أشادت مؤسسات دولية كبرى بالقفزة التي شهدتها تحويلات المصريين بالخارج التي تُعد أحد المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي في مصر، وتسهم في دعم الاحتياطيات الأجنبية وتوفير سيولة تمويلية مهمة، كما تُعد أحد أهم المصادر المستدامة التي أسهمت في تحسّن نظرة المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري.
وحسب صندوق النقد الدولي، في تقرير له، فإن هذا التحسن في التحويلات يعد أحد العوامل الداعمة لميزان المدفوعات المصري، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية نتيجة الصدمات الخارجية، خصوصاً الاضطرابات في البحر الأحمر وتأثيرها على إيرادات قناة السويس، كما أن إنهاء الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، أعاد الثقة إلى النظام المصرفي الرسمي، ودفع المصريين في الخارج إلى تحويل أموالهم عبر القنوات البنكية، بدلاً من السوق غير الرسمية.
ومنذ مراجعات برنامج التمويل الممتد، ركز صندوق النقد الدولي على ثلاثة محاور رئيسية، منها مرونة كاملة لسعر الصرف، والقضاء على أي سوق موازية للعملة الأجنبية، إلى جانب تعزيز الاحتياطيات الدولية وتحسين قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، حيث أكد الصندوق في أحدث مراجعاته أن مرونة سعر الصرف والسياسات النقدية المتشدّدة ساهمتا في استعادة الاستقرار الاقتصادي وتعزيز الوضع الخارجي لمصر، كما اعتبر أن استمرار تدفّقات النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية يُمثل أحد أهم عوامل نجاح البرنامج الإصلاحي.
ويُنظر إلى التحويلات باعتبارها المصدر الأكثر استقراراً والأقل تأثراً بالتقلبات الجيوسياسية والمالية العالمية، وهو ما يمنحها أهمية استثنائية عند تقييم قدرة مصر على الحفاظ على استقرارها الخارجي على المدى المتوسط والطويل، وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة، في ظل استمرار الضغوط الجيوسياسية الإقليمية التي أثرت سلباً على إيرادات قناة السويس والتجارة الدولية عبر البحر الأحمر.
«حافظ»: تبنِّي نظام أكثر مرونة لسعر الصرف أعاد الجزء الأكبر من التدفقات الدولارية للقنوات المصرفيةوقال هاني حافظ، الخبير المصرفي، لـ«الوطن»، إن تحويلات المصريين العاملين بالخارج لم تعد مجرد أحد مصادر النقد الأجنبي التقليدية، بل أصبحت تُمثل إحدى أهم ركائز الاستقرار الخارجي للاقتصاد المصري، بعد أن سجّلت مستويات قياسية غير مسبوقة خلال العامين الماضيين، ووفقاً لأحدث بيانات البنك المركزي المصري، فإن تحويلات المصريين بالخارج خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025 - 2026 تُعد أعلى حصيلة مسجّلة لتحويلات العاملين بالخارج خلال تلك الفترة، منذ بدء تسجيل البيانات، موضحاً أن هذه القفزة تأتي استكمالاً للأداء الاستثنائي الذي شهدته التحويلات خلال عام 2025.
وأكد «حافظ» أن هذه الأرقام تعكس التحول الجوهري الذي شهدته سوق النقد الأجنبي عقب الإصلاحات النقدية التي تم تنفيذها في مارس 2024، وفي مقدّمتها تبني نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، الأمر الذي أعاد الجزء الأكبر من التدفّقات الدولارية إلى القنوات المصرفية الرسمية، وأسهم في القضاء على الحوافز التي كانت تدفع بعض التحويلات إلى السوق الموازية.
ولفت «حافظ» إلى أن الزيادة القوية في تحويلات المصريين العاملين بالخارج انعكست بصورة مباشرة على قدرة الاقتصاد المصري على تعزيز احتياطياته الدولية وتدعيم مركزه الخارجي، ليواصل الاحتياطي مساره الصاعد ويُحقّق أحد أعلى مستوياته التاريخية على الإطلاق، ويعكس هذا المستوى المرتفع تحسّن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، وتغطية الواردات الأساسية، وامتصاص الصدمات الاقتصادية والمالية المحتملة، خصوصاً في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تشهدها المنطقة وتأثيراتها على حركة التجارة العالمية وإيرادات قناة السويس، كما يؤكد نجاح السياسات النقدية والإصلاحات الاقتصادية في إعادة بناء مصادر النقد الأجنبي وتعزيز الثقة في الاقتصاد المصري.
«البنا»: ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي من أبرز عوامل تحسن الاقتصادبدوره، أكد د.
محمد البنا أستاذ القانون بجامعة المنوفية، أنه رغم أهمية الاستثمار الأجنبي المباشر باعتباره مصدراً مستداماً للنمو وخلق الوظائف، فإن المؤسسات الدولية تنظر إلى التحويلات باعتبارها أكثر استقراراً وأقل حساسية للصدمات، فالاستثمار الأجنبي المباشر يتأثر عادة بالتوترات الجيوسياسية وأسعار الفائدة العالمية ومستويات المخاطر السيادية، بينما أثبتت تحويلات المصريين بالخارج عبر عقود طويلة أنها تتمتع بطابع دفاعي، إذ تميل إلى الارتفاع خلال فترات الأزمات لدعم الأسر والاقتصاد المحلي، وبرز هذا الدور بوضوح خلال عامي 2024 و2025 عندما عوضت الزيادة الكبيرة في التحويلات جزءاً مهماً من التراجع الحاد في إيرادات قناة السويس الناتج عن اضطرابات البحر الأحمر.
كشف «البنا» أنه عند تحليل تقارير المؤسسات الدولية خلال العامين الماضيين، تبرز عوامل تحسّن الاقتصاد المصري، في تحرير سعر الصرف، وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج، وصفقة رأس الحكمة، إضافة إلى تحسن تدفقات الاستثمار الأجنبي، وعودة المستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين المحلية، وكذلك ارتفاع الاحتياطيات الدولارية، مشيراً إلى أن التحويلات تظل العنصر الأكثر استقراراً واستمرارية بين هذه المصادر كافة، وهو ما يمنحها وزناً خاصاً لدى وكالات التصنيف والمؤسسات المالية الدولية، فقد ثبتت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني تصنيف مصر السيادي عند مستوى «B» مع نظرة مستقبلية مستقرة، في تقريرها الأخير خلال شهر مايو الماضي، القرار الذي يعكس ثقة نسبية بقدرة الاقتصاد المصري على امتصاص تبعات الحروب في المنطقة، في ظل الاضطرابات الخارجية التي تشمل ارتفاعات أسعار الطاقة.
ذكر «البنا» أن وكالة «فيتش» تعتمد عند تقييم الجدارة الائتمانية للدول على مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالقطاع الخارجي، أبرزها: حجم التدفّقات الدولارية المستقرة، وقدرة الدولة على خدمة الدين الخارجي، ونسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة الاحتياطيات إلى الالتزامات الخارجية قصيرة الأجل، بجانب استدامة الحساب الجاري.
وتابع: «من هذا المنطلق تنظر الوكالة إلى تحويلات العاملين بالخارج، باعتبارها تدفّقات مستقرة ومتكررة تساهم في تخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات ودعم الاحتياطيات الدولية، وتقليل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي وتحسين مؤشرات الاستدامة الخارجية، هذا وكلما ارتفعت هذه التدفّقات بصورة مستدامة، انخفضت المخاطر المرتبطة بتمويل العجز الخارجي، وهو ما ينعكس إيجاباً على تقييم المخاطر السيادية».
وتوقع «شعيب» أن تظل هذه التدفقات محركاً رئيسياً لدعم قدرة مصر على مواجهة الصدمات الخارجية والحفاظ على استقرار التصنيف السيادي خلال السنوات المقبلة، في حال استمرارها عند مستوياتها الحالية.
وأوضح «البنا» أن الدافع الأكبر وراء زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج هو استعادة الثقة في النظام النقدي، بعد تطبيق سياسات نقدية أكثر احترافية، وكذلك المبادرات الحكومية، مثل طرح أراضٍ ووحدات سكنية للمصريين بالخارج، أسهمت في جذب شريحة واسعة من المصريين لإعادة توجيه أموالهم نحو الاقتصاد المحلي، فاستعادة الثقة لم تتحقّق إلا بإدارة واقعية للأزمة النقدية، كما أن الدولة لم تتخلف يوماً عن الوفاء بالتزاماتها المالية وسداد ديونها، وهو ما منحها ثقة لدى المؤسسات الدولية، مشيراً إلى أن تحسّن التصنيف الائتماني لدى وكالات مثل «موديز وستاندرد آند بورز وفيتش»، وانخفاض مؤشر المخاطر من نحو 900 إلى 400 نقطة فقط، يعتبر إشارة قوية لاستقرار بيئة الاستثمار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك