الرواية العربية في زمن الذكاء الاصطناعيلا شك أن الأدب الروائي قد أصبح له الحضور الأبرز في اهتمامات القراء العرب خاصة قطاعات الشباب، وغدت الرواية هي الملاذ الذي يلجأ إليه القارئ العربي للهروب من صخب الواقع، وأضحت الرواية هي المصنف الأكثر تداولًا وشهرة في معظم الأوساط، وباتت طباعة ونشر الروايات هي الركيزة الأساسية في عمل كثير من دور النشر العربية.
دفع هذا الزخم كثيرًا من الشباب لخوض تجربة التأليف في الأعمال الروائية، وهذا في حد ذاته لا غضاضة فيه، إلا أن هذا التوجه كثيرًا ما يصطدم بانعدام أو ضعف الموهبة والذائقة الأدبية، وسطحية الفكرة، ووهن العلاقة بين المؤلف واللغة العربية وفنونها وقواعدها، واستغلت دور النشر التجارية هذه الرغبة المحمومة لدى الشباب في الالتحاق المتعسف بركب الروائيين، في تبني نشر أعمالهم الروائية مهما كانت رداءة المستوى.
معظم هذه الدور التجارية تتربح من الكاتب ذاته من خلال تحميله كلفة الطباعة، وتقاسمه أرباح المبيعات، ولا تكترث بسمعتها فيما يخص معايير الجودة في النشر، فكانت النتيجة الطبيعية لذلك ظهور أعداد مهولة لعناوين روايات في المعارض الدولية للكتاب، ربما أخذت عناوين جذابة، حتى وإن كان المؤلف لا علاقة له بالأدب واللغة، والسبب هو الاستعانة بالذكاء الاصطناعي الذي يمكنه إعداد رواية في دقائق، ويكون الاختلاف في المستوى النهائي للرواية معتمدًا على مدى التنسيق والمراجعة والتعديل والحذف والإضافة التي يجريها صاحب المُصنّف.
علاقة الرواية بالذكاء الاصطناعي الذي يتطور بصورة مخيفة، أصبحت مصدر قلق ومخاوف من قبل الروائيين أصحاب الأقلام، الذين يشعرون أن الآلة صارت تنافسهم في ميدانهم، ومن ثم تدفقت الأسئلة: هل سيدفن الذكاء الاصطناعي مواهبهم وينفرد بالساحة؟ هل سقط كاتب الرواية الذي يبنيها من أولها إلى آخرها على مدى أشهر أو ربما سنة وسنتين؟الإجابة بشكل مباشر وواضح: سوف يسقط كاتب التعبئة وليس الروائي، وسوف تُدفن الرواية السطحية التقليدية وليست تلك التي تعبّقت بالإبداع وكسرت حاجز المألوف والمعتاد.
لن يرحم الذكاء الاصطناعي الذي يتطور باستمرار روايات الحب النمطية التي تعيد تكرار المكرر مثل التي تقوم على جمع الشتيتين بعدما ظنا كل الظن أن لا تلاقيا، ولن ترحم كاتب الخيال العلمي الذي لا يخرج عن فلك المخلوقات الفضائية والصراع مع كوكب الأرض، ولن ترحم كاتب الماورائيات حين يكتب عن الجن والأشباح والأعمال السحرية بنفس الصورة السائدة مع تغيير الأشخاص والسياق.
الذكاء الاصطناعي لن يرحم أشباه هذه الأنماط، لأنه في جوهره آلة تجميع عملاقة، فلو كان لديه مليون رواية حول موضوع فيمكنه أن يمنحك بسهولة الرواية رقم مليون وواحد، بنفس القالب والإيقاع والنهاية، في زمن قياسي.
الذكاء الاصطناعي سيقضي على الروائيين الذين يقتاتون على إعادة تدوير الأفكار، الذين تفزعهم الصفحات البيضاء فيركضون إلى القوالب الجاهزة، والذين يعيشون على استنساخ المضامين والأفكار سواء من الأعمال الروائية أو الدرامية، والذين لا يبذلون الجهد في استيلاد الفكرة الجديدة ورسم معالم السياق على غير مثال.
أما المبدعون الموقنون بأن إنسانيتهم ومشاعرهم التي لا يملكها غريمهم الذكاء الاصطناعي هي المعين والمداد، فأولئك هم الذين سيجدون لهم مكانًا وموطئ قدم في هذا العالم.
الذكاء الاصطناعي ربما يبرع في محاكاة الكتاب في وصف الجرح الإنساني، لكنه لم يعش هذا الجرح، سينقله بوصفه عملية استنساخ جوفاء، أما الكاتب البشري فوحده من يستطيع أن ينزف على الورق، ويجسد لنا الوجع حتى ينال من أرواحنا.
الآلة تملك رصيد المعلومة والقدرة على المحاكاة، لكنها لا تملك المشاعر الحية النابضة، وعندما تكتب لك عن دموع الفقد عند القبور، لن تتأثر بها تأثُّرك بما سطّره الكاتب الذي عاش المشهد بوجدانه حتى رأى نفسه ذلك الباكي وأمام ذاك القبر، فجسّد لك المشهد بكل حيويته وسيولته وحرارته.
الذكاء الاصطناعي سوف يلتهم العالة على الأدب الروائي، لا الروائيين المبدعين الذين يواجهون تطور الآلة بتطوير أدواتهم وآلاتهم ومعارفهم ومهاراتهم، ويدخلون مع الذكاء الاصطناعي في سباق محموم لإثبات حقيقة أن الإنسان هو من صنع الآلة.
ومهما غرقت الأسواق بروايات الذكاء الاصطناعي، فحتما سوف يصل القراء إلى حالة من التخمة من تلك الروايات الميتة وجدانيًا، ويبحثون بلهفة عن رواية تحمل نفَس إنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك