عمان – برزت في السنوات الأخيرة، ظاهرة ما يُعرف بـ" الهجرة العكسية" للمهندسين الأردنيين الذين أمضوا سنوات طويلة في الخارج قبل أن يقرروا العودة لوطنهم.
اضافة اعلانولا تعكس هذه الظاهرة مجرد انتقال جغرافي، بل تكشف عن تحولات عميقة في سوق العمل الهندسي وعن تحديات تتعلق بقدرة السوق المحلي على استيعاب خبرات تراكمت في بيئات مختلفة.
ومن هنا، تُطرح تساؤلات: هل تمثل هذه العودة فرصة لإعادة بناء قطاع الهندسة في الأردن على أسس جديدة، أم أنها مجرد إعادة تموضع في ظل ضغوط المنافسة العالمية؟تحديات التكيف والبحث عن بدائليقول م.
سامر الخطيب وهو الذي عاد من الكويت بعد 10 سنوات من العمل في قطاع الإنشاءات، إن قرار العودة للأردن لم يكن سهلا حيث واجه تحديات تتعلق بانخفاض مستوى الرواتب مقارنة بما كان يتقاضاه في الخارج إضافة لصعوبة إيجاد مشاريع كبرى تستوعب خبراته بإدارة المشاريع الضخمة.
وأضاف، " السوق الأردني يتطلب من المهندس أن يكون أكثر مرونة بالتعامل مع مشاريع صغيرة ومتوسطة"، ما شكل له تحديا بإعادة التكيف مع طبيعة العمل المحلية.
أما م.
عبدالله محيسن، الذي عاد من قطر بعد 7 سنوات من العمل في مجال الطاقة المتجددة، فقد أكد أن أبرز العقبات التي واجهته تمثلت بمحدودية الاستثمارات المحلية بمشاريع الطاقة النظيفة مقارنة بالفرص الواسعة التي كانت متاحة في الخليج.
وبيّن أن العودة إلى الأردن فرض عليه البحث عن فرص بديلة في مكاتب استشارية إقليمية، مع السعي لتطوير مهارات إضافية في التصميم المستدام والتحكم الذكي لتلبية متطلبات السوق المتغيرة.
وتعليقا على ذلك، أكد نقيب المهندسين م.
عبدالله عاصم غوشة أن الحديث عن ما يُسمى بـ" الهجرة العكسية" للمهندسين الأردنيين العاملين خارج البلاد لا يمكن عزله عن سياقين رئيسيين.
وأضاف، السياق الأول يرتبط بالثورة الصناعية الرابعة وما رافقها من تحولات جذرية في طبيعة التخصصات الهندسية بفعل العولمة، أما الثاني فيتعلق بتغير أنماط العمل في مختلف القطاعات، خصوصا بعد جائحة كورونا حيث لم يعد الحضور الجسدي في مواقع العمل شرطا أساسيا بل أصبح بالإمكان تقديم الخدمة الهندسية عن بُعد عبر وسائل الاتصال الحديثة.
وأوضح، أن سوق العمل الهندسي شهد تحولات عميقة من عدة جوانب" فمن جهة، لم تعد المنافسة محصورة في الإطار المحلي أو الخليجي، بل اتسعت لتصبح عالمية، حيث يجد المهندس الأردني نفسه في مواجهة منافسين من شرق آسيا وأوروبا الشرقية، الأمر الذي انعكس على مستوى الرواتب والفرص في التخصصات التقليدية".
وتابع، من جهة أخرى، اتجهت العديد من الشركات الخليجية والعالمية إلى شراء الخدمات الهندسية من مكاتب خارجية بدلا من استقدام مهندسين برواتب وإقامات وتأمينات، بحيث قد يُنفذ المشروع في الخليج بينما تتم الدراسات والتصاميم في الأردن أو الهند أو مصر، وهو ما عزز دور المكاتب الأردنية الإقليمية في تصدير خدماتها.
وأشار إلى أن قيمة المهارة المتخصصة ارتفعت بشكل ملحوظ" فلم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية، بل أصبح مطلوبا من المهندس امتلاك خبرات متقدمة في مجالات حديثة مثل إدارة المشاريع، الطاقة المتجددة، المدن الذكية، التصميم المستدام والتحكم الذكي".
وأضاف أن الأردن أثبت خلال العقدين الماضيين قدرته على تصدير خدمات هندسية إلى أكثر من 41 دولة حول العالم مع بقاء السوق الخليجي الأكثر أهمية، حيث يعمل فيه نحو 18 ألف مهندس أردني وتشكل تحويلات الأردنيين العاملين من الخارج ما يزيد على 4 مليارات دولار سنويا نصفها تقريبا من دول الخليج، وفق بيانات البنك المركزي.
وبين أن ما يحدث ليس هجرة معاكسة بالمعنى التقليدي بل إعادة تموضع لطبيعة الخدمات الهندسية، حيث تراجع الطلب على التخصصات التقليدية مقابل صعود التخصصات الرقمية والمهارات المرتبطة بالذكاء الصناعي وإدارة الطاقة والاستدامة.
ولم يعد السوق الهندسي مرتبطا بالحدود الجغرافية بل أصبح مفتوحا على مستوى العالم، حيث يمكن لشركات من جنوب شرق آسيا أو أوروبا أو الولايات المتحدة تقديم ذات الخدمة ما يجعل معيار الكفاءة وجودة الأداء هو الفيصل في المنافسة.
ولفت نقيب المهندسين إلى أن التجربة الأردنية في تصدير الخدمات الهندسية إلى الخليج لم تعد تعتمد فقط على المكاتب الكبرى بل برزت مكاتب متوسطة الحجم تقدم قيمة مضافة من خلال جودة خدماتها، وتنجح في المنافسة وتوسيع حضورها الإقليمي.
وأكد أن الأمثلة في الأردن كثيرة وتدل على قدرة هذه المكاتب على التكيف مع التحولات العالمية في سوق الهندسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك