انزل عن برجك العاجي في أروقة المكاتب الفاخرة ذات الإطلالات البانورامية، وراء شاشات العرض التي تضج بالرسوم البيانية والبيانات الصماء، تُولد الكثير من الأفكار، أفكار رائعة، أفكار خلابة، أفكار مثالية.
يجتمع القادة والمخططون، يرسمون ملامح المستقبل، ويطلقون استراتيجيات ومبادرات طموحة، ويطورون خدمات يعتقدون أنها ستحدث ثورة في السوق.
لكن المفاجأة الصادمة تأتي غالباً عند لحظة التطبيق؛ حيث تصطدم هذه الخطط بجدار الواقع الصلب، وتتحول تلك المبادرات الابتكارية إلى عبء إضافي، أو تصبح خدمات خارج سياق الاحتياج الحقيقي للعميل وواقع الموظف.
هذا ما نسميه «الابتكار من البرج العاجي».
وهنا وقفة لتحرير المصطلح.
فما أصل مصطلح «برج عاجي»؟ الأصل الأقدم لمصطلح برج عاجي يعود إلى سفر نشيد الإنشاد في كتاب الإنجيل ثم استعمل بعدها كلقب من ألقاب السيدة مريم بنت عمران (عليها السلام) أم نبي الله عيسى (عليه السلام).
لكن منذ القرن التاسع عشر أصبح المصطلح يشير إلى ذلك التوجه في النشاط الفكري المنعزل عن الاهتمامات الواقعية العملية للحياة اليومية.
ويستعمل المصطلح في الثقافتين الأمريكية والانجليزية للإشارة باختصار إلى الأكاديمية أو الجامعة، أو بالأخص الأقسام الخاصة بالإنسانيات والعلوم الاجتماعية.
عودة للمفهوم: مشكلة الانفصال عن الواقع إن الخطأ الأكبر الذي تقع فيه الإدارات الحديثة ليس غياب الرؤية أو نقص الكفاءة، بل هو الافتراض المسبق بمعرفة كل شيء.
عندما تُصمم الحلول بعيداً عن واقع الميدان، يتحول الابتكار إلى رفاهية فكرية منعزلة.
الابتكار الحقيقي لا يحدث في الفراغ؛ إنه وليد المعاناة اليومية للعميل، والتحديات التشغيلية التي يواجهها موظفو الخطوط الأمامية أو موظفو الميدان.
عندما يتجاهل المخطط الإستراتيجي تفاصيل الميدان، فإنه يصمم حلولاً لمشاكل غير موجودة أصلاً، أو يقدم خدمات معقدة تزيد من البيروقراطية بدلاً من تسهيل رحلة المتعامل.
هذا الانفصال يولد فجوة ثقة بين من يخطط ومن ينفذ، ويجعل الاستراتيجيات مجرد حبر على ورق.
التواضع المعرفي والنزول للميدان الرسالة الجوهرية التي يجب أن تعيها القيادة القيادية اليوم هي أن التواضع المعرفي هو بوابتنا الوحيدة نحو الابتكار المستدام.
والتواضع هنا ليس شعاراً أخلاقياً، بل هو ممارسة تشغيلية تبدأ من النزول للميدان.
وهنا أذكر قصة وقعت أمامي شخصياً، عندما كنا نطالب الإدارة العليا بتوفير بعض الخدمات للموظفين الميدانيين، الموظفين الذين يعملون ساعات طويلة في أجواء حارة جداً وفي ظروف قاسية.
شعرت الإدارة العليا أننا متعاطفون مع الموظفين أكثر من اللازم وأننا نبالغ في توفير الاهتمام والرعاية المهنية لهم.
ولكن هذه الصورة انقلبت رأساً على عقب في أول زيارة ميدانية للإدارة العليا، عندما راقبوا عمل الموظفين وأدركوا قسوة الظروف التي يعملون فيها، بل شعروا بأن مطالبنا يجب أن تحقق منذ زمن بعيد.
إن مغادرة البرج العاجي، ومقابلة الموظفين في أماكن عملهم، ورؤية تفاصيل العمل اليومي عن قرب، هي المصدر الأول والأصدق للمعلومة.
هذا النزول يجب أن يتجرد من رداء «المفتش» أو «الرقيب»، ليرتدي عباءة «المستمع والشريك».
يتطلب الأمر إظهار تعاطف حقيقي مع التحديات التي يواجهها الموظف والعميل على حد سواء، وتأصيل تواصل إيجابي يبني جسور الثقة، ويشعر الجميع بأن أصواتهم ومخاوفهم هي الوقود الحقيقي لصناعة القرار.
فما الطريق للحصول على ابتكار حقيقي ؟ لتحويل هذا التواضع المعرفي إلى منهجية عمل مؤسسية، تقدم لنا الفلسفة الإدارية اليابانية حلاً عملياً وذكياً يُعرف بـ فلسفة « الإدارة بالتجوال Gemba Walk».
وكلمة «Gemba» تعني «الموقع الفعلي للعمل» أو «المكان الذي تصنع فيه القيمة».
تعتمد هذه الفلسفة على ثلاثة مبادئ أساسية: 1.
اذهب وانظر (Go and See): أن يترك القائد مكتبه ويذهب بنفسه إلى مكان تقديم الخدمة أو خط الإنتاج.
2.
اسأل عن السبب (Ask Why): الاحتكاك بالعمل الفعلي ميدانياً، والتحاور مع الموظفين لمعرفة التحديات الحقيقية، ليس بهدف تصيد الأخطاء، بل بهدف الفهم العميق للعمليات.
3.
أظهر الاحترام (Show Respect): تقدير معرفة وخبرة موظفي الخطوط الأمامية، فهم الأكثر دراية بالخلل والأقدر على اقتراح الحلول.
من خلال هذه الفلسفة، يتخلص المبتكر من عزلته ليصبح عملية تشاركية حية.
إن القائد الذي يمارس هذه الفلسفة لا يكتفي بقراءة التقارير المؤنقة، بل يلمس مواطن الألم والفرص بنفسه.
خاتمة إن الابتكار الحقيقي ليس براءة اختراع تُولد في مختبر مغلق، بل هو حل ذكي ومبسط للمس الغد ويرفع العبء عن اليوم.
لن نهجر الأبراج العاجية إلا إذا آمنّا بأن الذكاء المؤسسي الحقيقي يكمن في عقول ومشاعر أولئك الذين يواجهون الميدان كل يوم.
النزول إلى الأرض هو أول خطوة للصعود نحو التميز.
@hussainhalsayed.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك