تحولت موجة الهبوط التي ضربت أسعار الذهب خلال الأشهر الأخيرة من مجرد تصحيح سعري في الأسواق العالمية إلى مصدر قلق حقيقي لآلاف المصريين الذين لجأوا إلى المعدن الأصفر باعتباره الملاذ الأكثر أماناً لحماية مدخراتهم من التضخم وتقلبات العملة.
فبعد أشهر قليلة من تسجيل أسعار تاريخية دفعت كثيرين إلى الشراء أملاً في الحفاظ على قيمة أموالهم، وجد هؤلاء أنفسهم أمام خسائر ملموسة انعكست على مدخراتهم وخططهم المالية.
وشهدت الأسواق المصرية تراجعاً ملحوظاً في أسعار الذهب، إذ استقر سعر غرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولاً بين المصريين، عند مستوى 6095 جنيهاً (نحو 117.
7 دولاراً)، مقارنة بمستويات قاربت 7500 جنيه للغرام (نحو 144.
8 دولاراً) خلال ذروة الصعود التي شهدتها السوق مطلع العام الجاري.
كما انخفض سعر الجنيه الذهب إلى نحو 48 ألفاً و760 جنيهاً (نحو 941.
3 دولاراً)، بعدما تجاوز حاجز 60 ألف جنيه (نحو 1158.
3 دولاراً) في يناير/كانون الثاني الماضي.
وبحسب تقديرات سوقية، فإن هذا التراجع يعني خسائر تقارب 1405 جنيهات للغرام الواحد (نحو 27.
1 دولاراً) بالنسبة إلى المشترين عند القمم السعرية، بما يعادل نحو 20% من قيمة استثماراتهم أو مدخراتهم، وهو ما وضع شريحة واسعة من المدخرين أمام معادلة صعبة، بين الاحتفاظ بما يملكون أملاً في تعافي الأسعار مستقبلاً أو البيع وتسجيل خسائر فعلية.
لم تكن تداعيات التراجع مقتصرة على الأرقام والمؤشرات، بل امتدت إلى آلاف الأسر التي حولت جزءاً من مدخراتها إلى ذهب خلال موجة الصعود السابقة.
فالحاج متولي، وهو موظف متقاعد، قرّر مطلع العام تحويل مكافأة نهاية خدمته إلى سبائك ذهبية، بعدما اعتبرها وسيلة آمنة للحفاظ على قيمة أمواله في مواجهة التضخم.
إلا أن التراجع السريع للأسعار وضعه أمام خسائر غير متوقعة دفعته إلى تأجيل فكرة البيع انتظاراً لتحسن السوق.
ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب المقبلين على الزواج الذين سارعوا إلى شراء الذهب خلال فترات الارتفاع، خوفاً من زيادات جديدة في الأسعار، قبل أن يفاجأوا بانخفاضات حادة قلصت القيمة السوقية لما يمتلكونه.
وفي سوق الصاغة بالإسكندرية، تقول أم ممدوح، وهي سيدة خمسينية، إنها اشترت ذهباً لابنتها خلال ذروة الأسعار مطلع العام الجاري، لكنها فوجئت بتراجع قيمته عندما اضطرت إلى التفكير في بيعه للمساهمة في استكمال تجهيزات الزواج.
وتضيف لـ" العربي الجديد": " كنا نعتقد أن الذهب سيواصل الصعود، لكن الأسعار تراجعت بصورة لم نتوقعها، وأصبح من الصعب اتخاذ قرار البيع في ظل الخسارة الحالية".
وامتدت آثار التراجع إلى النشاط التجاري داخل أسواق الذهب، إذ دخلت حركة البيع والشراء في حالة من التباطؤ نتيجة إحجام البائعين عن تسييل مدخراتهم بخسارة، مقابل تردد المشترين في اتخاذ قرارات جديدة ترقباً لمزيد من الانخفاضات.
ويقول جرجس روماني، صاحب ورشة لتصنيع المشغولات الذهبية في الإسكندرية، إن حالة الحذر تسيطر على السوق منذ أسابيع، موضحاً أن التراجع المفاجئ للأسعار خلق حالة من الجمود أصابت مختلف حلقات النشاط التجاري.
ويضيف أن عدداً من الورش اضطر إلى تقليص ساعات العمل أو خفض الإنتاج نتيجة تراجع الطلب على المشغولات الجديدة، في وقت يفضل فيه كثير من العملاء الانتظار لحين اتضاح اتجاهات السوق.
ويرى نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية لطفي منيب أن ما تشهده السوق المصرية ليس حدثاً منفصلاً، بل انعكاس مباشر للتراجعات التي سجلتها أسعار الذهب عالمياً خلال الفترة الأخيرة.
ويقول لـ" العربي الجديد" إن الذهب فقد جزءاً من مكاسبه التي حققها في بداية العام مع صعود الدولار وارتفاع عوائد السندات، الأمر الذي دفع شريحة من المستثمرين العالميين إلى إعادة توجيه استثماراتهم نحو أدوات مالية أخرى.
ويشير إلى أن السوق المحلية لم تشهد حتى الآن زيادة كبيرة في الطلب رغم تراجع الأسعار، موضحاً أن حالة الترقب تسيطر على قرارات المستهلكين الذين يفضلون انتظار إشارات أوضح بشأن الاتجاه المقبل للأسعار.
ورغم التراجعات الحالية، يؤكد منيب أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته كأداة ادخار طويلة الأجل ومخزن للقيمة، مشيراً إلى أن تقييم الاستثمار في الذهب يجب أن يتم على مدى سنوات وليس وفق التحركات قصيرة الأجل.
من جانبه، يؤكد المدير التنفيذي لمنصة" آي صاغة" سعيد إمبابي أن السوق تمر بمرحلة انتظار حاسمة مرتبطة بالتطورات الاقتصادية العالمية، وعلى رأسها السياسة النقدية الأميركية.
ويشير إلى أن وتيرة النشاط التجاري داخل سوق الذهب تراجعت بصورة ملحوظة خلال الأيام الأخيرة، في ظل ترقب المستثمرين والمتعاملين للبيانات الاقتصادية الأميركية وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي المتعلقة بأسعار الفائدة.
ويقول إمبابي إن الذهب يواجه حالياً مجموعة من العوامل المتداخلة تشمل قوة الدولار، ومستويات التضخم العالمية، والحرب في المنطقة، وتوقعات السياسة النقدية الأميركية، ما يجعل مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة مفتوحاً على عدة احتمالات.
وأضاف أن الاتجاه قصير الأجل لا يزال يميل إلى التحرك العرضي مع نزعة هبوطية محدودة، مرجحاً استمرار تداول عيار 21 بالقرب من مستوى 6100 جنيه خلال الفترة الحالية ما لم تطرأ متغيرات جوهرية على الأسواق العالمية.
ويؤكد أن قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ستظل العامل الأكثر تأثيراً في حركة الذهب خلال النصف الثاني من العام، إذ يمكن لأي تغيير في توقعات أسعار الفائدة أن يدفع الأسعار نحو موجة صعود جديدة أو يفتح الباب أمام مزيد من التراجعات.
وفي ظل هذا المشهد، يجد آلاف المصريين الذين راهنوا على الذهب كوسيلة لحماية مدخراتهم أنفسهم أمام مرحلة من عدم اليقين، بينما تترقب الأسواق المحلية اتجاهات المعدن الأصفر عالميا لمعرفة ما إذا كانت الخسائر الحالية مجرد محطة مؤقتة أم بداية لمرحلة جديدة من الضغوط على المدخرين وسوق الذهب في مصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك