كتبت قبل شهرين على هذه الصفحة أن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى تغيير في مفهوم أمن الطاقة وطبيعة العلاقة بين العرض والطلب، وذكرت أن طرفا جديدا في المعادلة يتمثل في أمن الإمدادات أصبح يلعب دورا حاسما في مفهوم أمن الطاقة بشكل عام إلى جانب المتغيرات الأخرى، مثل وفرة الإمدادات والمخزون الاستراتيجي والمخزونات التجارية وسياسات الطاقة في الدول المنتجة والمستهلكة على السواء.
وبمتابعة حركة السوق ومؤشرات الاستهلاك والاستثمار خلال الفترة منذ آذار/مارس الماضي حتى الآن، وتحت تأثير التوتر الذي يهدد أمن الإمدادات منذ صيف العام الماضي فقد لاحظنا انخفاضا في الطلب على النفط الخام، وزيادة هائلة في الاستثمارات المخصصة لتوسيع طاقات الإنتاج من مصادر الطاقة المتجددة، وانفجارا في معدلات التحول من الوقود التقليدي إلى مصادر الطاقة المتجددة المنتجة للكهرباء، خصوصا في قطاع السيارات، إضافة إلى الطاقة النووية وتطوير تكنولوجيات جديدة للتخلص من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن احتراق الفحم، خصوصا في الصين التي تملك منه موارد هائلة تسعى الى الاستفادة منها وعدم إهدارها.
وعلى المستوى الجيوسياسي فإننا لاحظنا كذلك أن الصين تفوقت على كل دول العالم في معدل ونطاق التحول إلى الطاقة النظيفة والمصادر المتجددة.
هذه الملاحظة في حد ذاتها يمكن أن تفسر تراجع الطلب العالمي على النفط في المستقبل القريب، وذلك نظرا لأن الصين هي أكبر مستورد للوقود التقليدي في العالم.
ومع استمرار سياسة التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في الصين فإن توقعات اتجاه الأسعار في أسواق النفط والغاز تحتاج إلى نظرة جديدة، ما يمكن أن يسفر عن تخفيض سقف التوقعات بالنسبة لأسعار النفط والغاز.
ومن الضروري أن نوضح هنا أن التحول في الطلب على النفط إلى مصادر الطاقة المتجددة كان يحدث بقوة محرك الاعتبارات البيئية في الأساس حتى حرب إيران في صيف العام الماضي.
أما بعد ذلك فإن محركات التحول تتكون الآن من محركات المحافظة على البيئة، وأمن الإمدادات الذي يلعب فيه مضيق هرمز دورا أساسيا، إضافة إلى محرك جيوسياسي تلعب فيه الصين على وجه الخصوص الدور الأقوى.
ومن ثم فإن الاستنتاج الذي نتوصل إليه هو أن التحول عن النفط تدريجيا، يسفر عن تراجع تدريجي في الطلب، قد يكون بطيئا في الوقت الحاضر لكنه سيتسارع بعد ذلك، ما سيؤدي إلى تراجع في المستوى العام للأسعار وخسارة الدول المصدرة للبترول جزءا من إيرادات التصدير بسبب تراجع الكميات والأسعار.
وتعتمد قوة التراجع في الطلب على قوة المحركات الثلاثة التي أشرنا إليها؛ المحرك البيئي والأمني والمحرك الجيوسياسي.
لم يعد أمن الطاقة يرتبط فقط بالعلاقة بين متغيرات العرض والطلب وإقامة التوازن بينهما، لكنه أصبح يرتبط أيضا بأمن طرق الإمدادات وقابلية وصول الإنتاج المستخرج من الحقول إلى أسواق الاستهلاك.
هذا يعني عمليا إضافة طرف جديد إلى معادلة التسعير في السوق، حيث ترتفع في أوقات الأزمات والتقلبات الجيوسياسية تكلفة وصول النفط والغاز من مناطق الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك حول العالم وإلى الدول الصناعية المستهلكة على وجه الخصوص.
ومن شأن ذلك تغيير قواعد اللعبة في السوق نتيجة زيادة الطلب على النفط والغاز الأسهل وصولا عبر طرق إمدادات آمنة إلى أسواق الاستهلاك، ما يعني حصول الدول التي تتمتع بطرق إمدادات أكثر أمنا على علاوة ضمنية في عائدات التصدير، بسبب إعادة تقدير حساب التكلفة التي لا تقتصر على تكاليف الإنتاج فقط، وإنما تشمل أيضا تكلفة وصول الإمدادات إلى أسواق المستهلكين.
وسوف يؤدي تغيير قواعد حساب التكلفة على المدى الطويل إلى حدوث تحول في الطلب demand diversion لمصلحة الدول ذات الإمدادات الأسهل وصولا والأكثر أمنا على حساب الدول التي تفتقر إلى أمن الإمدادات.
وتشمل التكلفة الإضافية التي تؤثر على التسعير تكلفة التحول إلى طرق إمدادات بديلة قد تكون أطول وأكثر استهلاكا للوقود، وتكلفة حماية طرق الإمدادات البديلة، وتكلفة التأمين، وتكلفة التغير في احتياجات الناقلات للعمالة (وقت العمل) بسبب التغير في طول طرق الإمدادات.
كذلك فإن التحول إلى طرق إمدادات أقصر أو أكثر أمنا يمنح الدول المضيفة أو المالكة لهذه الطرق مزايا مقارنة بسبب الموقع أو القرب من أسواق الاستهلاك.
ونستطيع القول بأن محرك «أمن الإمدادات» هو الأكبر تأثيرا على الطلب في دول الاتحاد الأوروبي والدول النامية المتجهة إلى التصنيع مثل الهند وفيتنام، في حين أن المتغيرات الأخرى تلعب دورا مهما إلى جانب المحرك الأمني في دول الاتحاد الأوروبي والدول الصناعية الأخرى بشكل عام.
أما في الصين على وجه الخصوص فإن المحرك الجيوسياسي يلعب دورا محوريا في توجيه سياسة الطاقة بشكل عام والتركيز على تطوير مصادر بديلة للطاقة تكون تحت سيطرة الصين.
في هذا السياق فقد أصدر بنك غولدمان ساكس مذكرة بحثية يوم الجمعة الماضي أكد فيها أن الطلب العالمي على النفط انخفض بأكثر من المتوقع، ما يشكل مخاطر مزدوجة على توقعاته لسعر خام برنت في الربع الأخير من عام 2026، والبالغة 90 دولارا للبرميل، وتوقعاته لسعر خام غرب تكساس الوسيط، والبالغة 83 دولارا للبرميل.
وقدّر البنك انخفاض الطلب العالمي على النفط في نيسان/ابريل بما يتراوح بين 4 و5 ملايين برميل يوميًا، حيث يبدو أن إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط قد خفّض الطلب العالمي بنسبة تتراوح بين 4 إلى 5 في المئة.
وأشارت المذكرة إلى أن هذا الانخفاض في الطلب يعود إلى ضعف الاستهلاك، لا سيما في الصين وأوروبا الغربية، حيث كانت تقارير مبيعات الوقود بالتجزئة في نيسان/ابريلضعيفة.
واستندت تقديرات خبراء غولدمان ساكس إلى ثلاثة مناهج مختلفة، شملت تحليل عمليات التكرير العالمية، وقياسات الطلب على النفط، وتقديرات المؤسسات الدولية العاملة في مجالات الاستشارات النفطية والاقتصادية.
وأشارت المذكرة البحثية إلى وجود مخاطر صعودية كبيرة في الأسعار إذا ظل المضيق مغلقًا وانخفضت الإمدادات العالمية بشكل أكبر.
غير أن تلك الإشارة تتعلق بالوضع في الأجل القصير، ولا تسري على الأجل الطويل أو المتوسط.
لقد عززت حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز اتجاها جاريا بالفعل، حيث تنظر الحكومات والمستثمرون بشكل متزايد إلى الطاقة المتجددة والطاقة النووية والكهرباء وكفاءة الطاقة كأدوات لأمن الطاقة، وليس فقط سياسة المناخ.
وسلطت الاضطرابات حول مضيق هرمز الضوء على ضعف الاعتماد على النفط والغاز المستوردين.
وأدى ارتفاع الأسعار الناتج عن التوتر وانقطاع طرق الإمدادات إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز، الأمر الذي يعزز يحسن اقتصاديات بدائل النفط باهظ الثمن ويجعل السيارات الكهربائية أكثر جاذبية.
كذلك فإن ارتفاع أسعار الغاز يعمل على تحسين القدرة التنافسية لاستثمارات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات والكفاءة.
وزاد المستثمرون مخصصات إقامة وتنمية أصول الطاقة النظيفة جزئيا لأسباب تتعلق بأمن الطاقة.
كذلك تعمل العديد من الحكومات على توسيع مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية والتخزين التجاري والاحتياطيات الاستراتيجية وإنتاج الطاقة المحلي للحد من التعرض للصدمات الجيوسياسية.
كذلك فإن استمرار أسعار النفط في الارتفاع مع استمرار تهديد أمن الإمدادات يؤدي إلى تقليل نمو استهلاك النفط، حيث يتجه المستهلكون والصناعات بتغيير التقنيات أو استخدام طاقة أقل من خلال ترشيد الاستهلاك.
ومع ذلك، فقد لاحظنا في الأجل القصير أن بعض الدول زادت من استخدام الفحم والوقود الأحفوري المحلي للتعويض عن تعطل إمدادات النفط والغاز.
ويتوافق تباطؤ الطلب على النفط مع الملامح التاريخية لنتائج الصدمات النفطية الكبرى.
إذ أن هذه الصدمات، مثل أزمات النفط في السبعينيات، غالبا ما أدت إلى تسريع وتيرة التغييرات الهيكلية في أنظمة الطاقة.
ولذلك ليس غريبا أن الحرب الإيرانية الحالية لها تأثير مماثل: فهي تعزز الحاجة الاستراتيجية للطاقة المتجددة والكهرباء، حتى لو ظل النفط لا غنى عنه لسنوات قادمة.
وفي سياق التحول البطيء والتدريجي عن النفط إلى المصادر المتجددة يجب أن نعيد التأكيد على أن «التحول» هو عملية مستمرة ومركبة وليس انتقالا بسيطا من حالة يكون فيها الاعتماد على النفط كاملا إلى حالة نقيض بين عشية وضحاها يتم فيها التخلص تماما من الاعتماد على النفط.
باختصار، لم تتسبب حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز في تحول واسع النطاق من النفط إلى مصادر طاقة جديدة بين عشية وضحاها، ولكن من المرجح أنها سرّعت الانتقال طويل الأجل نحو مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية والبطاريات والنقل الكهربائي من خلال جعل أمن الطاقة هدفا مركزيا للسياسة.
تشير الأدلة في عام 2026 إلى وجود تحول ملموس بعيدا عن النفط ونحو أنظمة الطاقة القائمة على الكهرباء، ما يعني تباطؤ نمو الطلب على النفط وتسارع الطلب على الأنظمة الكهربائية المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والنظيفة مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة النووية.
وقد توقعت وكالة الطاقة الدولية «IEA» في نيسان/أبريل من العام الحالي أن ينمو الطلب العالمي على النفط بشكل طفيف في عام 2026، ما يعكس التوقعات السابقة للنمو.
ثم جاءت هذه التوقعات أكثر تحديدا في الشهر الماضي، حيث ذكرت الوكالة أن الطلب العالمي على النفط سينخفض بمقدار 420 ألف برميل يوميا لهذا العام مقارنة بالتوقعات السابقة.
كما أن منظمة أوبك، الأكثر تفاؤلا بشكل عام بشأن الطلب على النفط خفضت هي الأخرى توقعاتها لنمو الطلب لعام 2026 من 1.
38 مليون برميل يوميا إلى 1.
17 مليون برميل يوميا.
في الوقت نفسه فإن إنتاج مجموعة أوبك هبط في الشهر الماضي إلى أقل مستوى في العقود الأربعة الأخيرة.
ومن المعتقد أن السيارات الكهربائية تلعب دورا محوريا في عملية التحول من النفط إلى الكهرباء.
وطبقا لتقدير وكالة الطاقة الدولية فإن التوسع في استخدام السيارات الكهربائية أدى إلى تخفيض الطلب على النفط بحوالي 1.
7 مليون برميل يوميا في العام الماضي.
وتقدر الوكالة أن أسطول السيارات الكهربائية العالمي يزيح ما لا يقل عن 1.
2 مليون برميل يوميا من الطلب على النفط، وأن معدل إزاحة وقود السيارات من الطلب على النفط سيزداد خلال السنوات القليلة القادمة.
هذا فيما يتعلق بجانب الطلب.
أما في جانب عرض الطاقة بواسطة الأنظمة الكهربائية المعتمدة على المصادر المتجددة والنظيفة فإن بيانات الاستثمار توفر محركات أقوى بكثير عن بيانات الاستهلاك، وتؤكد أن التوسع في إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة وتطوير كفاءة أنظمة التخزين من شأنها زيادة معدل النزوح عن النفط والانتقال الى الكهرباء بمعدلات غير مسبوقة في السنوات القليلة المقبلة.
وتشير تلك البيانات إلى أن إجمالي الاستثمار العالمي في الطاقة في العام الماضي بلغ حوالي 3.
4 تريليون دولار، منها 2.
2 تريليون دولار في قطاعات الطاقة النظيفة، ما يعادل نسبة الثلثين من مجموع الاستثمارات.
وطبقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية فإن الاستثمار في الطاقة النظيفة يجذب حاليا ما يقرب من ضعف قيمة رؤوس الأموال التي يتم استثمارها في تنمية الوقود الأحفوري على مستوى العالم.
وتشمل الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة والنظيفة مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وبطاريات تخزين الكهرباء المتطورة والطاقة النووية وأنظمة المحولات الأكثر كفاءة المعتمدة على التكنولوجيا الفائقة التقدم وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
وطبقا للنظرية الاقتصادية فإن كل زيادة في العرض تؤدي إلى زيادة في الطلب.
وتشير الأرقام الحالية إلى أن الطلب على الكهرباء ينمو بمعدلات أسرع بكثير من معدل زيادة العرض، ما يعني جدوى الاستثمارات الجديدة والتوسع في الاستثمارات القائمة بالفعل.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي على الكهرباء من المرجح أن ينمو بمعدل يزيد 3.
5 في المئة سنويا، ويزيد في الدول النامية عن 6 إلى 10 في المئة مدفوعا بنمو استخدام السيارات الكهربائية، والتوسع في كهربة الصناعة، وإقامة المزيد من مراكز البيانات الرقمية.
ويتم تلبية هذا النمو في الطلب من خلال مصادر منخفضة الانبعاثات بدلا من النفط.
وأسهمت مصادر الطاقة المتجددة والنووية بمعظم الزيادة في إمدادات الطاقة العالمية في عام 2025.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن توسيع طاقات إنتاج الطاقة النظيفة لا يقتصر على الدول الصناعية المستهلكة للنفط، بل ان دول الخليج المصدرة للنفط هي الأخرى تتخذ لنفسها مكانا مهما على خريطة تنمية الطاقة النظيفة الجديدة والمتجددة.
وفي هذه الدول يتم تمويل استثمارات الطاقة المتجددة بشكل عام من عائدات تصدير النفط بدلا من استبدال إنتاجه النفط.
ولا تزال دول الخليج ملتزمة بالحفاظ على دور هام في أسواق النفط العالمية، حتى مع التراجع العالمي في الطلب على النفط والوقود الأحفوري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك