أكثر يوم عاشه (ويعيشه) البشر هو العاشر من سبتمبر/ أيلول.
لا أقصد عاشراً محدّداً، كذاك الذي مرّ قبل تسعة أشهر، ولا ذاك الذي مرّ في عام 2001 تحديداً، بل أقصد معناه.
معنى اليوم الذي لم يكن فيه أحد في العالم يعرف ما الذي سيجري في اليوم التالي، اللهم باستثناء بضعة وعشرين شخصاً كانوا يخطّطون للحدث.
وحتّى هؤلاء، لم يكونوا واثقين تماماً أنّهم سينجحون في صنع 11 سبتمبر (2001) الذي سيغيّر العالم.
والأرجح أنّهم حين خلدوا إلى النوم كرّروا كثيراً عبارات: " إن شاء الله"، و" إذا نجحنا"، و" إذا وفّقنا الله"، و" إذا لم يحصل كذا"، و" إذا لم نكن مخترقين".
اليوم هو عاشر سبتمبر آخر، ولا نعرف ما الذي سيجري غداً، وهو يوم غامض لم يصبح عاشر سبتمبر بعد، لكنّه سيصير بعد بضع ساعات.
فقط عليه أن يأتي كي يصبح اليوم الذي يسبق تفجير برجَي التجارة.
بعد عملية طوفان الأقصى، أمسك الإعلام الغربي كلّه عبارة: يجب عدم السماح بتكرار" 7 أكتوبر"، وجعلها جعبة نبّالة تقف خلف إسرائيل وترمي عنها.
ثمّ، وبعد الردّ الإسرائيلي الوحشي والمفرط، وجرائم الحرب التي ارتكبتها هناك، خرجت أصوات كثيرة في كلّ أنحاء العالم تردّ بعبارة معاكسة: يجب عدم تكرار" 8 أكتوبر" مرة أخرى، تلخيصاً للردّ الإسرائيلي الذي أخذ شكل جريمة كبرى.
ببعض الهدوء، فإنّ ما يجب عدم تكراره هو" 6 أكتوبر"، وهذا يحتوي تلقائياً كلّ الأيام منذ 15 مايو/ أيار 1948 وحتّى 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ويعني أيضاً الظروف التي تتراكم وتتجمّع، وتصل ببشر طبيعيين إلى أن يدخلوا بطائرة ركّاب مدنية في برج شاهق يعمل فيه مدنيون، أو بسجناء محاصرين مجوّعين ليخترقوا سور غزّة ويفعلوا أيّ شيء.
" 6 أكتوبر" هو عاشر سبتمبر الشرق الأوسط في هذا العقد، ولكلّ شيء عاشره.
وسيحصل في كلّ مكان، وكلّ يوم، وكلّ مستوى، سيفجّر أحدٌ ما نفسه غداً في ساحة عامّة، وستطلب زوجةٌ ما الطلاق، وسيكتشف زوج خيانة زوجته، وسيتوقّف مصعد ما بين طابقَين، وسيغيّر ترامب رأيه بأحد الرؤساء الكُثر، الذين يقول إنّهم أصدقاؤه، وإنّه يحبّهم ويثق بهم، وإنّهم سيجعلون معاً العالم أفضل.
سيتشقّق جسم سدٍّ يحبس مليار متر مكعّب من الماء خلفه، وسيُغرق مئة قرية أمامه، ستعلن جماعة متمرّدة في فنزويلا نفسها، وسينشقّ القمر فوق كوبا معلناً نهاية زمنها، ستنفجر سيارة على كورنيش المزرعة في بيروت، وتنهار سوق العقارات في دبي، وتعصف ريح بصلالة، ويفوز المغرب على البرازيل في كأس العالم، أو يخسر.
في كتابه" البجعة السوداء"، يطرح نسيم طالب سؤالاً: ماذا لو تقدّم عضو كونغرس في أغسطس/ آب 2001 بمشروع قانون يلزم شركات الطيران بجعل قمرة القيادة مغلقةً بباب فولاذي مصفّح؟ ويسوق احتمالات كثيرة للجواب، يثبت كلّ واحد منها فكرة الكتاب الأساسية، وهي استحالة التنبّؤ.
ويُنسب للفيلسوف غورغياس (480 – 375 قبل الميلاد) قول عاشري (نسبة للعاشر من سبتمبر): " ما لا أدركه غير موجود".
وهي عبارة تلخّص نزعة الشكّ في الفلسفة السفسطائية التي تربط الوجود بإدراك الإنسان.
لا أعرف كيف مات غورغياس، وربّما أكله ذئب مختبئ خلف دغلة، ذئب موجود وقادر على أكل الفرائس، رغم عدم إدراك الفيلسوف له حتّى اللحظة التي أنشب أنيابه فيه.
ولا أعرف حجم ما لا ندركه وهو يتربّص بنا على تلك الناصية، أو في البيت الأبيض أو في" 10 داوننغ ستريت"، أو أيّ مكتب في أيّ جهاز مخابرات.
ولكنّني أعرف يقيناً أنّني مثل الجميع تقريباً، لا أعرف شيئاً، وأنّني عشت طيلة حياتي في العاشر من سبتمبر، وقد مرّ عليّ آلاف أيّام الحادي عشر، في بيتي، وفي صحّتي، وفي بلدي، وفي إقليمي، وفي كوكبي.
وسيمر كثيرٌ غيرها، حتى تأتي واحدةٌ لن أعيها، وستكون يوماً تالياً لأبنائي وأصدقائي، الذين سيقولون لبعضهم في مجلس العزاء: " بالأمس كان".
لن يتذكّروا أنّ الأمس كان اسمه العاشر من سبتمبر، ككلّ الأيام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك