لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا لستيفن إرلانغر، المقيم في برلين والمختص بشؤون الشرق الأوسط وإيران، قال فيه إنه مع اقتراب توقيع اتفاق لوقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فإن إدارة دونالد ترامب تواجه بلدا مستعدا لتحمل الضغوط.
وقال إن قادة النظام نجوا من أسوأ الضربات الأمريكية والإسرائيلية، ويبدو أنهم مستعدون للمخاطرة.
وقال إن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا في حرب مع إيران سعيا لتغيير النظام.
وبعد مرور نحو أربعة أشهر، حدث تغيير في النظام، لكنه لم يكن التغيير المنشود.
فـ”الجمهورية الإسلامية 3.
0″، كما يسميها البعض، باتت أقرب إلى مجلس عسكري يهيمن عليه الحرس الثوري الإسلامي القوي، منها إلى دولة دينية.
وفي الوقت الذي دخلت فيه واشنطن وإسرائيل في حرب للقضاء على البرنامج النووي الإيراني وإنهاء التهديد الذي يمثله، فإن ذلك لم يسفر إلا عن إيران منهكة وأكثر استعدادا للمخاطرة، وأكثر إصرارا على هدفها المتمثل في تطوير برنامجها النووي.
وأضاف أن الولايات المتحدة وإيران تبادلتا الضربات خلال الأسبوع الماضي في محاولة لإيجاد سبيل لإنهاء الحرب.
وبحلول يوم الجمعة، ورغم اتهامات النفاق المتبادلة بين الجانبين، قال مسؤولون في طهران وواشنطن إنهم يقتربون من التوصل إلى اتفاق مبدئي أطلقا عليه مذكرة تفاهم.
وفي يوم السبت، أعلن الرئيس ترامب أن التوقيع سيتم يوم الأحد، مع أن وزارة الخارجية الإيرانية قللت من تصريحاته، قائلة إن الجدول الزمني قد يستغرق وقتا أطول.
وعلق إرلانغر أن الاتفاق على مذكرة التفاهم سيمنح طهران بعض النفوذ، إذ ينخرط الجانبان في مفاوضات جادة بشأن البرنامج النووي الإيراني ودورها المستقبلي في مضيق هرمز، وسيتم ترك تفاصيل كثيرة لفترة ستين يوما من المفاوضات التي قد يحالفها النجاح أو الفشل.
ويقول أيضا إن إيران، التي ظهرت من خلال الحرب، هي نظام ليس عاجزا يحاول الدفاع عن نفسه والبقاء فقط، بل يحتفظ بقدرات عسكرية ونووية مهمة.
ويبدو أن جهاز الأمن الإيراني الواسع يحكم قبضته على جميع ملامح الحياة من الحكم والمجتمع والسياسة الخارجية.
ونقل الكاتب عن سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس في لندن، قولها إن إيران يقودها الآن “جيل أصغر سنا وأكثر جرأة على الحكم”.
فيما علق آرون ديفيد ميلر، الدبلوماسي الأمريكي السابق في وقفية كارنيغي للسلام العالمي، قائلا بأنه “انتقال من السلطة الدينية إلى السلطة العسكرية”.
ويعتقد هؤلاء القادة الجدد أن بإمكانهم الصمود حتى في حال تجدد القتال بشكل كبير، دون تغيير جوهري في مواقفهم التفاوضية أو أهدافهم الإقليمية الأوسع.
وتشمل هذه الأهداف استعادة قدرتهم على الردع حتى لا يتعرضوا لهجوم آخر كما حدث في أواخر شباط/فبراير.
ويريدون أيضا الحفاظ على حقهم في تخصيب اليورانيوم، حتى بمستويات منخفضة بعد فترة تعليق، وسيحتفظون بالمعرفة العلمية والمعدات التي تمكنهم، إذا ما أرادوا، من أن يصبحوا مجددا دولة على عتبة امتلاك السلاح النووي، أي دولة تمتلك جميع عناصر السلاح النووي دون أن تكون قد صنعته.
ويضيف إرلانغر أن الحكومة الإيرانية الجديدة أظهرت أنها مفاوض قوي مستعد لتحمل أكبر قدر من الخسائر للحفاظ على مصالحها الجوهرية، قائلا إن هذا الموقف يختلف تماما عن الموقف المتردد والحذر الذي أبداه المرشد الأعلى السابق، آية الله علي خامنئي، الذي اغتيل في اليوم الأول للحرب، 28 شباط/فبراير.
فقد منع ولسنوات إنتاج سلاح نووي، وعمل دائما على منع هجوم إسرائيلي أمريكي مشترك على إيران.
ولكن، وبعد نجاتهم من الهجوم، أظهر قادة إيران الجدد أنهم ليسوا مقيدين بتلك القيود.
وفي الوقت نفسه، يرى محللون أن الرئيس دونالد ترامب غير راغب بحرب شاملة، وأنه وضع قيودا على رغبة إسرائيل في ذلك.
وهذا يفسر جزئيا سبب جرأة إيران، لأول مرة هذا الأسبوع، على مهاجمة إسرائيل مباشرة بعد أن قصفت إسرائيل معاقل حزب الله، حليف إيران في بيروت، لبنان، وهو ما دأبت إسرائيل على فعله بانتظام لعدة أشهر.
ويعتقد إرلانغر أن ضربات إيران على إسرائيل كانت محاولة أخرى من إيران لربط المفاوضات مع أمريكا لإنهاء الحرب بوقف إطلاق النار في لبنان، مع أن إسرائيل حاولت الفصل بين الجبهتين.
وقال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إنه مع النظام الجديد لن تتحقق الأهداف التي فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيقها في الحرب، بل بمزيد من الإكراه.
وأضاف أن الإيرانيين يعتقدون أن الأسوأ قد ولى، وأنهم سيعملون على الحفاظ على مطالبهم الأساسية، كحقهم في تخصيب اليورانيوم وبرنامجهم للصواريخ الباليستية ودعمهم لوكلائهم، مثل حزب الله وحماس والحوثيين.
ويقول الخبراء إنه بموجب أي اتفاق، من المرجح أن توافق إيران على تعليق محدود للتخصيب، وأن تصدر نصف مخزونها الحالي من اليورانيوم عالي التخصيب، بينما يتم تخفيف النصف الآخر إلى مستوى تخصيب أقل.
لكن إيران ستحتفظ بمعرفتها النووية وبنيتها التحتية، بما في ذلك أجهزة الطرد المركزي المتطورة.
هذا، إلى جانب القدرة على إغلاق مضيق هرمز مجددا متى شاءت، وهو ما سيمنح إيران “ورقة رابحة لمنع إسرائيل والولايات المتحدة من شن هجوم آخر”، كما يرى داني سيترينوفيتش، ضابط المخابرات العسكرية الإسرائيلي المتقاعد والمتخصص في الشأن الإيراني.
وسوف يمنحها أيضا نفوذا متجددا في المنطقة.
وقال: “إن الحرب التي تهدف إلى منع إيران من امتلاك أسلحة نووية ستكون هي الحرب التي تدفعها إلى حافة الهاوية”.
ويشير هو وغيره إلى أن إيران، قبل الحرب، عرضت على مبعوثي ترامب في جنيف صفقة أفضل مما تعرضه حاليا في المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة.
ومن المرجح أن تصعد إيران، التي ازداد نفوذها، من مطالبها الأخرى، فمثلا تطالب بالإفراج الفوري عن نحو 12 مليار دولار من أصولها المجمدة، مع دفع 12 مليار دولار أخرى لاحقا مقابل إحراز تقدم في تنفيذ أي اتفاق.
ويريد الإيرانيون اختبار مدى استعداد ترامب لمواجهة معارضة شديدة من بعض الجمهوريين وإسرائيل بشأن تسليم الأموال لإيران.
أما فيما يتعلق بالقضايا النووية الرئيسية، فباستثناء التزام إيران بعدم صنع قنبلة نووية، فقد تُركت هذه القضايا إلى حد كبير لمفاوضات أكثر تفصيلا خلال الستين يوما القادمة.
فيما تتمسك بمطالبها بفرض رسوم على السفن مقابل استخدام مضيق هرمز.
ولكن الكاتب يرى أن حس المخاطرة لدى قيادة إيران الجديدة يتقاطع أيضا مع سعيها إلى التوصل إلى اتفاق لتخفيف الضغط الاقتصادي المتزايد في البلاد، والسماح ببيع النفط الذي تستخرجه وتخزنه خلال الحصار الأمريكي للمضيق.
وبخاصة أن الاقتصاد الإيراني يواجه خطر الانهيار التام، وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الاحتجاجات المناهضة للنظام بمجرد انتهاء الحرب.
لكن إيران تعتقد أن الرئيس ترامب في عجلة من أمره، ولذلك لم تقدم التنازلات التي تريدها واشنطن، بحسب ما ذكرته وكيل، المحللة في تشاتام هاوس.
وأكدت أن أهداف إيران طويلة الأمد لم تتغير، وتشمل منع أي هجوم مستقبلي وإثارة الانقسام بين الدول العربية في الخليج حول مدى التسامح معها، والضغط من أجل عزل إسرائيل بين الدول العربية وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
وأضافت أن الخطر يكمن في أن تبالغ إيران في تقدير قوتها وتخطئ في حساباتها، كما فعلت في الماضي.
وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق مبكر، فإن المحللين يشكون في أن يتم بحث القضايا الأكثر تعقيدا، مثل اتفاق نووي مفصل، على غرار ما حدث مع اتفاق غزة الذي تفاوض عليه السيد ترامب والمتعثر.
وعلقت سوزان مالوني، المختصة في الشؤون الإيرانية في معهد بروكينغز، بأنه وعلى الأرجح أن “نبقى في حالة من الترقب لفترة طويلة، وهو ما يصب في مصلحة إيران”.
وأضافت: “لا حرب ولا سلام أمر مريح لإيران”، لأنه لن يؤدي إلا إلى زيادة الضغط على ترامب لقبول أي نوع من الاتفاقات لفتح المضيق ومحاولة استعادة التوازن في سوق الطاقة والأسمدة والألومنيوم وغيرها الكثير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك