لم يكن أشد المتفائلين في بعثة المنتخب الوطني الجزائري، يتوقع أن تتحول بلدة “لاورنس” الهادئة في ولاية كانساس الأمريكية، إلى قطعة من أرض الجزائر، في مشهد رياضي وإنساني مذهل كسر كل الحواجز الجغرافية والثقافية، فالأمر لم يعد مجرد استضافة لمنتخب عالمي يستعد لاستحقاقاته الكبرى، بل تحول إلى ملحمة تضامنية تجندت فيها البلدة الأمريكية بأكملها لتشجيع “محاربي الصحراء”، في صورٍ تعكس القوة الناعمة لكرة القدم وقدرتها على جمع الشعوب في رِحاب واحدة.
منذ اللحظة الأولى لوصول البعثة الجزائرية، خلعت “لاورنس” رداءها التقليدي واكتست باللونين الأخضر والأبيض، حيث شهدت المتاجر الرياضية المحلية إقبالا منقطع النظير من السكان الأمريكيين لامتلاك الأوشحة والقمصان الجزائرية، وتحولت الحصص التدريبية لرفاق القائد رياض محرز إلى مهرجانات جماهيرية غصت بها المدرجات، لكن ذروة هذا الذهول تراقصت تفاصيلها خلف أسوار مقر التدريبات، حين فاجأ سكان البلدة الجميع ببادرة استثنائية تجاوزت حدود الترحيب الكلاسيكي، تمثلت في حفظهم لنغمات النشيد الوطني الجزائري “قسماً”، وترديده بحماس منقطع النظير بلكنة أمريكية ممتزجة بالاحترام والتقدير، وهو ما أضفى أجواء حماسية استثنائية بثت القشعريرة في نفوس اللاعبين والطاقم الفني، في مقاطع تداولتها منصات التواصل على نطاق واسع.
هذا الزخم الجماهيري غير المتوقع يمثل دافعا معنويا هائلا للمنتخب الجزائري، الذي وجد نفسه مدفوعا بطاقة تشجيعية نقية ومبتكرة بعيدا عن ضغوط الإعلام المعتادة، ما يثبت أن الهوية الكروية الجزائرية باتت تحظى باحترام عالمي يتجاوز الحدود القارية، وإن ما تفعله بلدة لاورنس اليوم ليس مجرد ترحيب بضيوف قدموا من قارة أخرى، بل هو درس في الدبلوماسية الرياضية يثبت كيف يمكن للرياضة أن تبني جسورا من المحبة بين عمق الولايات المتحدة الأمريكية وقلب القارة الإفريقية، لتظل نغمات “قسماً” المدوية في كانساس شاهدة على واحدة من أجمل قصص الوفاء الرياضي عابر القارات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك