أعقاب مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو، فقد أقامت، لأول مرة، علاقات دبلوماسية مع دول عديدة، وألغت معظم عناصر المقاطعة العربية التي فرضت عليها قبل قيامها و استصعبت الإيفاء بوتيرة استضافة الكثير من زعماء العالم ممن أرادوا اللقاء بقادتها.
موجة الإرهاب التي نشبت عقب قتل المهندس يحيى عياش، الذي تسبب بقتل 59 إسرائيلياً في أربع عمليات إرهابية، هي السبب الأساس لانتصار نتنياهو، كما أن موجة إرهاب سابقة، في 1992 أدت إلى انتخاب إسحق رابين.
لقد كان نتنياهو معارضاً حاداً لاتفاق أوسلو، ووعد بإلغائه إذا ما تم انتخابه لرئاسة الوزراء.
قبل أسبوعين من الانتخابات تراجع، ظاهراً، وعلى طوال سنواته في القيادة، ازداد دوره في خنق الاتفاق فبقي أوسلو اتفاقاً انتقالياًمجمداً ولم يؤد قط إلى اتفاق دائم.
ولما لم يحدث عرض لبديل سياسي يضمن مستقبل إسرائيل، فقد اكتفى بتكرار شعارات تقبله قاعدته الليكودية، طالما كررها في كتبه وفي لحظات ظهوره الجماهيرية وفي مؤتمرات الكونغرس التي ظهر فيها في السنوات التي لم يكن فيها عضواً في الحكومة، كخبير في مكافحة الإرهاب.
لقد رفض إقامة دولة فلسطينية، لكنه لم يشرح كيف يعتزم حل المسألة الديمغرافية، ويمنع وضعاً تحكم فيه أقلية يهودية أغلبية فلسطينية غربي نهر الأردن.
في 2009، في خطاب بار إيلان، أعلن فجأة عن تأييده لحل الدولتين.
عارض معارضة تامة تحذير سجناء أمنيين فلسطينيين مقابل جنود إسرائيليين مخطوفين، لكنه عقد صفقة شاليت واتفاقات تحرير المخطوفين من 7 أكتوبر، التي تحرر فيها آلاف السجناء الفلسطينيين.
وعد احتفالياً في مقابلة مع قناة 12 في 23/10/2022 بأنه لن يعين بن غفير في منصب وزير في حكومته، لكنه عينه بعد شهرين.
من الصعب قياس الأضرار التي ألحقها في السنوات الأخيرة حيال الاتحاد الأوروبي، ودول أوروبا، والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، والدول العربية التي عقدت معها اتفاقات سلام ومؤسسات دولية.
تضعضع في ورديته إحساس الأمن في إسرائيل، وهو نفسه ممنوع من أن يصل إلى دول عديدة في العالم خوفاً من تنفيذ أوامر الاعتقال الدولية.
والآن، فيما يوشك على إنهاء ولايته بعد انهيار المفهوم القديم المتمثل بالهجوم على إيران بمعونة الولايات المتحدة، سيتعين عليه التخلي عن كل الأهداف التي فصلها للجمهور: إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، وقف المساعدة العسكرية وغيرها من إيران إلى منظمات الإرهاب الإسلامية، وإزالة الصواريخ الباليستية.
الكثير من أنماط السلوك التي كانت بمثابة محظور شبه ديني، لم تعد هكذا، ولا سيما منذ رفعت لائحة اتهام ضده ويجد نفسه متهماً في محكمة يشعر فيه على الأقل وكأنه درايفوس القرن الـ 21.
المستشار القانوني للحكومة، وقضاة إسرائيل، ومؤسسات الأمن المركزي – الجيش، الموساد والشاباك – أصبحوا بإلهامه أهدافاً لنقد سياسي وهو يسمح بالتجاهل لقرارات قضائية.
لكن كل هذا يتقدم في ضوء رقم واحد تقشعر له الأبدان: 80 ألف إسرائيلي غادروا البلاد في السنة الماضية.
ليس هذا فشل الفكرة الصهيونية، بل فشل من شاهدوا، أساساً في السنوات الأخيرة: تآكل الديمقراطية، وظواهر غريبة من المحسوبية، وتآكل معايير سلوك التي بدت مسلمات (مثل تلقي هدايا بحجوم مدوية)، والولاء الشخصي كشرط لتلقي مناصب حساسة وكثيرة القوة.
ثم واصلوا منحه الإسناد.
نتنياهو رجل كتاب، ذكي، مطلع، فضولي تحول ليصبح أكثر سخرية بذكاء ناخبيه.
غفر له كثيرون بداية طريقه كونه أنانياً، لكن لا يمكن أن تغفر له هذه الميزة عندما تبقى الأنانية ميزته الأساس.
في هذه الأيام بالذات، يدير نتنياهو جهداً جباراً لضمان أن تحظى عائلات المتملصين الحريديم بتحويلات مالية بحجوم خيالية لتعويضها عن منع القانون من تلقيها مخصصات للحضانات لأبناء الأهالي العاملين.
زملاؤه السياسيون يخشون الضرر في صندوق الاقتراع، لكنه يبقى مصمماً على رأيه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك