تتحرك بكين بحذر في مشهد نقدي تتداخل فيه وفرة السيولة مع ضعف الطلب على الائتمان، وتتصاعد فيه المخاوف من تشوهات في أسواق السندات، بينما يواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم تباطؤا ممتدا في قطاعات حيوية على رأسها العقارات، وباتت مهمة بنك الشعب الصيني تتركز بصورة أكبر على توجيه الأموال، لا ضخها فقط في السوق، وضمان عدم تحولها إلى وقود لمخاطر مالية جديدة.
ونقلت وكالة بلومبرغ عن مصادر وصفتها بالمطلعة على الأمر، قولهم إن بنك الشعب الصيني أصدر تعليمات إلى عدد من المؤسسات المالية، بما في ذلك البنوك الحكومية الكبرى وبنوك السياسات، بتشديد الرقابة على صافي الإقراض في سوق ما بين البنوك، بهدف منع تراجع تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل إلى مستويات أدنى بكثير من سعر الفائدة المرجعي الذي يستخدمه البنك المركزي لتوجيه السياسة النقدية.
وحسب بلومبرغ، يسعى البنك المركزي من خلال هذه الخطوة إلى" تصحيح توقعات السوق" بشأن وفرة السيولة، والحفاظ على فعالية سعر الفائدة المرجعي باعتباره أداة رئيسية لإدارة الاقتصاد.
وعلى الرغم من ضخ كميات كبيرة من السيولة في الأسواق الصينية خلال الأشهر الماضية، لم تتحول هذه الأموال إلى زيادة ملموسة في الإقراض الموجه إلى الشركات والأسر، ما يشير إلى أن هذه الإجراءات تعكس اختلالا أعمق داخل الاقتصاد الصيني.
وأدى ضعف الطلب على التمويل إلى دفع البنوك نحو إعادة تدوير السيولة داخل النظام المالي نفسه، سواء عبر الإقراض المتبادل فيما بينها أو من خلال زيادة استثماراتها في السندات الحكومية، بدلا من توجيه الأموال إلى استثمارات إنتاجية أو استهلاك فعلي، حسب بلومبرغ.
وترى مجموعة" روديوم غروب" أن هذا السلوك يعكس مرحلة انتقالية معقدة يمر بها الاقتصاد الصيني، تتراجع خلالها أهمية قطاع العقارات كمحرك رئيسي للنمو من دون أن تتمكن قطاعات أخرى من تعويض هذا التراجع بالكامل.
كما تشير تقديرات المجموعة إلى أن ضعف ثقة الأسر والشركات، إلى جانب استمرار الضغوط الانكماشية، أسهما في تقليص شهية الاقتراض رغم انخفاض تكلفته.
وأفادت رويترز، في تقرير نشر خلال مايو/أيار الماضي، بأن فائض السيولة داخل النظام المصرفي دفع معدل إعادة الشراء لليلة واحدة إلى نحو 1.
2%، وهو مستوى يعكس تراجع تكلفة التمويل قصيرة الأجل إلى مستويات متدنية تاريخيا.
وفي ظل هذه الظروف، بات الحفاظ على ارتباط أسعار السوق بسعر الفائدة المرجعي هدفا بحد ذاته.
وذكرت بلومبرغ أن بنك الشعب الصيني خفض أحجام عملياته اليومية في السوق المفتوحة إلى مستويات قياسية منخفضة، في محاولة لإعادة رفع أرضية أسعار التمويل قصيرة الأجل ومنع الأسواق من ترسيخ توقعات بأن السيولة ستظل متاحة بتكلفة شبه مجانية.
وأدت هذه التحركات إلى ارتفاع معدل إعادة الشراء لليلة واحدة إلى نحو 1.
4%، متماشيا مع سعر الفائدة المرجعي الحالي، بعدما كان قد انخفض إلى حدود 1.
2% في أبريل/نيسان.
كما ارتفع العائد على السندات الحكومية الصينية لأجل عشر سنوات إلى نحو 1.
75%، مقارنة مع نحو 1.
7% في وقت سابق من يونيو/حزيران.
ونقلت" ذا إيدج سنغافورة"، أن السلطات الصينية تسعى إلى إعادة التوازن بين السيولة المتاحة والطلب الحقيقي على التمويل، بعدما تحولت الأموال الرخيصة إلى عامل داعم لأسعار السندات أكثر من كونها أداة لتنشيط الاقتصاد.
يثير هذا المسار قلقا متزايدا لدى السلطات النقدية، فالأموال التي لا تجد طريقها إلى الشركات والأسر تعود إلى النظام المالي عبر قنوات قصيرة الأجل أو تتجه نحو شراء السندات الحكومية، ما يؤدي إلى خفض العوائد ودفع الأسعار إلى مستويات قد لا تعكس المخاطر الحقيقية.
وحسب بلومبرغ، يخشى بنك الشعب الصيني من أن يؤدي استمرار هذه الديناميكية إلى تكوين فقاعات في الأصول، خصوصا في سوق الدين السيادي.
ولمواجهة هذه المخاطر، استخدم البنك ما يعرف بـ" التوجيه النافذ"، وهي أداة غير رسمية تعتمد على توجيه سلوك المؤسسات المالية من دون اللجوء إلى تغييرات مباشرة في أدوات السياسة النقدية التقليدية.
ويعيد هذا النهج إلى الأذهان التدخلات التي شهدتها الصين عام 2013، عندما تحركت الجهات التنظيمية للحد من توسع الإقراض بين البنوك بسبب المخاوف المرتبطة بالقطاع المصرفي الموازي.
وذكرت" كريبتو بريفينغ" أن تلك التدخلات استهدفت آنذاك احتواء المخاطر الناجمة عن انتقال السيولة إلى قنوات مالية أقل خضوعا للرقابة، وهي المخاوف التي تعود اليوم بصورة مختلفة.
وتؤدي البنوك الحكومية الكبرى دورا محوريا في إعادة توزيع السيولة داخل النظام المالي الصيني.
فالأموال التي يضخها بنك الشعب الصيني تنتقل عادة من هذه المؤسسات إلى البنوك الإقليمية الأصغر حجما، ومنها إلى قطاعات اقتصادية مختلفة.
ومع تشديد القيود على الإقراض المتبادل، قد تواجه المؤسسات الأصغر صعوبة أكبر في الحصول على التمويل منخفض التكلفة.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية خاصة بالنسبة لشركات التطوير العقاري، وآليات التمويل التابعة للحكومات المحلية، والبنوك الإقليمية التي تعتمد بصورة أكبر على أسواق ما بين البنوك لتأمين احتياجاتها التمويلية.
وترى" روديوم غروب" أن استمرار ضعف القطاع العقاري قلص فعالية قنوات الانتقال التقليدية للسياسة النقدية، إذ لم تعد وفرة السيولة كافية لتحفيز دورة ائتمانية واسعة النطاق.
وتزداد صعوبة المعادلة النقدية الصينية مع استمرار الضغوط المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية.
وذكرت بلومبرغ أن ارتفاع أسعار النفط يزيد تكلفة الواردات ويضع قيودا إضافية على قدرة بنك الشعب الصيني على خفض أسعار الفائدة، رغم حاجة الاقتصاد إلى مزيد من الدعم.
وأشارت رويترز إلى أن المخاوف المرتبطة بالتضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة دفعت الأسواق إلى تعزيز توقعات الإبقاء على أسعار الفائدة المرجعية من دون تغيير خلال الفترة المقبلة.
وانعكست هذه التطورات على توقعات الاقتصاديين والمستثمرين تجاه مسار السياسة النقدية الصينية.
فحسب بلومبرغ، أرجأ عدد من المحللين توقعاتهم لأول خفض جديد في أسعار الفائدة إلى عام 2027، في ظل استمرار التحديات التي تواجه الاقتصاد.
وأشار صندوق النقد الدولي، في مشاورات المادة الرابعة الخاصة بالصين لعام 2025، إلى أن متوسط التضخم الاستهلاكي ظل قريبا من الصفر، بينما واصلت أسعار المنتجين تسجيل انكماش.
وتدعم هذه البيانات القراءة التي تفيد بأن الاقتصاد الصيني لا يزال يواجه ضغوطا انكماشية داخلية، حتى مع بروز مخاطر تضخمية مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة عالميا.
ويرى محللو" هوا تشوانغ سيكيوريتيز"، وفق ما نقلته رويترز، أن انخفاض أسعار الفائدة بين البنوك إلى مستويات تقل عن السعر المرجعي يقلص مبررات اللجوء إلى مزيد من الخفض في أسعار الفائدة أو نسب الاحتياطي الإلزامي خلال الأجل القريب.
وأصبحت سوق السندات إحدى أكثر الساحات حساسية في المشهد المالي الصيني.
ففي الوقت الذي استفادت فيه السندات الحكومية من وفرة السيولة وضعف الطلب على الائتمان، تخشى السلطات من أن يؤدي استمرار هذا الاتجاه إلى تراكم اختلالات مالية يصعب احتواؤها لاحقا.
ورغم ذلك، ترى كبيرة الاقتصاديين لدى" سوسيتيه جنرال"، وي ياو أن العائد على السندات الحكومية الصينية لأجل عشر سنوات قد يتراجع إلى نحو 1.
5% خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار الضغوط الانكماشية.
ونقلت بلومبرغ عن ياو قولها إن البيئة الاقتصادية الحالية ما تزال تدعم انخفاض العوائد، حتى مع محاولات البنك المركزي تهدئة سوق السندات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك