بينما كان منتخب البرازيل يتخبط خلال شوط أول مقلق في مستهل مشواره بكأس العالم 2026 أمام المغرب، الذي ظهر منظماً وجريئاً، كان كارلو أنشيلوتي يبحث بيأس عن منقذ.
وهنا ظهر فينيسيوس جونيور بلمسة مهارية رائعة أشعلت حماسة بحر من القمصان الصفراء داخل الملعب في نيويورك، ومنحت دفعة لمنتخب" السيليساو" على رغم عيوبه في سعيه نحو اقتناص النجمة السادسة.
وفي ظل خط وسط بدا بطيئاً وثقيلاً، مع تراجع الصورة التي استعاد بها كاسيميرو مكانته في مانشستر يونايتد بمجرد ارتداء القميص الأصفر الشهير، إلى جانب وجود لاعبين اثنين في مركزي الظهير كان من شأن أدائهما أن يصيب كافو وروبرتو كارلوس بالذهول، برزت الموهبة الاستثنائية لفينيسيوس جونيور لتذكر الجميع بأن قلب أنجح منتخب في تاريخ البطولة لا يزال نابضاً.
بريق فينيسيوس ينقذ" السيليساو"وأشعلت تسديدة صاروخية من الجهة اليسرى لمنطقة الجزاء استقرت في الزاوية العليا اليمنى لمرمى ياسين بونو موجة من الفرح والارتياح في آن واحد.
وكان برونو غيماريش، الذي عانى بدوره أمام ضغط لاعبي وسط المغرب، قد مرر كرة غير مثالية إلى مساحة خالية.
فاستعاد فينيسيوس جونيور توازنه، وسيطر على الكرة وانطلق، ليبعث قشعريرة في جسد نائل العيناوي.
ولم يكن بوسع الأخير إيقاف الرقصة الحتمية التي بدأها البرازيلي إلى الداخل، ثم سجل فينيسيوس هدف التعادل، لكنه في الوقت ذاته سلط الضوء على معاناة أنشيلوتي المستمرة في إيجاد التوازن.
أنشيلوتي والبحث المستمر عن اللقب السادسوتتمحور مهمة أنشيلوتي بأكملها، بصفته أول مدرب أجنبي يقود هذا المنتخب العريق، حول شعار" رومو أو هيكسا" أو السعي نحو اللقب السادس، مع وجود أوجه شبه بين حملة هذا العام والتتويج الذي تحقق في 1994.
وليس فقط لأن أميركا تستضيف البطولتين.
فبعد انتظار دام 24 عاماً بين منتخب 1970 الأسطوري والانتصار المثير للمشاعر بركلات الترجيح في باسادينا، مر الآن أيضاً 24 عاماً منذ أن قاد رونالدو منتخباً قدم للعالم فلسفة" جوغا بونيتو".
لكن تلك الفلسفة اختفت منذ زمن.
فالبرازيل لم تعد ذلك الفريق الاستعراضي الساحر الذي كان في أفضل حالاته لا يقاوم وقادراً على اكتساح منافسيه.
ولهذا تتردد أصداء 1994 مجدداً.
ففي ذلك الوقت كان المنتخب البرازيلي يعاني عيوباً واضحة أيضاً، لكنه اعتمد على الحسم القاتل لروماريو وبيبيتو، فغطى على نقاط ضعفه بما يكفي ونما تدرجاً خلال البطولة.
واليوم، وعلى امتداد 104 مباريات وبمشاركة 48 منتخباً، ستكون هناك فرصة لتكرار الأمر ذاته.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وقد يبقى نيمار جونيور الورقة غير المتوقعة في هذا المنتخب.
وكان روماريو قد قال يوماً إن البرازيل" أمة تضم 220 مليون مدرب"، وربما ستخضع هذه المسألة بالتحديد لتدقيق أكبر إذا أخفق المنتخب في تقديم المستوى المنتظر هذا الصيف.
ويعرف أنشيلوتي بعدم تمسكه بما يسميه" هوية واضحة"، وقد بدا ذلك جلياً في مواجهة بطل أفريقيا، في الأقل في الوقت الحالي، بينما تسعى السنغال إلى انتزاع هذا اللقب القاري من المغرب عبر كأس الأمم الأفريقية المقبلة.
ويمتلك أنشيلوتي وفرة من المواهب، لكنه اعترف بأنه" من دون موهبة لا يمكنك الفوز، لكن التوازن مهم جداً أيضاً"، وهو السؤال الذي لا يزال بلا إجابة حتى الآن، خصوصاً أن النهج الطموح الذي اعتمده مدرب المغرب محمد وهبي، الذي كان مدرباً سابقاً لمنتخب المغرب تحت 20 سنة، منح منافسه إنذاراً مبكراً.
تفوق مغربي وثغرات دفاعية مقلقةوأظهرت نقطة الضعف الواضحة في مركز الظهير لدى البرازيل هشاشة روجر إيبانيز، الذي تعرض للاختبار مراراً منذ البداية.
وأجبره بلال الخنوس على خوض مواجهة صعبة جعلت الجماهير تتأوه مع كل مراوغة وتحرك.
وانطلق نصير مزراوي بقوة على الرواق ونجح في تجاوز مدافع الأهلي بسهولة.
ووصلت الكرة المرتدة إلى العيناوي، لكن تسديدته افتقدت الحسم، ليحصل" السيليساو" على نجاة مبكرة.
بعدها غيّر عز الدين أوناحي زاوية اللعب على مشارف منطقة الجزاء، فيما عكست تدخلات كاسيميرو ولوكاس باكيتا المتسرعة مدى الارتباك الذي ظهر عليه المنتخب البرازيلي.
ومع ذلك ظل بريق فينيسيوس جونيور يشكل تهديداً دائماً، إذ تفوق بسرعته على أشرف حكيمي.
لكن إيغور تياغو فشل في استغلال الفرصة التي صنعها له الجناح، على رغم أنه نال فرصة اللعب أساسياً في مركز رأس الحربة مع المنتخب المتوج بكأس العالم خمس مرات.
هدف صيباري يعاقب ارتباك البرازيلوسرعان ما محا المغرب إحدى اللحظات النادرة التي هددت فيها البرازيل منافسها، بعدما كشف مجدداً هشاشة تنظيم" السيليساو".
إذ أرسل إبراهيم دياز كرة متقنة من العمق خلف الدفاع، سمحت لإسماعيل صيباري بالانطلاق متجاوزاً غابرييل ماغالهايس قبل أن يرفع الكرة بلمسة رائعة فوق حارس مرمى البرازيل أليسون بيكر.
ثم اخترق الخنوس دفاع البرازيل مجدداً، لكن حكيمي لم ينجح في استثمار الفرصة بعدما اندفع في المساحات خلال هجمة مرتدة خطرة جديدة.
وهو اتجاه قد يمنح أنشيلوتي الكثير من الليالي القلقة قبل المواجهات المقبلة أمام هايتي واسكتلندا.
وكان حكيمي قد صرح بثقة قبل البطولة بأن المغرب هو" برازيل أفريقيا"، ولم يكن من الصعب فهم ما يقصده.
فتمريرة دياز القصيرة أعادت فتح دفاعات البرازيل مرة أخرى، لكن صيباري فشل في التعامل معها بالشكل المطلوب، ليتعلم فريقه درساً قاسياً عن متطلبات هذا المستوى.
ودفع المغرب ثمن إهدار الفرص أمام السلاح الأقوى: فينيسيوس جونيور.
فبلمسة حاسمة سجل هدف التعادل الذي جاء عكس مجريات اللعب.
تعادل يترك أسئلة مفتوحة للمستقبلأما الشوط الثاني فلم يرتق إلى الوتيرة المذهلة التي شهدها الأول.
وتراجع المغرب بدنياً، ليظهر سبب بقاء البرازيل منافساً خطراً كلما تقدمت البطولة.
وقد تصبح سرعة صاحب القميص رقم" سبعة" واحدة من أخطر الأسلحة في هذه النسخة من كأس العالم، خصوصاً في ظروف مناخية كتلك التي شهدتها نيوجيرسي، حيث بلغت الحرارة 30 درجة مئوية.
وفي إحدى الهجمات المرتدة، حالت لمسة رافينيا الأخيرة دون انطلاق شراكة هجومية قد تضاهي ما صنعه روماريو وبيبيتو على أكبر مسرح كروي.
وأهدر دانيلو سانتوس فرصة في الدقائق الأخيرة، فيما أخفق أليسون في الإمساك بتسديدة مقوسة من العيناوي قبل أن يتصدى لمحاولة أيوب أميموني المرتدة في إنذار متأخر.
وكانت تلك المحاولات أول تسديدات على المرمى للمنتخب المغربي بين الدقيقتين 31 و99.
انتهت المباراة بتقاسم النقاط، لكن البحث عن التوازن سيظل العامل الذي سيحدد مصير هذا المنتخب البرازيلي، وحتى الآن يبدو أنه ما يزال بعيد المنال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك