طالبنا بتغليظ عقوبة هتك عرض الأطفال.
نعمل على توعية الأطفال وحمايتهم من خلال عدد من المحاور.
الطفل ملك للدولة وإذا تعرض للإساءة أو الاستغلال من والديه يجب أن يُحاسبا.
شهد ملف الطب النفسى خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا على مستوى الاهتمام المؤسسى والمجتمعي، بالتوازى مع تزايد الوعى بقضايا الصحة النفسية وتأثيرها على الفرد والأسرة، وفى هذا الحوار، يفتح الدكتور مهاب مجاهد، أستاذ الطب النفسى وعضو مجلس الشيوخ، عددا من الملفات المهمة المتعلقة بحماية الأطفال، والأثر النفسى للاعتداءات، ودور الأسرة والمدرسة والتشريعات فى الوقاية، إلى جانب رؤيته لعدد من الظواهر المجتمعية المرتبطة بالصحة النفسية.
فى البداية.
تقدمت بدراسة تشريعية لتغليظ عقوبة هتك عرض الأطفال، ما الذى دفعك إلى ذلك؟عندما نتحدث عن الاعتداء على الأطفال، فنحن لا نتحدث عن جريمة عادية، بل عن انتهاك يترك آثارا نفسية عميقة قد تلازم الطفل سنوات طويلة.
ومن أصعب ما يمكن أن يتعرض له الإنسان فى طفولته أن تُنتهك براءته أو يُمس شعوره بالأمان، لذلك كان التفكير فى الجانب التشريعى جزءا من مواجهة هذه الظاهرة، لكنه ليس الجزء الوحيد.
إذن كيف ترى مواجهة هذه الظاهرة؟تقوم المواجهة الحقيقية على ثلاثة محاور متكاملة.
المحور الأول هو التوعية، بأن يعرف الأب والأم كيفية الحديث مع الطفل، وكيف نجعله قادرا على الفهم والإفصاح إذا تعرض لأى موقف غير طبيعي.
كما نعمل على إدماج مفاهيم الوعى بالحدود الشخصية والجسدية داخل العملية التعليمية بصورة تتناسب مع عمر الطفل.
أما المحور الثانى فهو المراقبة والحماية، من خلال توفير بيئات أكثر أمانا للأطفال، سواء داخل المدارس أو أماكن الأنشطة المختلفة.
فوجود أدوات متابعة وحماية يساهم فى تقليل فرص وقوع الانتهاكات.
فى حين يتمثل المحور الثالث فى التشريع وتطبيق القانون، إذ إن الردع القانونى عنصر مهم، لكنه لا يعمل منفردا.
ما الذى يجب أن يعرفه الطفل لحماية نفسه؟هناك أربع رسائل أساسية ينبغى أن تصل إلى الطفل منذ سن الإدراك:أولا: أن يفهم حدود جسده، وما هى المناطق الخاصة التى لا يحق لأحد تجاوزها.
ثانيا: أنه إذا حدث تجاوز، فإن الخطأ يقع على الطرف الآخر وليس على الطفل.
ثالثا: أن يدرك أن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه هو ألا يُخبر أهله.
رابعا: أن يطمئن إلى أن الأسرة ستستمع إليه وتدعمه، ولن تعاقبه أو تهدم حياته بسبب ما حدث.
هناك شكل آخر من أشكال الإساءة للأطفال، وهو استغلال الأطفال فى الشوارع أو دفعهم للتسول، فهل نحتاج إلى تشريعات جديدة؟القضية هنا لا تتعلق فقط بوجود قوانين، إذ إن هناك بالفعل تشريعات تُجرّم استغلال الأطفال، ولكن الأهم هو فلسفة الحماية ذاتها، فالطفل ليس مسؤولية الأسرة وحدها، بل هو أيضا مسؤولية المجتمع والدولة إذا تعرض للخطر أو الإهمال.
وفى حال ثبوت وجود استغلال أو أذى متعمد، يجب أن يدرك الأب والأم أن هناك مسؤولية قانونية وأخلاقية، لأن دورهما الأول يتمثل فى الرعاية والحماية.
وهل يمكن اعتبار استغلال الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعى نوعا من الإساءة؟لا يمكن إصدار حكم عام فى هذا الشأن، فليس كل ظهور للأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعى يُعد استغلالا، لكن هناك حالات عديدة يتحول فيها الأمر إلى استخدام الطفل كوسيلة لجذب التفاعل أو تحقيق المكاسب أو صناعة المحتوى، وذلك على حساب راحته النفسية.
وهناك فرق واضح بين مشاركة الأسرة لحظات طبيعية وسعيدة مع أطفالها، وبين تحويل الطفل إلى مشروع شهرة أو وسيلة لتحقيق الانتشار.
ومن الناحية الشخصية، لا أفضل تعريض الأطفال للشهرة المبكرة أو ربط هويتهم بنجاح أو شهرة الوالدين، بل الأفضل أن يبنى الطفل شخصيته الخاصة وينمو فى بيئته الطبيعية.
لكن هناك منطقة رمادية، ليست استغلالا مباشرا ولا خصوصية كاملة.
أين يكون الحد؟الحد الفاصل هنا هو مصلحة الطفل، هل الطفل مرتاح؟ هل يدرك ما يحدث حوله؟ هل يمكن أن يؤثر ما يُنشر عنه اليوم عليه مستقبلا؟ وهل أصبح وجوده على المنصات الرقمية جزءا من التزامات الأسرة أو مصدر ضغط عليه؟هذه أسئلة ينبغى على كل ولى أمر طرحها قبل نشر أى محتوى يتعلق بأطفاله.
كثيرا ما نسمع عن البيئة السامة أو العلاقات المؤذية داخل الأسرة، ما تأثير ذلك على الأطفال؟هذا سؤال معقد يختلف من حالة لأخرى، إلا أن الطفل يتأثر بدرجة كبيرة بجودة البيئة التى ينشأ فيها، فقد يدرك مبكرا أن أحد الوالدين يتعامل بطريقة غير صحية نفسيا، وقد لا يدرك ذلك إلا لاحقا، وذلك بحسب درجة النضج وطبيعة العلاقة وشدة المشكلة.
وفى حال كان الإنسان يعيش تجربة مؤلمة مع أحد الوالدين، فهناك نقطتان أساسيتان:الأولى هى حماية الحدود النفسية قدر الإمكان، والثانية هى التفريق بين البر والطاعة، فالبر يعنى الاحترام والإحسان وعدم الإساءة، لكنه لا يعنى بالضرورة إلغاء الذات أو اتخاذ قرارات تُلحق الضرر بحياة الإنسان.
وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على حدوده النفسية دون أن يؤذى الطرف الآخر؟لا يكون ذلك عبر الرفض العنيف أو القطيعة، وإنما من خلال أسلوب التعبير.
يمكن للإنسان أن يرفض بهدوء واحترام، مع توضيح أنه يُقدّر الطرف الآخر ويحترم رأيه، لكنه فى الوقت نفسه يحتاج إلى اتخاذ قراراته بنفسه.
فالاختلاف لا يعنى العقوق، كما أن البر لا يعنى التنازل الكامل عن الاختيارات الشخصية.
هل المرض النفسى يُورَّث؟ وهل يمكن أن تؤدى البيئة السامة إلى تكرار المشكلات نفسها عبر الأجيال؟يجب التفرقة بين المرض الوراثى والعبء الوراثى، ففى الطب النفسي، كثير من الاضطرابات لا تُورَّث بشكل مباشر، ولكن قد توجد قابلية أو استعداد أعلى لظهورها.
قد يمر شخصان بالأزمة نفسها، فيتجاوزها أحدهما بشكل طبيعى، بينما يُصاب الآخر بالاكتئاب أو الوسواس القهرى نتيجة وجود استعداد أكبر لديه.
وهنا يبرز دور البيئة، فوجود بيئة صحية ودعم نفسى ونمط حياة سليم يمكن أن يقلل من احتمالات ظهور الاضطرابات أو يخفف من حدتها.
كما ينبغى التمييز بين الاضطرابات النفسية والاضطرابات النمائية، التى قد ترتبط بعوامل وراثية مختلفة.
ننتقل إلى ملف يشغل الجميع اليوم، وهو تأثير وسائل التواصل الاجتماعى على الصحة النفسية لدى الكبار والصغار، هل أصبحت المقارنة المستمرة مع حياة الآخرين عبئا نفسيا؟أرى أن الرسالة الأهم التى يجب أن تصل إلى الناس هى أن الجميع يشارك لحظات نجاحه، بينما لا يشارك إلا القليل لحظات ضعفه أو انكساره.
ما نراه على وسائل التواصل الاجتماعى ليس الحياة الكاملة، بل لقطات منتقاة بعناية، فقد ترى شخصا مبتسما ومتألقا، دون أن تدرك ما يمر به من ضغوط أو مخاوف أو تحديات لا يشاركها مع الآخرين،وتكمن المشكلة حين نقارن حياتنا الكاملة بما نراه فى لحظات معدودة ومختارة من حياة الآخرين، فكل إنسان لديه نصيبه من الأعباء، وربما من نظنه يمتلك كل شىء ينقصه ما لا نراه، بينما لدينا نحن أشياء لا يملكها هو.
ويبدأ الهدوء النفسى عندما نتوقف عن مقارنة تفاصيل حياتنا بما يعرضه الآخرون.
لكن التأثير لا يقتصر على الكبار، فالأطفال اليوم يعيشون وسط الهواتف والألعاب الإلكترونية والمنصات الرقمية، كيف يمكن التعامل مع ذلك؟هناك ثلاث مراحل أساسية للتعامل مع هذا الأمر:المرحلة الأولى: ما قبل 12 عاما، ويُفضَّل فيها قدر الإمكان ألا يكون للطفل حضور على وسائل التواصل الاجتماعى، إذ يحتاج فى هذه المرحلة إلى تفاعل مباشر وخبرات واقعية أكثر من العالم الرقمى.
المرحلة الثانية: من 12 إلى 18 عاما، حيث لا يكون المنع الكامل عمليا، لكن تصبح المتابعة والحوار أمرا ضروريا.
المطلوب هنا ليس السيطرة، بل المرافقة والتوجيه، وتعليم الأبناء كيفية اختيار المحتوى، والتمييز بين الحقيقى والزائف، وبين النجاح الحقيقى والصورة المصنوعة.
المرحلة الثالثة: بعد 18 عاما، حيث يبدأ الفرد فى امتلاك مساحة أكبر من الاستقلال واتخاذ القرار، ويكون الرهان حينها على ما تم بناؤه خلال سنوات التربية السابقة.
نرى اليوم أطفالا أصغر سنا يقضون وقتا طويلا على الهواتف، يتابعون مقاطع الفيديو والألعاب، كيف يؤثر ذلك عليهم؟المحتوى السريع والمتتابع يؤثر فى قدرة الطفل على التركيز والانتباه، إذ يتعود العقل على الانتقال السريع بين المحفزات.
ومع كثرة التعرض للشاشات، قد ينخفض مدى الانتباه ويتأثر الأداء الدراسى والاجتماعي، لذلك تصبح فكرة التقنين ضرورية.
إذا امتلك الطفل هاتفا، هل يجب أن يكون تحت رقابة؟فى المراحل العمرية الصغيرة، نعم، ولكن الرقابة هنا تعنى المسؤولية والمتابعة، لا التجسس أو انعدام الثقة، يجب أن يدرك الطفل أن استخدامه للأجهزة له ضوابط، وأن الأهل موجودون لحمايته.
لماذا نشعر أن المراهقة أصبحت تبدأ فى سن مبكرة؟لأن الأطفال اليوم يتعرضون لكمٍّ هائل من المعلومات والخبرات فى سن مبكرة مقارنة بالأجيال السابقة، ما يجعل الأفكار تنضج أسرع، فى حين أن القدرة على ضبط النفس لا تنضج بالسرعة نفسها.
هناك من يقول إننا تربينا بالشدة وخرجنا على ما يرام، ما رأيك؟القضية ليست بين تربية قديمة أو حديثة، بل فى أن كل جيل فيه جوانب صحيحة وأخرى تحتاج إلى مراجعة.
المطلوب هو الاحتفاظ بما هو إيجابى وتجنب تكرار ما ترك أثرا سلبيا.
هل العقاب جزء من التربية؟• أن يفهم الطفل سبب العقاب.
• أن يكون العقاب تدريجيا.
• أن يكون العقاب قابلا للمراجعة والتفاوض.
• والأهم أن يخلو تماما من العنف.
إذا اختلف الأب والأم أمام الأبناء، كيف يتم التعامل مع ذلك؟الاختلاف أمر طبيعى، لكن غير المقبول هو تقليل احترام أحد الطرفين أو إلغاء قراراته أمام الأبناء، الأفضل هو عرض وجهتى النظر والتفاهم بعيدا عن تحويل الطفل إلى طرف فى الخلاف.
ما أهم عناصر نجاح الحوار بين الزوجين؟ثلاثة عناصر أساسية: الاحترام المتبادل، والتقدير المتبادل، والتعبير المستمر عن المشاعر.
لماذا أصبح البعض يُشخّص الآخرين نفسيا عبر فيديوهات مواقع التواصل؟لأن الوعى بالصحة النفسية ازداد، لكنه فى بعض الأحيان يتحول إلى مبالغة، فهناك فارق كبير بين النصيحة العامة وبين التشخيص أو العلاج، إذ إن التشخيص مسؤولية المختصين.
كيف نميز بين الكلام المفيد وما قد يقودنا إلى مسار خاطئ؟من خلال التفكير النقدى، بأن نسأل عن مصدر المعلومة، ونميز بين الرأى الشخصى والمعلومة العلمية، وألا نتخذ قرارات مصيرية بناء على فيديو أو «ترند».
ما الرسالة الأخيرة للأهالىالتربية ليست قالبا جاهزا، بل هى حضور ووعى ومراجعة مستمرة للذات.
والأطفال يحتاجون إلى حدود واضحة بقدر حاجتهم إلى الحب والرعاية والاحتواء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك