جريمتان لا يغفرهما التاريخ: الجريمة الأولى أن نُعلي من شأن التافهين، والجريمة الأخرى أن نُهين مقام العظماء.
ولعل ما جرى في إحدى مدارس الشرقية لم يكن مجرد مشاجرة عابرة بين سيدتين، بل كان مشهدًا كاشفًا لحقيقة أكثر إيلامًا: سقوط الضمير في لجنة امتحان.
فالواقعة في جوهرها لم تكن اعتداءً على معلمة، بل اعتداءً على قيمة.
لم تكن مشادة بسبب خلاف شخصي، بل بسبب رفض الغش.
نعم، بسبب رفض الغش.
وهذا وحده كافٍ لندرك حجم المأساة التي وصلنا إليها.
لقد كان المجتمع السوي يضع الغش في خانة العار، أما اليوم فقد أصبح بعض الناس يضعون مقاومته في خانة الخطأ.
وأصبح من يمنع الغش متهمًا، ومن يسعى إليه صاحب مظلمة، ومن يطالب بالعدل موضع هجوم، بينما يحظى الباحث عن الإجابة المسروقة بالتعاطف والتبرير.
أي انقلاب أخلاقي هذا؟ كيف وصلنا إلى مرحلة تتحول فيها قاعة الامتحان من ساحة للتنافس الشريف إلى ميدان معركة للحصول على درجات لا يستحقها أصحابها؟ وكيف انتقل الغش من جريمة تُرتكب في الخفاء إلى حق يطالب به البعض في العلن، ويغضبون إذا مُنعوا منه؟في أزمنة مضت كان الطالب إذا ضُبط متلبسًا بالغش يتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه خجلًا، وكانت أسرته تشعر بالمهانة قبل أن تشعر بالغضب.
أما اليوم فقد أصبح بعض أولياء الأمور هم من يقودون معارك الغش، ويدافعون عنها، ويوفرون لها الغطاء الأخلاقي والاجتماعي، وكأن النجاح لا قيمة له إلا إذا كان بلا جهد، ولا طعم له إلا إذا انتُزع بالتحايل.
لقد ترسخت في وجدان البعض فلسفة خطيرة مؤداها أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن المهم هو المجموع لا العلم، والشهادة لا المعرفة، والمقعد الجامعي لا الاستحقاق.
وهكذا أُزيحت الكفاءة جانبًا، وصعدت ثقافة التحايل إلى الصدارة.
وليس ما عُرف بلجان أولاد الأكابر في بعض المحافظات ببعيد عن أذهاننا.
فقد كانت تلك الوقائع جرس إنذار مدويًا كشف حجم الخلل الذي أصاب منظومة العدالة التعليمية.
نجاحات مصطنعة، ودرجات لا تعبر عن مستوى أصحابها، ومقاعد جامعية شُغلت بغير أهلها، حتى جاءت لحظة الاختبار الحقيقي، فسقط القناع، وانكشفت الحقائق، وظهرت النتائج المخجلة داخل بعض الكليات العملية، حين عجز من اعتادوا الغش عن مواجهة امتحانات لا تعرف المجاملات ولا الوساطات.
إن الغش لا يسرق درجات فحسب، بل يسرق الفرص، ويغتال العدالة، ويصادر أحلام المستحقين.
إنه لا يمنح الغشاش نجاحًا بقدر ما يسلب المجتهد حقه.
وما من كارثة أشد على الأوطان من أن يتقدم غير الأكفاء ويتراجع أصحاب الجدارة.
فكيف نطمئن إلى طبيب وصل إلى كلية الطب بالغش؟ وكيف نأتمن مهندسًا بنى مستقبله على أوراق مسروقة؟ وكيف نثق في محامٍ أو قاضٍ أو مسؤول لم يتعلم منذ صغره أن النجاح لا يكون إلا بالاستحقاق؟إن الدول لا تنهار حين تشح مواردها، وإنما حين ينهار ميزانها الأخلاقي.
وحين يصبح الغش أمرًا عاديًا، فإن المجتمع كله يدفع الثمن، لأن كل شهادة مزورة الكفاءة هي مشروع خطر مؤجل على الوطن.
وللأسف فإن المسؤولية لا تقع على الطلاب وحدهم، بل تمتد إلى نظام تعليمي تهاون أحيانًا، وإلى مؤسسات غضت الطرف، وإلى أسر باركت، وإلى مجتمع انشغل بالأرقام والمجاميع أكثر من انشغاله بالعلم والمعرفة.
فحين يصبح السؤال: كم حصلت؟ أهم من السؤال: ماذا تعلمت؟ يكون الخلل قد استقر في الجذور.
لقد حسم الإسلام هذه القضية منذ قرون طويلة بكلمات قليلة عظيمة المعنى، حين قال رسول الله ﷺ: «من غش فليس منا».
وهو حديث يهدم كل محاولات التبرير والتزيين والتأويل، لأنه يجعل الغش خروجًا على منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع السليم.
إن مواجهة هذه الآفة لا تبدأ من كاميرات المراقبة ولا من العقوبات وحدها، بل تبدأ من إعادة الاعتبار لفكرة الشرف نفسها.
من إقناع الأب قبل الابن، والأم قبل الابنة، بأن النجاح الذي يأتي بالغش ليس نجاحًا، بل هزيمة مؤجلة.
وأن الدرجة التي تُسرق اليوم قد تتحول غدًا إلى مريض يفقد حياته، أو مبنى ينهار، أو حق يُهدر، أو وطن يدفع الثمن.
فما يُبنى على الباطل لا يدوم، وما يُؤخذ بغير حق لا يثبت، والعود لا يستقيم إذا كان أصله أعوج، ولن يستقيم ظل وطنٍ سمح للغش أن يصبح ثقافة، وللتحايل أن يصبح فضيلة، وللساكتين عن الباطل أن يتصدروا المشهد.
إن المعركة الحقيقية ليست داخل لجنة امتحان، بل داخل الضمير نفسه.
وهناك يبدأ السقوط، وهناك أيضًا يبدأ الإصلاح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك