بينما انخرطت الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة عسكرية متصاعدة مع إيران، فاجأ الرئيس الأمريكي" دونالد ترمب" الجميع خلال خطابه في 2 مارس/آذار الماضي بالإسهاب في الحديث عن الستائر الذهبية الجديدة والتصميمات الداخلية لقاعة الاحتفالات في البيت الأبيض مشيرا إلى مدى حبه للذهب.
ولم يكن حديثه مجرد تفصيل عابر، لكنه انعكاس لنمط واضح، طغى على عمليات التصميم في البيت الأبيض منذ عام 2025، والتي برزت فيها الزخارف المذهبة والفخامة الاستعراضية، بصورة ملحوظة.
ولم يكتف الرئيس الأمريكي بالتعبير عن ذوق شخصي يميل للبذخ عبر الزخارف المذهبة لكنه سعى إلى فرض هذا الذوق، فمع نهاية عام 2020 (خلال ولايته الأولى) أصدر أمرا تنفيذيا بعنوان" تعزيز العمارة الفيدرالية المدنية الجميلة" يدعو إلى تفضيل الطرز الكلاسيكية في المباني الفيدرالية في مقابل انتقادات صريحة للعمارة الحديثة، وبالرغم من إلغاء هذا القرار خلال فترة رئاسة" بايدن" إلا أن عودة ترمب للسلطة أعادت هذا التوجه مرة أخرى عبر أمر تنفيذي جديد صدر مع بداية فترة ولايته الثانية.
" ما يحدث ليس مسألة تفضيل شخصي رئاسي، ولكنه توظيف للمعايير الجمالية كأداة لإعادة تعريف السلطة وصياغة الفضاء العام وتصدير صورة بعينها عن الدولة"ظهر هذا التوجه في مقترحات معمارية لاحقة أبرزها مشروع قاعة الاحتفالات الضخمة في البيت الأبيض، وهو المشروع الذي يتبنى طابعا كلاسيكيا مهيبا يتجاوز الوظيفة التقليدية للمقر الرئاسي.
ويبدو أن ما يحدث ليس مسألة تفضيل شخصي رئاسي، ولكنه توظيف للمعايير الجمالية كأداة لإعادة تعريف السلطة وصياغة الفضاء العام وتصدير صورة بعينها عن الدولة.
إن نظرة أعمق لحديث ترمب عن الجمال مشيرا إلى ستائره الذهبية، بينما طائراته الحربية تحلق فوق الشرق الأوسط، تظهر أن التناقض لم يكن مصادفة، بل هو صورة واضحة لسلطة تستخدم الواجهات اللامعة كستار لأعمالها.
list 1 of 2الصين تغزو أوروبا في عقر دارها.
كيف تستعد القارة العجوز للدفاع؟list 2 of 2سكين فوق عنق الصين.
لماذا تنشر أمريكا صواريخها في جزر الفلبين؟وما يحدث في الولايات المتحدة ليس مثالا منفردا، فلطالما تدخلت السلطة في تشكيل الذوق الجمالي للأفراد، عبر المعمار ووسائل الإعلام وأدوات الفن، مما يطرح تساؤلات حول الذوق الجمالي لكل فرد منا: هل هو مسألة شخصية حقا؟ أم أنه يتشكل وفق معايير أبعد من دائرة الهوى الشخصي تتحكم فيها السلطة والمجتمع؟للوهلة الأولى يبدو الذوق انعكاسا للتفضيلات والحساسيات الفردية، بخلاف سائر الحاجات الإنسانية الأساسية التي تنشغل بها السياسة.
لكن هذا الفصل التقليدي بين السياسة والجماليات يتجاهل أن ذوقنا وتفضيلاتنا الجمالية اليومية ليست محايدة أو فطرية، بل هي نتاج اجتماعي يتشكل تبعا لعلاقات القوة والهيمنة ويتأثر بأدوات السلطة السياسية والاجتماعية، وهذا ما يفسر على سبيل المثال اختلاف المثل الجمالية بين الثقافات المختلفة بل وحتى بين الأجيال المتعاقبة في الثقافة نفسها.
في سبعينيات القرن الماضي قدّم عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أحد أهم التحليلات لهذه العلاقة في كتابه الشهير" التميز: النقد الاجتماعي للحكم"، حيث جادل بأن ما نسميه" الذوق الجمالي" لا يتشكل في الفراغ أو ينبع فقط من الإحساس الفردي بالجمال، بل يتكون داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والطبقية؛ حيث يتعلم الأفراد ما يحبونه وما يرفضونه عبر البيئات الاجتماعية المحيطة من المدرسة إلى العائلة والمؤسسات الثقافية.
" ذوقنا وتفضيلاتنا الجمالية اليومية ليست محايدة أو فطرية، بل هي نتاج اجتماعي يتشكل تبعا لعلاقات القوة والهيمنة ويتأثر بأدوات السلطة السياسية والاجتماعية"وتعكس اختيارات الفن، والموسيقى، والعمارة، وحتى الطعام، موقع الفرد في البنية الاجتماعية، ليصبح الذوق الجمالي شكلا من أشكال رأس المال الثقافي وأداة خفية للتمييز الاجتماعي بين الطبقات المتفاوتة.
فحين تتمكن النخب السياسية والاجتماعية من فرض تصور معين لما هو راقٍ أو متحضر أو جميل، فهي تحدد بالتالي حدود المكانة داخل المجتمع، ليتحول الجمال من تجربة حسية فردية إلى جزء من نظام أوسع لإنتاج التفاوت والسلطة.
وتلعب الدولة والمؤسسات الثقافية مثل المتاحف والمدارس ووسائل الإعلام دورا حاسما في نشر هذه المعايير، وإعادة إنتاجها، لتصبح مصفاة اجتماعية، حيث يعتبر الفن الذي يقدم عبرها فنا رفيعا، ويُوصم من لا يستوعبه بالسوقية أو انعدام الذوق في نوع من الإقصاء الناعم وفرض ذائقة الطبقات المهيمنة كمعيار للجمال والرقي.
لا تقف الأمور عند الرغبة المجرد للتحكم في معايير الجمال كجزء من الطبيعة المهيمنة للسلطة.
لقد سبق أن أوضح الفيلسوف الألماني والتر (فالتر) بنيامين كيف يمكن للسلطة أن تستخدم الجماليات كوسيلة للتأثير السياسي.
وجادل بنيامين أن بعض الأنظمة السياسية تحول الأداء السياسي إلى مشهد جمالي، عبر الاستعراضات الجماهيرية، والعمارة المهيبة، والخطابات السياسية المصممة لإثارة ودغدغة الشعور بالعظمة والانتماء لإخفاء غياب أي تغيير حقيقي في البنى الاجتماعية، فيما أطلق عليه" تجميل السياسة".
" بعض الأنظمة السياسية تحول الأداء السياسي إلى مشهد جمالي، عبر الاستعراضات الجماهيرية، والعمارة المهيبة، والخطابات السياسية المصممة لإثارة ودغدغة الشعور بالعظمة والانتماء"وفقا لبنيامين فإن" الفاشية" مثلا استدعت" قيما رجعية" تعبئ الخيال الجمعي ضد أي" قوى تقدمية"، وهو ما تجلى بوضوح في سياسات هتلر وموسوليني على سبيل المثال، وتكمن المفارقة الصارخة في أن الفاشية استغلت الوسائط الحديثة من الصورة والسينما والإذاعة لخلق طقوس ومشهدية بصرية أسهمت في إعادة إنتاج خضوع الجماهير تحت غطاء جمالي جذاب.
العمارة كتجسيد لخيال السلطة" الصور المكانية هي أحلام المجتمع.
فحيثما تُفكّ طلاسم أي صورة مكانية، تتجلى أسس الواقع الاجتماعي"بواسطة عالم الاجتماع الألماني سيغفريد كراكاورتخيل أن تصل إلى مدينة لا تعرف شيئا عن تاريخها وسياستها، للوهلة الأولى يمكن أن تخبرك مطالعة مبانيها وشوارعها بالكثير، هل الساحات العامة مفتوحة وواسعة أم محاطة بالأسوار؟ ما مدى اختلاف الأحياء الغنية عن الفقيرة، وما مدى عزلتها؟ ما مدى سهولة الوصول للميادين الرئيسية؟وفقا لعالم الاجتماع الألماني سيغفريد كراكاور فإن الرموز البصرية للمدينة وتصميم فضاءاتها يكشف البنية العميقة للمجتمعات، تماما كما تكشف الأحلام عما في العقل الباطن.
وعلى الناحية المقابلة تشكل العمارة ذوقنا بطريقة أو بأخرى، وبشكل لا مهرب منه، يمكنك إغلاق كتاب لا يعجبك، أو الخروج من قاعة السينما، لكنك لا تستطيع تجنب العمران المحيط بك من كل اتجاه ولا الشارع الذي تسير عبره.
تعد العمارة واحدة من أكثر المجالات التي تتضح فيها العلاقة بين السلطة والذوق الجمالي، فعبر التاريخ صاغت السلطات المختلفة المدن بما يعكس الصورة التي تريد التعبير عنها.
في مقاله المعنون" العمارة الضخمة" والمنشور في" وورلد أركيولوجي" في أكتوبر/تشرين الأول 1990، يفحص عالم الآثار الكندي" بروس ج.
تريغر" كيف استخدمت السلطات المختلفة على مر العصور المعمار الصرحي الضخم كرمز للقوة السياسية، مهدرة بذلك الطاقة والموارد في أغراض غير نفعية في انتهاك صارخ لمبدأ الجهد الأقل والذي يشير إلى سعي المجموعات البشرية الغريزي للحفاظ على الطاقة وتقليل العمل غير الضروري.
وفقا لهذا المنظور فالأبنية الصرحية الضخمة التي لا تُشيد لأداء وظيفة نفعية هي إعلان سياسي عن قدرة السلطة على الاستهلاك الاستعراضي وتوجيه الطاقات والموارد لأغراض تحددها الإرادة السياسية، كما أن إجبار الرعايا على العمل في مشاريع غير نفعية هو تأطير واضح لخضوعهم للسلطة.
" الأبنية الصرحية الضخمة التي لا تشيد لأداء وظيفة نفعية هي إعلان سياسي عن قدرة السلطة على الاستهلاك الاستعراضي"وفقا لتحليل تريغر يمتد هذا المفهوم منذ أقدم الحضارات، حيث شيدت الأهرامات والمعابد في مصر الفرعونية للتأكيد على سلطة الفرعون المستمرة حتى في الحياة الآخرة، كما يمتد ليشمل المشهد المعاصر حيث تمثل ناطحات السحاب وأبراج الشركات العملاقة اليوم استمرارا لهذا النمط من الاستهلاك المظهري والإنفاق المسرف للطاقة، لتعكس الانتقال الجزئي للسلطة من المؤسسات الحكومية إلى عالم رأس المال.
وتتجلّى علاقة السلطة بجماليات العمارة في مثال تاريخي واضح هو حلم هتلر بمدينته التي أراد تسميتها (جرمانيا) وهو الحلم الذي لعب دورا كبيرا في صعود كبير معماريي الرايخ الثالث ألبرت شبير، والذي أصبح أحد أهم أدوات الدعاية النازية عبر إظهار قوة النظام من خلال الهندسة المعمارية.
كان أهم مشروعات مخطط هذا الحلم هو" الفولكسهالة" أو قاعة الشعب، وهي قبة يبلغ ارتفاعها 290 مترا بقطر 250 مترا، تتسع لمئة وثمانين ألف شخص.
وقد لاحظ المهندسون لاحقا أن هذه القبة الهائلة كانت ستواجه مشكلة لم يتوقعها أحد: تنفّس الحشود داخلها كان سيولّد رطوبة تكفي لتكوين سحب ممطرة داخل القبة، إذ يبدو أن الطبيعة لم تكن لتتسع لطموح بمثل هذا الحجم.
لقد تجلت هذه العلاقة في أمثلة أخرى تاريخية قد لا يتسع لها الحصر، في القرن التاسع عشر على سبيل المثال حاول الخديوي إسماعيل في مصر إعادة تشكيل القاهرة على النمط الأوروبي، لتظهر الشوارع والمباني على الطراز الباريسي الحديث، فيما عرف باسم" القاهرة الخديوية" كمحاولة لإعادة تعريف مصر بوصفها دولة حديثة تنتمي لعالم الإمبراطوريات الأوروبية.
" في عهد أتاتورك، عكس تصميم المباني والساحات العامة في تركيا قطيعة رمزية مع العمارة العثمانية"كما ظهر نمط مشابه في تركيا خلال عهد مصطفى كمال أتاتورك تحولت فيه أنقرة إلى عاصمة حديثة تعكس هوية الجمهورية الجديدة، وعكس تصميم المباني والساحات العامة قطيعة رمزية مع العمارة العثمانية.
وهو منطق يتكرر اليوم في العديد من مشاريع المدن الجديدة حول العالم، حيث تعكس المباني الأيقونية الضخمة، والمساحات الشاسعة الرمزية مساعي السلطة لفرض مسافة نفسية وبصرية بينها وبين الجماهير، وإعادة تعريف مكانتها.
الصورة أداة لإعادة تشكيل الواقعلا يقتصر توظيف الجماليات على العمارة وحدها، بل يمتد إلى مختلف أشكال التعبير الفني.
وفقا لتحليل إدوارد سعيد في كتابه" الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق" ففي القرن التاسع عشر على سبيل المثال تجاوزت لوحات المستشرقين كونها مجرد تمثيلات فنية لتصبح أداة لبناء الخيال الاستعماري الذي صور الشرق بوصفه جمالا عاجزا غارقا في الكسل والشهوات، مما يضفي مشروعية ضمنية على الوصاية الاستعمارية، ويُعيد تعريف الآخر تمهيداً للسيطرة عليه.
أخذ هذا التداخل بين الفن والسياسة أشكالا أشد خفاء في القرن العشرين.
في كتابها الذي ترجم إلى العربية بعنوان" من الذي دفع للزمار: الحرب الباردة الثقافية"، كشفت المؤرخة البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز أن وكالة المخابرات الأمريكية دعمت سرا حركة التعبيرية التجريدية الأمريكية خلال سنوات الحرب الباردة، حيث كانت التجريدية تجسد تصورا بعينه حول الحرية الفردية الأمريكية كجمالية سياسية تجسد الديمقراطية الغربية و تستخدم لمواجهة الواقعية الاشتراكية السوفيتية.
" عقب ثورة عام 1952، أعاد الفن المصري تشكيل صورة المجتمع، حيث صُوِّر الضباط والفلاحون في هيئات بطولية، في مقابل صورة أدنى لطبقات الباشاوات والإقطاعيين"وفي السياق العربي، يمكن رصد منطق مشابه في توظيف السينما المصرية عقب ثورة عام 1952، حيث جرى إنتاج ما يمكن تسميته" جمالية ثورية" لإعادة تشكيل صورة المجتمع، حيث صُور ضباط الجيش والفلاحون في هيئات بطولية، في مقابل صورة بصرية أدنى لطبقات الباشاوات والإقطاعيين، بما يخدم إعادة توزيع الشرعية السياسية والاجتماعية في المجتمع الجديد.
لكن هذا التوجه الرسمي لم يمر دون مقاومة، فبالرغم من سيطرة جماليات دولة يوليو، حاول مخرجون مثل يوسف شاهين ومحمد خان وصلاح أبو سيف تحدي جماليات السلطة عبر إبراز" جماليات الهامش"، فالزحام والتوتر الملحوظ في شوارع القاهرة البارزين في الصورة التي يقدمها خان والتناقضات الطبقية الحادة في سينما صلاح أبو سيف على سبيل المثال، تقدم الحقيقة بوصفها موقفا سياسيا من الجمالية المنظمة التي تطرحها السلطة.
واليوم لم تعد الدولة هي السلطة الوحيدة التي تلعب في ميدان تشكيل الذوق، فثمة سلطة أشد نعومة وفتكا وأوسع انتشارا؛ هي سلطة الخوارزميات.
حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مصدرا لفرض قوالب جمالية عالمية شبه موحدة، تمحو الخصوصيات الثقافية لصالح جماليات موحدة سهلة الاستهلاك.
وقد رصد الناقد الثقافي الأمريكي" كايل تشيكا" هذه الظاهرة في مقاله" أهلا بكم في الفضاء"، حيث لاحظ كيف أصبحت المقاهي متشابهة في مختلف عواصم العالم بالرغم من تباعدها الجغرافي، وكأن الخوارزميات أعادت تدريب عقولنا لنرغب في الأشياء ذاتها عبر آلية بسيطة؛ حيث تكافئ الخوارزمية الصور التي تحصد إعجابات أكثر، وبالتالي يبدأ المعماريون والمصممون بل وحتى جراحو التجميل في إعادة تشكيل الواقع ليناسب ما تفضله الخوارزميات، امتثالا لسلطة لامركزية تدفع الجميع في طريق واحد.
بشكل مماثل، يرى الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ تشول هان في كتابه" خلاص الجمال" أن الاقتصاد الرقمي أعاد صياغة مفهوم الجمال، ليصبح مصقولا أو سهل الهضم، لا يستدعي وقوفا للتفكير أو التأمل، يمنحنا متعة آنية، جمالا أملس يبحث عن الإعجاب أو الإعجابات مما يلائم انسيابية الاستهلاك السريع.
" الاقتصاد الرقمي أعاد صياغة مفهوم الجمال، ليصبح مصقولا أو سهل الهضم، لا يستدعي وقوفا للتفكير أو التأمل"ويكتسب هذا الطرح سياقا اقتصاديا أكثر حدة في أعمال" شوشانا زوبوف" خاصة كتابها" عصر رأسمالية المراقبة"، حيث تحلل التحول الجذري في طبيعة الرأسمالية، فشركات التقنية الكبرى مثل غوغل وميتا لا تقدم منتجات مادية، لكنها تركز على استخلاص التجربة الإنسانية كمادة خام لتحولها إلى بيانات سلوكية، تستخدم للتنبؤ بأفعال الأفراد.
وبمرور الوقت لم تعد هذه الآلية تكتفي بالمراقبة، لكنها أصبحت تسعى لتعديل السلوك الإنساني، عبر محتوى مخصص يوجه الفرد نحو ما يخدم الربح التجاري.
مما يعني أن ذوقنا وتعريفنا للجمال صار محصلة حسابات ربحية تحدد ما نراه، خاصة وأن المعرفة التي تمتلكها هذه الشركات عنا صارت تتجاوز ما نعرفه عن أنفسنا.
وبينما كانت السلطات الشمولية سابقاً تعتمد على الترهيب وتفرض رؤيتها الجمالية من الخارج، فإن سلطة الخوارزمية لا تحتاج إلى إكراه، وقد صرنا نسلم بياناتنا طواعية بتمريرات بسيطة على الشاشة، لِتُعاد إلينا في شكل محتوى مخصص، نعتقد أننا اخترناه بمحض إرادتنا.
وإذا كان الاتساق مع جماليات السلطة هو وسيلة ترسيخها، فإن القلق الجمالي والخروج عن الذوق السائد قد يصبح أداة للمقاومة، عبر تسليط الضوء على ما تهمشه الرؤية الرسمية، وجماليات الإنترنت السائدة.
يبدأ تحرير الذائقة بإدراكنا للجمال كقيمة غير ثابتة، وبطرح أسئلة حول معنى إعجابنا بلوحة أو بمبنى أو صورة، وبالنظر إلى الجماليات لا باعتبارها مرآة للروح الفردية بقدر كونها مرآة للعصر الذي شكلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك