عاد القصر الملكي بإدفينا إلى دائرة الضوء من جديد بعد زيارة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، للمشروع الجاري تنفيذه لإعادة إحيائه، حيث أبدى إعجابه بالصرح التاريخي العريق وطرازه المعماري الفريد، مؤكدًا أهمية استغلاله كمقصد سياحي وثقافي متميز يضاف إلى خريطة الجذب السياحي بمحافظة البحيرة.
ويقع القصر في قرية إدفينا التابعة لمركز رشيد بمحافظة البحيرة، على الضفة الغربية لفرع رشيد من نهر النيل، في موقع استراتيجي يجمع بين جمال الطبيعة وأهمية الموقع التاريخي، وسط مساحة تقارب 15 فدانًا من الحدائق والأشجار النادرة التي تمنحه طابعًا فريدًا بين القصور الملكية المصرية.
ثلاثة ملوك شاركوا في بنائهيحمل القصر بصمات ثلاثة من حكام مصر، إذ بدأت المرحلة الأولى من إنشائه في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1892، ثم استكملت المرحلة الثانية في عهد الملك فؤاد الأول، بينما اكتملت المرحلة الثالثة والأخيرة في عهد الملك فاروق.
ولم يكن القصر مجرد استراحة ملكية، بل كان جزءًا من مشروع تنموي وزراعي ضخم ارتبط بتفتيش إدفينا الذي كان يعد من أكبر وأهم الأملاك الزراعية التابعة للأسرة المالكة في مصر.
طراز إيطالي وأعمدة جلبت خصيصًا من أوروباصمم القصر وفق الطراز الإيطالي الكلاسيكي الذي كان شائعًا في قصور الأسرة العلوية، وتم استيراد أعمدته الرخامية خصيصًا من إيطاليا، فيما استخدمت في بنائه أحجار مصرية وأعمدة جرانيتية ضخمة، بالإضافة إلى بعض الكتل الحجرية ذات الطابع الفرعوني.
وتعد أرضيات القصر من أبرز عناصره المعمارية، حيث غطيت بأخشاب الباركيه الإيطالي الفاخر، بينما استخدمت أنواع متعددة من الرخام الملون في الممرات والقاعات الرئيسية، ونقشت بعض القطع الرخامية بعلامات خاصة استخدمت قديمًا في متابعة مواسم الفيضان والأمطار والنوات.
84 غرفة داخل ثلاثة أجنحة ملكيةيتكون القصر من ثلاثة أجنحة ضخمة تأخذ شكل حرف" L" اللاتيني، ويضم كل جناح ثلاثة طوابق كاملة.
ويحتوي الطابق الأرضي أو" البدروم" على حجرات للمطابخ ومخازن الأغذية وسكن العاملين والخدم، بينما خصص الطابق الأول المعروف باسم" السلاملك" لاستقبال الضيوف وكبار الزوار وعقد الاجتماعات الرسمية، في حين خصص الطابق الثاني" الحرملك" لإقامة الملك وأفراد أسرته.
ويضم القصر 84 غرفة مختلفة المساحات، جميعها مغطاة بأرضيات من الباركيه الفاخر، إضافة إلى عدد من القاعات والصالات الواسعة والشرفات المطلة على النيل والحدائق.
من أبرز ما يميز القصر وجود مرسى نهري خاص أنشئ مع بداية بناء القصر في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني.
ويقع المرسى على فرع رشيد ويمتد بطول الواجهة الشرقية للقصر، وكان يستخدم لاستقبال اليخوت والمراكب الملكية القادمة عبر النيل، كما يتصل مباشرة بحدائق القصر ومداخله الرئيسية.
ويضم القصر ثلاثة مداخل رئيسية، يتوسطها مدخل كبير يؤدي إلى ممر طويل ينتهي عند المبنى الرئيسي، بينما تتوسط الحدائق نافورة أثرية مثمنة الشكل تعد من أبرز العناصر الجمالية بالمكان.
ارتبط القصر بتاريخ واحد من أكبر المشروعات الزراعية في مصر الملكية، إذ لم تكن الأراضي الصالحة للزراعة في تفتيش إدفينا تتجاوز 800 فدان عند انتقاله إلى الملك فؤاد الأول.
وبفضل أعمال الاستصلاح وشبكات الري والصرف الحديثة ارتفعت المساحة المزروعة إلى نحو 13 ألفًا و800 فدان بحلول عام 1938، ما جعل المنطقة نموذجًا متقدمًا للتنمية الزراعية.
وضم التفتيش آنذاك العديد من القرى والمزارع والمشروعات الإنتاجية الخاصة بتربية الماشية والأغنام الأجنبية والنحل وإنتاج الألبان، كما زارته وفود علمية من كليات الزراعة والهندسة والعلوم لمتابعة التجارب التي كانت تنفذ فيه.
شهد القصر إقامة عدد من الشخصيات البارزة في التاريخ المصري، حيث استضاف الملك فؤاد الأول رئيس الوزراء حسين باشا صدقي لمدة عشرة أيام خلال إحدى زياراته لإدفينا.
كما ارتبطت المنطقة بزيارات لشخصيات فنية وأجنبية بارزة، في ظل المكانة التي كانت تحظى بها إدفينا باعتبارها إحدى أهم ممتلكات الأسرة المالكة قبل ثورة يوليو 1952.
تشير بعض المصادر التاريخية إلى وجود استراحة ملكية مكملة للقصر داخل مبنى الحجر الصحي بمدينة رشيد، أنشئت خصيصًا لتمكين الملك فاروق من الاستمتاع بإطلالة مباشرة على البحر المتوسط ونهر النيل في الوقت نفسه.
كما جرى إنشاء مرسى خاص أمام تلك الاستراحة لتسهيل انتقال الملك وضيوفه بين رشيد وإدفينا عبر المراكب واليخوت الملكية.
من القصر الملكي إلى كلية الطب البيطريبعد انتهاء العصر الملكي تغيرت وظيفة القصر أكثر من مرة، حيث استخدم كمقر للمعهد الزراعي العالي، ثم محطة بحوث زراعية تابعة لجامعة الإسكندرية.
وخلال حرب الاستنزاف تسلمته القوات المسلحة، قبل أن يخصص عام 1974 لكلية الطب البيطري بجامعة الإسكندرية، وهو الاستخدام الذي استمر لعقود طويلة.
أثر تاريخي ينتظر عودته للحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك