روسيا اليوم - سياسية ألمانية: الدعاية غطت على حقيقة المختبرات البيولوجية الأمريكية في أوكرانيا قناة الغد - إعلام إسرائيلي: صافرات إنذار في الجليل الغربي وفتح الملاجئ في إيلات روسيا اليوم - مصادر لـ"معاريف": نتنياهو يرفض ضغوط ترامب للانسحاب من أراض سورية وجنوب لبنان Independent عربية - لبنان يشكو إسرائيل لمجلس الأمن بـ"جريمة بيئية" فرانس 24 - أن بي ايه: توقيف العشرات في أعمال عنف بنيويورك عقب فوز نيكس باللقب العربي الجديد - لماذا حرم فيفا نجم قطر بوعلام خوخي من الإنجاز التاريخي؟ العربي الجديد - الأردن يمنح العمالة الوافدة فرصة أخيرة لتسوية أوضاعها حتى 30 سبتمبر الجزيرة نت - عبد الله القلال.. شبح زين العابدين بن علي الذي يلازم تونس إلى اليوم قناة الجزيرة مباشر - شبكات | أسرع طائرة مدنية بالعالم.. "إكس-59" الأسرع من الصوت وكالة الأناضول - هولندا.. إحياء ذكرى مقتل أطفال وصحفيين بهجمات إسرائيلية على غزة
عامة

المأوى الأخير لصناعة الحناطير.. حكاية 100 عام من القصور الملكية إلى جولات كورنيش الإسكندرية

بوابة الأهرام
بوابة الأهرام منذ ساعتين

داخل ورشة قديمة في منطقة الفراهدة غرب الإسكندرية يتردد صوت طرق على الحديد، وفي الخلفية حفيف خشب، يحيطان بـ «صنايعي» يؤمن بأن ما يصنعه ليس مجرد عربة تجرها الخيول، بل هو قطعة من روح مصر نفسها.هناك، بي...

داخل ورشة قديمة في منطقة الفراهدة غرب الإسكندرية يتردد صوت طرق على الحديد، وفي الخلفية حفيف خشب، يحيطان بـ «صنايعي» يؤمن بأن ما يصنعه ليس مجرد عربة تجرها الخيول، بل هو قطعة من روح مصر نفسها.

هناك، بين روائح الخشب والحديد الساخن، يواصل الحاج علي جابر رحلته مع صناعة ورثها أبًا عن جد «صناعة الحناطير والعربات الملكية»، تلك الحرفة التي باتت من أندر ما تُفرزه ذاكرة الصناعة المصرية.

«الحب هو اللي خلاني أفضل» يقولها جابر ببساطة، ولكن مضمونها يخفي عمقًا كبيرًا.

لم يكن الاستمرار في هذه المهنة خيارًا سهلًا، ولم يكن أيضًا قرارًا عقلانيًا، بل كان شغفًا، وصفه الرجل بالحب، وهو ما أبقاه صامدًا بينما تساقط زملاء الحرفة واحدًا تلو أخر، حتى أصبح عدد من يمتلكون الخبرة الكاملة لتصنيع الحناطير وصيانتها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة في مصر بأكملها.

جذور تمتد إلى القصور الملكيةقصة عائلة جابر مع الحناطير ليست وليدة اليوم، فقد كان والده وجده يتوليان صيانة عربات الحنطور الخاصة بالأسرة الملكية المصرية، في زمن بلغت فيه هذه العربات مجدها، حين كانت رمزاً للفخامة ووسيلة نقل لا تليق إلا بأصحاب القصور.

في تلك المرحلة الذهبية، كانت أرقى الحناطير تُستورد من عواصم أوروبا الكبرى: باريس وفيينا ولندن وروما، كانت العربات الفرنسية والنمساوية والإنجليزية والإيطالية تتنافس على الصدارة في أسواق العالم، تجمع بين المتانة الهندسية والجماليات المشغولة بيد الفنانين.

أما اليوم، فقد تراجع تصنيع هذه العربات في أوروبا نفسها واختفت كثير من مصانعها، في حين لا تزال ورشة الفراهدة تقاوم لتُبقي هذا التراث حيًا.

من الوزراء إلى القرى السياحيةعلى مدار عقود طويلة، كانت ورشة جابر تتعامل مع وزراء وكبار الملاك وأصحاب القصور والعزب الكبرى، الذين كانوا يقتنون الحناطير كما يقتني غيرهم اللوحات النفيسة، كنوع من مظاهر الوجاهة وأيقونة للمكانة الاجتماعية.

ولكن مع تغير الزمن، اختفى «الزبون» الكلاسيكي تدريجيًا، وأصبحت القرى السياحية والمنتجعات الترفيهية الزبون الجديد، التي باتت تطلب الحناطير لا للنقل، بل لصنع الأجواء وإضافة الطابع التراثي لتجارب زوارها.

الإسكندرية.

مدينة لا تنسى عرباتهابين كل مدن مصر، للإسكندرية مكانة خاصة في قلب هذه الصناعة، فكورنيش عروس المتوسط لا يزال يشهد إقبال الزوار على ركوب الحناطير، في جولات تمنحهم فرصة مشاهدة معالم المدينة بعيون مختلفة وإيقاع مختلف، إيقاع يحمل في داخله عبق التاريخ وهدوء الحقبة الملكية.

الحنطور.

صناعة تجمع خمس حرفلكن ما الذي يجري داخل تلك الورشة القديمة حقاً؟ ما السر وراء أن الأمر يستغرق شهرين كاملين لإنجاز عربة واحدة؟الإجابة تكشف عن عالم بالغ الدقة، فصناعة الحنطور ليست مهنة واحدة بل خمس مهن في وقت واحد: النجارة والحدادة والتنجيد والكهرباء وفن التجميع الذي يستلزم خبرة لا تتوفر في الكتب.

يبدأ الأمر من اختيار الخشب، وهي مرحلة لا يستهان بها، خشب التوت وخشب السنط هما المادة الأولى، لما يتمتعان به من قوة ومتانة واستدامة أمام عوامل الاستخدام المتكرر والتقلبات الجوية؛ حيث يقام على هذا الخشب" الشاسيه" أو الهيكل الأساسي للعربة بقياسات دقيقة تضمن التوازن.

ثم تأتي مرحلة الحديد؛ محاور العجلات، وألواح التدعيم، وأجزاء الجر، يجري تركيبها وفق معادلة هندسية متوازنة تضمن أن تتحرك العربة بسلاسة ويسر.

وهنا تبرز خبرة فيزيائية مكتسبة من الممارسة لا من الحضور إلى الفصول الدراسية، فتصميم أنظمة الجر والمحاور يجري بأسلوب لا يجهد الحصان عند ثقل الحمولة، وتصميم لأنظمة التعليق بحيث يمتص المقعد اهتزازات الطريق ولا يشعر بها الراكب.

فيجري إنجاز كل هذا السحر الميكانيكي يدويًا، في صبر وتأن، دون استعجال يفسد الفن القديم.

ورغم صعوبات التنفيذ وشُح اليد العاملة المتخصصة، تجد منتجات هذه الورشة طريقها إلى ما وراء الحدود.

بعض المشترين يحصلون على عربات مصنعة محليًا ثم يعيدون تصديرها إلى دول أخرى، في شهادة صامتة على أن الجودة اليدوية الحقيقية لا تحتاج إلى تسويق مكلف، بل تتكلم عن نفسها.

مصر، التي كانت يوماً تستورد الحناطير من أوروبا، باتت اليوم واحدة من الدول القليلة التي لا تزال تصنعها وتُصدرها.

في تلك الورشة القديمة بالفراهدة؛ تصدح المطرقة كل صباح بنفس الإيقاع الذي عرفه الجد ثم الأب ثم علي جابر، لتؤكد حقيقة صغيرة «ليس كل ما يبدو قديمًا لا يستحق النسيان».

فقد تحولت عربة الحنطور من رمز للفخامة الملكية، إلى وسيلة يومية للنزهة على الكورنيش، ترسم ابتسامة طفل داخل قرية سياحية أو فرحة أسرة ذهبت إلى بحر عروس المتوسط.

وطالما بقيت في مصر ورشة تحمل الحفاظ على هذا الإرث، وحرفي يؤمن بما يصنعه فسيبقى تاريخ من الذاكرة التاريخية المصرية، يجري على عجلات خشبية في شوارع الإسكندرية، كما فعل قبل نحو قرن من الزمان.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك