لندن ـ «القدس العربي»: كما كان متوقعا، نجح الرئيس التاريخي لريال مدريد فلورينتينو بيريز في حسم الانتخابات الرئاسية التي أقيمت في مراكز اقتراع مدينة «الفالديبيباس»، وحدث ذلك بعد تفوقه الكاسح على منافسه الشاب الملياردير إنريكي ريكيلمي، بالحصول على ثلثي الأصوات، أو كما نقلت وكالات الأنباء العالمية حصل على 21741 صوتا، وهو ما يمثل 65% من الأصوات، في المقابل تحصل إمبراطور الطاقة المتجددة على 11814 صوتا أو 35% من إجمالي الأصوات، ليحكم القرش الأبيض الكبير قبضته على عرش الملوك للمرة السادسة على التوالي منذ بدء ولايته الثانية في صيف 2009، من أصل 8 دورات انتخابية ناجحة لصاحب الـ79 عاما منذ ظهوره على الساحة الكروية في بداية الألفية الجديد، حين أحدث ضجة عالمية بأفكاره الثورية آنذاك، والتي بدأها بأشهر وأجرأ وعد انتخابي منذ اختراع الساحرة المستديرة في النصف الثاني من القرن قبل الماضي، بنقل لويس فيغو إلى قلعة «سانتياغو بيرنابيو» في حال تم انتخابه رئيسا للنادي، وهو ما جعل أعضاء الجمعية العمومية للنادي الميرينغي، يصوتون للمهندس الخمسيني المغامر، وذلك على حساب الرئيس الأسبق لورينزو سانز، الذي أعاد كأس دوري أبطال أوروبا عام 1998 للمرة الأولى منذ ستينات القرن الماضي، وهي تقريبا نفس الحيلة الانتخابية التي لجأ لها في معركته الأخيرة مع ريكيلمي، بعد الوعد المثير الذي أطلقه قبل أيام من انطلاق الانتخابات، بالتوقيع مع لاعب من الطراز العالمي، أو كما هو شائع في المفردات اليومية لمشجعي الريال «غالاكتيكو» جديد، وعلى الرغم من تكتمه على اسم الصفقة الكبرى المستهدفة، فقد تسابقت وسائل الإعلام الإسبانية والعالمية في تحديث الأنباء حول هوية النجم المنتظر في «البيرنابيو» هذا الصيف، وكانت البداية ببعض الإشاعات والأخبار التي تحدث عن الجوهرة الفرنسية مايكل أوليسي، لكن بعد ذلك تبين أن الحديث كان عن مهاجم الغريم العاصمي أتلتيكو مدريد خوليان ألفاريز، الأمر الذي تسبب في فتح الكثير من علامات الاستفهام حول السياسة التي سيتبعها بيريز في دورته الثامنة في سُدّة الحكم الملكي.
صحيح أن المهندس المقرب من السلطة الإسبانية، ذاع صيته في بداية صعوده الصاروخي، على أنه يتعامل مع العملة الجديدة آنذاك «اليورو» على أنها ورق كوتشينة، بعد المبالغ الفلكية (بمعايير ذلك العصر حيث كانت أونصة الذهب لا تزيد على 250 دولارا) التي أنفقها لجمع أفضل وأشهر نجوم الكوكب في فريق واحد، منها على سبيل المثال 56 مليون يورو لتنفيذ وعده الانتخابي في صفقة ضم أفضل لاعب في العالم لويس فيغو، و65 مليونا أخرى لاستقطاب الساحر الفرنسي زين الدين زيدان من يوفنتوس، وملايين أخرى لشراء رونالدو الظاهرة وديفيد بيكهام ومايكل أوين وباقي المجموعة التي كانت تُعرف باسم «الأحجار الكريمة»، لكن بعد التضخم المبالغ فيه في أسعار ورواتب اللاعبين في العشرية الأخيرة، إلى جانب التغير الجذري في شكل المنافسة على أفضل المواهب والأسماء اللامعة في عالم كرة القدم، وذلك بطبيعة الحال بعد ظهور منافسين جدد أقل ما يُقال عنهم أقوى ماديا من كل الأندية الكلاسيكية في إسبانيا وأوروبا، اضطر بيريز لتغيير سياسته في فترة ما بين نهاية العقد الحالي وبعد جائحة كورونا، منها كان يتعامل مع بقاء أساطير «العاشرة» في النادي على أنها صفقات كبرى في حد ذاتها، ومنها أيضا حاول تبني فكرة «تربية النجم في المهد أفضل من دفع مئات الملايين بعد سنوات تعد على أصابع اليد الواحد»، كما فعل ما فينيسيوس جونيور، وردريغو غوس، وإيدير ميليتاو، وإبراهيم دياز، وإدواردو كامافينغا وإلخ، كجزء من خطة النادي لتوفير الملايين المطلوبة لتجديد ملعب «سانتياغو بيرنابيو» بأحدث مواصفات ومعايير عصر التكنولوجيا، وهذا يفسر تحول الريال إلى منافس شرس ليوفنتوس على الهدايا المجانية التي لا تُقدر بثمن، والإشارة إلى الصفقات المجانية التي اعتاد الميرينغي على إبرامها في السنوات الماضية، من نوعية ديفيد آلابا، وأنطونيو روديغر والميغا ستار كيليان مبابي بعد انتهاء عقده مع باريس سان جيرمان في صيف 2024، لكن من الواضح أنه أدرك خطورة الرهان على نفس الإستراتيجية لفترة أطول، وذلك بعد انقلاب الرأي العام عليه بعد فشل الفريق في تحقيق ولو بطولة واحدة كبرى في آخر موسمين.
بإلقاء نظرة سريعة على أغلب الصحف والمؤسسات الصحافية المحسوبة على المحيط الإعلامي الأبيض، سنجد أنها تتحدث عن ثورة تصحيح شاملة تُطبخ في هذه الأثناء على نار هادئة، وذلك لضرب عصفورين بحجر واحد، الأول هو تجديد دماء الفريق، والثاني رفع مستوى جودة المشروع أكثر من أي وقت مضى، بعد رحيل القائد الاسمي داني كارفخال ومعه النمساوي الزجاجي ديفيد آلابا، ولهذا سارعت الإدارة بضم الثنائي إبراهيم كوناتي ودينزل دومفريس، مع الاستقرار على إعادة اليافع البرازيلي إندريك بعد انفجار موهبته في الفترة التي قضاها مع ليون الفرنسي على سبيل الإعارة، على أن يبقى مصير بعض الشباب المشكوك في مستقبلهم مع النادي في يد المدرب الجديد جوزيه مورينيو، الذي تم إعلان عن عودته إلى بيته القديم بالتزامن مع انطلاق حفل افتتاح نهائيات كأس العالم أمريكا الشمالية 2026، ليبدأ ولايته الثانية في مدينة «الفالديبيباس»، بنفس المهام والتكاليف المعقدة التي تحملها على كتفيه في ولايته الأولى، وفي القلب منها تضييق الفجوة مع الجبروت البرشلوني، الذي وصل لحد الهيمنة على كل البطولات المحلية والقارية تحت قيادة العبقري بيب غوارديولا منذ توليه المهمة في صيف 2008، وعلى الرغم من اكتفاء «سبيشال وان» بتحقيق 3 بطولات مع الريال في الفترة بين عامي 2010 و2013، فقد ترك بصمة كبيرة بوضع حجر أساس المشروع الذي تسلمه كارلو أنشيلوتي في مرحلة «الفوران الكروي»، ليقوده لفك عقدة الريال مع كأس دوري أبطال العاشرة في نهائي لشبونة الشهير أمام أتلتيكو مدريد عام 2014، قبل أن يتناوب زين الدين زيدان وأنشيلوتي في جلب الكؤوس من الحادية عشرة إلى الخامسة عشرة، والآن لا يُخفى على أحد، أن ريال مدريد تحول إلى الضحية المفضلة لبرشلونة هانزي فليك، بانتهاء آخر 7 مباريات بينهما بفوز أصدقاء لامين يامال 6 مرات، مقابل مرة يتيمة للميرينغي وكانت تحت قيادة تشابي ألونسو في النصف الأول من موسم الدوري الإسباني المنقضي، الفارق الوحيد أن مشروع فليك لم يخطف الكأس ذات الأذنين، لكن على المستوى المحلي، لم يفرط سوى في بطولة كأس ملك إسبانيا في الموسم الأخير، وهذا في حد ذاته، تسبب في وضع بيريز ومجلسه المعاون في حرج شديد أمام جماهير النادي داخل العاصمة وفي مختلف أنحاء العالم، وبناء عليه لم يجد سوى جوزيه مورينيو، باعتباره الملاذ الآمن الذي سيحقق الهدف المنشود، لوقف الغطرسة الكتالونية وإعادة اللوس بلانكوس إلى مكانه الطبيعي على منصات التتويج.
تبقى الفكرة الرئيسية التي يحاول الإعلام المدريدي تصديرها للجماهير منذ إعلان فوز بيريز بالولاية الثامنة، هي رغبة النادي الجامحة في العودة إلى عرش القارة العجوز من خلال «غلاكتيكوس» جدد، لكن قبل أن تتم هذه الخطوة سيتعين على المو، التخلص من نصف دستة لاعبين على أقل تقدير، منهم على سبيل المثال لا الحصر، رودريغو غوس، إدواردو كامافينغا، وداني سيبايوس، وماركو أسينسيو، وفيران غارسيا وماستانتونو، فضلا عن التقارير التي تتحدث عن توجه الإدارة لإرسال النجم المغربي إبراهيم دياز إلى يوفنتوس الإيطالي، ضمن ضحايا ثورة مورينيو المنتظرة، وذلك لإفساح المجال أمام الصفقات الرنانة المنتظرة، لعل أبرزها وأهمها بالنسبة لمصلحة الفريق صفقة لاعب الوسط المحوري رقم (6)، المركز الذي تحول إلى صداع مزمن منذ رحيل كاسيميرو ومن بعده تقاعد المهندس توني كروس، ويُقال إن الهدف الرئيسي لإعادة الانضباط والالتزام إلى دائرة وسط الريال هو مايسترو مانشستر سيتي رودري، الذي يملك من الخبرة والجودة ما يكفي لتقديم الإضافة التي يحتاجها المدرب البرتغالي في وسط الملعب، وبالمثل يحتاج المشروع لجناح أيمن من أصحاب القدم اليسرى الذهبية، على طريقة محمد صلاح، ورياض محرز، ولامين يامال وإلخ، كواحد من الخيارات أو الحلول التي يفتقدها الفريق في ظل اعتماده على ثلاثة لاعبين بنفس المواصفات تقريبا في الثلث الأخير من الملعب، والإشارة إلى رودريغو وفيني ومبابي، ثلاثة لاعبين يصعب الوقوف أمامهم في تحدي مباشر في مركز الجناح الأيسر المهاجم، لكن في مركز الجناح الأيمن المهاجم يفقدون أكثر من 50% من مصادر قوتهم، وبالطبع يبقى الخيار المثالي لفريق مورينيو هو جناح بايرن ميونيخ مايكل أوليسي، الذي أثبت بما لا يدع أي مجال للشك، أنه يملك من المقاومات والشخصية والجودة ما يكفي لمزاحمة لامين يامال على الجوائز الفردية المرموقة في ما تبقى من العقد الجاري، لكن الأمر لا يبدو بهذه السهولة أو البساطة لصعوبة إقناع المسؤولين في بافاريا بالتخلي عن جوهرتهم الثمينة، حتى لو تحول عرض الـ150 مليون يورو من معقل «الهنود الحمر» إلى حسابات «آليانز آرينا»، أما غير ذلك، فلن يكون الفريق بحاجة إلى تدعيمات أخرى من الوزن الثقيل، إلا إذا أراد المدرب الجديد تعزيز الدفاع بصفقة أخرى مدوية، للتخلص من هاجس النقص العددي الحاد، الذي تسبب في مشاكل لا حصر لها للفريق في أغلب فترات موسم كأس العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك