غزة ـ «القدس العربي»: في مختلف أنحاء العالم، تتوقف الحياة لساعات مع انطلاق مباريات كأس العالم، حيث تمتلئ المقاهي بالمشجعين، وترفع الأعلام وتتزين الشوارع بألوان المنتخبات المشاركة، وتتحول البطولة إلى مناسبة عالمية تجمع ملايين البشر حول شغف واحد هو كرة القدم، لكن المشهد يبدو مختلفا تماما في قطاع غزة، حيث تغيب الأجواء المونديالية عن معظم السكان، الذين تحول اهتمامهم من متابعة المباريات إلى البحث عن أبسط مقومات الحياة.
وفي الوقت الذي تستعد فيه جماهير كرة القدم حول العالم للاستمتاع بأجواء المونديال، يجد مئات الآلاف من سكان قطاع غزة أنفسهم أمام واقع مختلف، حيث تحول الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والأمنية المتدهورة من دون متابعة الحدث الرياضي الأبرز عالميا، ويعد كأس العالم مناسبة ينتظرها عشاق كرة القدم كل أربع سنوات، إلا أن سكان القطاع يواجهون تحديات متراكمة، فمع استمرار أزمة الكهرباء وتضرر البنية التحتية للاتصالات، إضافة إلى النزوح الواسع وتراجع القدرة الشرائية، أصبحت متابعة المباريات رفاهية لا تتوفر للكثير من الأسر.
وبسبب الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية، والانقطاع المزمن للكهرباء، أصبح الوصول إلى البث التلفزيوني أو الإنترنت لمتابعة الأحداث الرياضية الكبرى ومنها كأس العالم، أمرا بالغ الصعوبة، حيث يتشوق آلاف الغزيين لمتابعة المباريات، لكن المعيقات الأساسية تحرمهم هذا الموسم من متابعة الحدث الرياضي الكبير.
وتعرضت شبكات الكهرباء في غزة لأضرار جسيمة، كما أن مصادر التغذية الكهربائية التجارية توقفت بالكامل منذ بدء الحرب، ما أدى إلى انقطاعات شاملة للكهرباء، كما أن الأضرار لم تقتصر على المساكن والخدمات الأساسية، بل امتدت إلى القطاع الرياضي نفسه، حيث تعرضت منشآت وملاعب رياضية عدة للتدمير أو الضرر، وأثرت الحرب بشكل كبير على الحياة الرياضية في غزة، لذلك فإن مشاهدة مباريات كأس العالم أو غيرها من البطولات العالمية، ليست متاحة لكثير من السكان بالسهولة المعتادة، إذ تتقدم تحديات أساسية مثل المأوى والكهرباء والاتصالات على الأنشطة الترفيهية والرياضية.
ويقول عدد من المواطنين، إن كرة القدم كانت دائما وسيلة للهروب المؤقت من ضغوط الحياة، إلا أن الواقع الحالي جعل التفكير في المباريات والبطولات أقل أهمية مقارنة بالتحديات التي يواجهونها يوميا، فهناك صعوبات تقنية ومادية إلى جانب الظروف الإنسانية يواجهها الغزيون، كما أن هناك تحديات أخرى تتعلق بإمكانية الوصول إلى البث الرياضي، فتكلفة الاشتراكات في القنوات الناقلة للبطولات الكبرى تمثل عبئا إضافيا على الكثير من الأسر، خاصة في ظل تراجع الدخل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، كما أن ضعف خدمات الكهرباء والاتصالات في بعض المناطق يشكل عائقا أمام متابعة المباريات بشكل منتظم، حيث يعتمد كثير من السكان على الإنترنت أو البث الفضائي، الذي يتطلب إمكانات مادية قد لا تكون متاحة للجميع.
ويقول المواطن محمود أبو معروف: «تبدو أجواء التحضير لكأس العالم محدودة للغاية في غزة، إذ اختفت مظاهر الاحتفال التقليدية التي ارتبطت بالمونديال، ولم تعد أصوات التشجيع والأهازيج الرياضية تملأ الشوارع كما كان يحدث في السابق، كما أن الشعور العام لم يعد يسمح بالاحتفال أو الانشغال بالأحداث الرياضية بالشكل المعتاد، في ظل الضغوط النفسية والاجتماعية التي يعيشها السكان».
وبين في حديثه لـ«القدس العربي» أن «متابعة المونديال هذا العام، يعتبر أمر صعب بالنسبة لغالبية السكان في غزة، فأكثر من نصف سكان غزة دمرت بيوتهم، ويعيشون في خيام من القماش والنايلون، ولا يتوفر بداخلها أي مقومات حياتية من كهرباء وخطوط اتصالات وإنترنت».
ولفت إلى أن المباريات في الأعوام الماضية كانت تعزز التضامن والتعارف بين المواطنين، حيث كانت المباريات الكبرى تتحول إلى مناسبات اجتماعية تجمع الأصدقاء والعائلات في المنازل أو المقاهي، فيما كانت بعض المؤسسات والمبادرات المجتمعية تنظم فعاليات لمشاهدة المباريات بشكل جماعي، لكن اليوم الحرب وتبعاتها فرقت المواطنين.
ويؤكد مختصون في الشأن الرياضي، أن كرة القدم لطالما شكلت متنفسا مهما للفلسطينيين في غزة، حيث تمنحهم فرصة مؤقتة للهروب من ضغوط الحياة اليومية، وخلال بطولات كأس العالم السابقة، كانت المقاهي والساحات العامة والشاشات العملاقة تستقطب آلاف المشجعين، فيما كانت مبادرات مجتمعية ومؤسسات محلية توفر أماكن مجانية للمشاهدة الجماعية، لكن الظروف الحالية تختلف بصورة كبيرة، إذ تعاني أعداد كبيرة من السكان من النزوح وفقدان المساكن وتراجع الخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل الاهتمام بتأمين الاحتياجات اليومية يتقدم على أي نشاط ترفيهي أو رياضي، كما تمثل تكلفة الاشتراك في القنوات الناقلة عائقا إضافيا أمام العديد من العائلات، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتشير تجارب سابقة إلى أن كثيرا من سكان القطاع كانوا يعتمدون على المشاهدة الجماعية أو المبادرات المجانية، بسبب عدم القدرة على تحمل رسوم الاشتراكات الرياضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك