في قراءة تحليلية لمشوار المنتخب الجزائري في نهائيات كأس العالم 2026، تبرز المباراة الافتتاحية أمام المنتخب الأرجنتيني كحجر الأساس الذي تتشكل بناء عليه طموحات “محاربي الصحراء”، وبنظرة تكتيكية متأنية، لا يمكن تصنيف نتيجة التعادل أمام أحد أقوى المنتخبات العالمية كإنجاز معنوي محصور، بل هي الخطوة الاستراتيجية الأولى والممر الآمن الذي يضمن للجزائر حظوظا وافرة لبلوغ الدور الثاني، خاصة في ظل نظام البطولة الحالي الذي يمنح أصحاب المراكز الأولى والثانية بالإضافة إلى أفضل المنتخبات التي تحتل المركز الثالث، فرصا واسعة للعبور.
تكمن القيمة الحقيقية لنقطة التعادل أمام “الألبيسيليستي” في شقين، الأول نفسي، إذ إن الخروج بنتيجة إيجابية أمام حامل اللقب يمنح كتيبة المدرب فلاديمير بيتكوفيتش ثقة صلبة تكسر حاجز الرهبة لدى اللاعبين، خاصة الأسماء الشابة والواعدة، أما الشق الثاني فهو حسابي بامتياز، فالنظام الحالي للبطولة يجعل من تجنب الخسارة في اللقاء الأول قاعدة متينة لترتيب الأوراق دون ضغوطات خانقة، حيث تتبقى في الأفق مواجهتان يمكن الاستثمار فيهما، وبالتالي، حصد النقاط أمام كل من الأردن والنمسا.
إن هذه المهمة التكتيكية المعقدة أمام الأرجنتين ليست بالمستحيلة على الإطلاق، وبالأخص عند العودة بذاكرة المونديال إلى ما حققه المنتخب السعودي الشقيق في نهائيات قطر، فذلك الفوز التاريخي والتكتيكي الباهر كسر جدار الوهم وأثبت بالأرقام والواقع أن مقارعة بطل العالم ومفاجأته داخل المستطيل الأخضر أمر ممكن، شريطة التسلح بالعزيمة والانضباط الخططي الصارم، وهو الإنجاز الملهم الذي يمنح لاعبي المنتخب الجزائري الدفع المعنوي اللازم للاعتقاد في قدراتهم وبلوغ هدفهم.
ومع ذلك، فإن سيناريوهات هذه المواجهة الافتتاحية تتعدى التعادل لتضع المنتخب الجزائري أمام فرضيتين مغايرتين تماما، الفرضية الأولى هي تحقيق انتصار تاريخي، وهو سيناريو سينعكس بالإيجاب المطلق على بقية المشوار، حيث سيعني وضع قدم أولى راسخة في الدور ثمن النهائي، والتحول مباشرة من مركز المطارد إلى قائد المجموعة، هذا الفوز سيتيح لبيتكوفيتش تسيير مباراتي الأردن والنمسا بذكاء وتدوير التشكيلة لتفادي الإرهاق البدني، مع زرع رعب تكتيكي في نفوس المنافسين القادمين، أما الفرضية الثانية فتمثل الخسارة، وهي النتيجة التي ستضع الخضر تحت مقصلة الضغط المبكر وتجبرهم على دخول حسابات معقدة، فالهزيمة أمام الأرجنتين ستعني ضرورة الفوز الحتمي في المباراتين المتبقيتين دون أدنى هامش للخطأ، مما يدفع الفريق للعب بأسلوب هجومي مجازف قد يتسبب في كشف الخطوط الدفاعية، فضلا عن العبء النفسي الثقيل الذي سيقع على عاتق اللاعبين في مواجهة شبح الإقصاء المبكر.
من الناحية الفنية، يتطلب انتزاع النتيجة الإيجابية انضباطا دفاعيا حديديا وقدرة عالية على غلق المساحات لتقليص خطورة الهجوم الأرجنتيني، هذا التحفظ التكتيكي يجب أن يتوازى مع تفعيل سلاح المرتدات السريعة والاستغلال الأمثل للمهارات الفردية التي يمتلكها الخضر في الخط الأمامي بقيادة رياض محرز وحركية أمين غويري ومـحمد أمين عمورة بالإضافة إلى الحلول المهارية والاختراقات الجريئة التي يقدمها أنيس حاج موسى، ويتضح أن نجاح الجزائر في فرض التعادل، كحد أدنى، على الأرجنتين، سيجبر المنافسين القادمين في المجموعة، على اللعب بأسلوب مفتوح، مما سيتيح للمنتخب الجزائري فرصة تسيير بقية المشوار بأريحية وضمان بطاقة العبور إلى الدور المقبل بناء على خطوة أولى مدروسة وثابتة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك