لا توجد دولة حققت تنمية اقتصادية مستدامة إلا وكان للنقل دور محوري في نهضتها، وتحديدًا النقل بالسكك الحديدية الذي أثبت عبر التاريخ أنه من أكثر وسائل النقل قدرة على تحفيز النمو الاقتصادي وربط مراكز الإنتاج بالاستهلاك وفتح آفاق التنمية بين المناطق المختلفة.
وفي المملكة العربية السعودية يعود الاهتمام المبكر بالسكك الحديدية مع تولى الخبير الأمريكي مستر جولدي إدارة السكك الحديدية تحت إشراف شركة أرامكو.
ومنذ ذلك الوقت تعاقبت الرؤى والطموحات لتوسيع شبكة القطارات وربط مناطق المملكة بعضها ببعض.
وخلال فترة الدكتور غازي القصيبي في رئاسة المؤسسة العامة للخطوط الحديدية، تمت الاستعانة باستشاريين أمريكيين لدراسة التوسع في شبكة السكك الحديدية، إلا أن النتائج آنذاك لم تكن مشجعة من الناحية الاقتصادية.
ومع ذلك أثبتت التجارب العالمية، أن مشاريع السكك الحديدية لا تُقاس فقط بالعائد المالي المباشر، بل بما تخلقه من تنمية اقتصادية واجتماعية وعمرانية طويلة الأمد، وما توفره من فرص استثمارية ترفع من تنافسية الاقتصاد الوطني.
وكانت المؤسسة العامة للخطوط الحديدية تملك مساحات واسعة من الأراضي، التي لو تم استثمارها وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية لأصبحت مصدر دخل مستدام يدعم التوسع والتطوير ويخفف الأعباء المالية عن الدولة.
كما شهدت المملكة محاولات جادة لتنفيذ مشروع الربط بين الشرقية والغربية بنظام البناء والتشغيل ثم الإعادة للدولة (BOT)، وشاركت في دراسته جهات تمويلية دولية، إلا أن اختلاف وجهات النظر حول حجم الدعم المطلوب أدى إلى تأخير التنفيذ.
ومع مرور الوقت ارتفعت التكاليف بشكل كبير، وهو ما يؤكد، أن التأخر في اتخاذ القرار التنموي غالبًا ما تكون تكلفته أعلى من تكلفة التنفيذ نفسها.
وعندما تم التسويق لمدينة الملك عبدالله الاقتصادية، كان أحد أهم عناصر الجذب فيها فكرة الربط البري بين البحر الأحمر والخليج العربي عبر شبكة السكك الحديدية، بما يختصر زمن وصول البضائع القادمة من أوروبا إلى أسواق الخليج ويوفر للمملكة مزايا لوجستية تنافسية على مستوى العالم.
ولعل أبرز مثال على أثر السكك الحديدية في التنمية هو مشروع قطار الشمال، الذي ربط المناجم بمدينة رأس الخير الصناعية، فبدونه لما نشأت المنظومة الصناعية المتكاملة التي أسهمت في نمو شركة معادن وتحولها إلى إحدى الشركات العالمية الرائدة في صناعة الألمنيوم ومنتجات التعدين ذات القيمة المضافة.
واليوم تتجدد الطموحات بمشاريع الربط مع دول الخليج، سواء مع قطر أو الكويت أو ضمن مشروع القطار الخليجي الشامل.
كما أن التحديات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة وما ترتب عليها من اضطرابات في الممرات البحرية وارتفاع تكاليف النقل تؤكد أن شبكة السكك الحديدية لم تعد مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل أصبحت ضرورة أمنية وإستراتيجية.
ومن هنا تبرز أهمية اتخاذ قرار فوري بالشروع في استكمال شبكة السكك الحديدية الوطنية من خلال شراكات إستراتيجية مع القطاع الخاص وصناديق الاستثمار المحلية والدولية، وفق نماذج تمويل وتشغيل حديثة لا تُحمّل الدولة أعباء مالية مباشرة، بل تحقق عوائد اقتصادية مستدامة من رسوم النقل والخدمات اللوجستية وتطوير الأراضي والمراكز التجارية والصناعية المرتبطة بالشبكة.
فمثل هذه المشاريع قادرة على تمويل جزء كبير من تكلفتها ذاتيًا إذا ما أُحسن التخطيط لها وإدارتها.
إن ربط المملكة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب سيخلق ممرًا اقتصاديًا متكاملًا يربط الموانئ والمناطق الصناعية والتعدينية والزراعية والسياحية، ويؤسس لمراكز تنموية جديدة، ويحفز الاستثمارات المحلية والأجنبية، ويوفر آلاف الفرص الوظيفية لأبناء الوطن، ويعزز التكامل بين المناطق.
فالسكك الحديدية ليست مجرد قطارات تسير على قضبان، بل شرايين تنقل التنمية، وتدعم الاقتصاد، وتعزز الأمن الوطني، وترسم مستقبلًا أكثر ازدهارًا للوطن و المواطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك