عمان - وقعت القاصة ميرنا حتقوة، أول من أمس، مجموعتها القصصية" شظايا حرير"، الصادرة عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، خلال حفل نظمه منتدى البيت العربي الثقافي في المركز الثقافي الملكي.
اضافة اعلانوشهد الحفل حضور عدد من الأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي، بمشاركة الشاعر والناقد الدكتور راشد عيسى والشاعر محمد خضير، فيما أدار الفعالية الشاعر شفيق العطاونة، وقدمت فيه القاصة شهادة إبداعية تناولت تجربتها في الكتابة.
وقال الدكتور راشد عيسى" إننا نحتفي في هذا الحفل بميلاد كاتبة اختارت أن تجيب على أسئلة الحياة عبر الكلمة الأدبية"، مشيرًا إلى أن في أعماق كل إنسان قلقا يبحث عن الطمأنينة، وأن الأدب يظل أنجع الوسائل لتطهير النفس من أعباء الشقاء وغرس الأمل في فضاءات الحلم.
وأضاف عيسى أن القاصة أصدرت سابقًا كتابها الأول" حبة سكر"، الذي ضم نصوصًا أدبية مكثفة تناولت تفاصيل الحياة اليومية، وما يعتمل في النفس من مشاعر وهواجس مرتبطة بتجربة الإنسان ولحظاته المعيشة.
وأوضح أنه بعد ثلاثة أعوام من تعمّق تجربتها الإبداعية وازدياد انشغالاتها الفنية، تصدر مجموعتها القصصية الأولى" شظايا حرير"، لافتًا إلى أن القصة القصيرة تقوم على تكثيف الحدث، وبناء موقف يحمل أبعادًا نفسية أو اجتماعية أو فلسفية.
ورأى عيسى أن عنوان المجموعة يحمل دلالة لافتة من خلال الجمع بين مفردتين متقابلتين؛ فـ" الشظايا"، تحيل إلى التمزق والاحتراق والمكابدة، بينما يرمز" الحرير"، إلى الرقة والنعومة والحلم.
ومن خلال هذا التداخل الدلالي يتشكل معنى يوحي بصراع الأمل مع تحديات الواقع، وبما يخلفه ذلك من شروخ وتجارب إنسانية تتردد أصداؤها في قصص المجموعة.
وأشار عيسى إلى أن عنوان المجموعة مشبع ببلاغة الكناية، بما يتيح للقارئ مساحة واسعة للتأويل واختيار المعنى الذي ينسجم مع رؤيته وخبرته الجمالية.
فالعنوان الأدبي الناجح - بحسب رأيه - يفتح آفاقًا متعددة للمتلقي، ويكسر أفق التوقع، مولدًا حالة من الدهشة والمتعة التأملية.
وهو البوابة الأولى التي يعبر منها القارئ إلى عوالم النصوص، مستكشفًا دلالاتها وفق ذائقته وثقافته ورؤيته الخاصة.
واستشهد عيسى بالقصة الأولى في المجموعة، وعنوانها" حفل توقيع"، التي تتناول معاناة الكاتب بعد إصدار كتابه وإقامة حفل لتوقيعه، ليصطدم بضعف الحضور ويواجه شعورًا مريرًا بالإحباط وخيبة الأمل.
كما جاء في القصة" انتهى المساء وغادر بابتسامة فاترة وهو يحمل كرتونة فيها النسخ التي لم يأخذها أحد.
لكن لفت انتباهه أن بطل روايته (شوكة الوردة) يخرج من داخل الكرتونة بينما النار تندلع في جسده".
وبين عيسى أن هذا المشهد يجسد بمهارة علاقة المبدع بحلمه؛ فالحرير يرمز إلى حلم إصدار الرواية وتحقيق التقدير المنشود، فيما تمثل الشظايا خيبة الواقع ونتائجه المؤلمة.
كما تتجلى هذه الثنائية في عنوان الرواية داخل القصة، حيث ترمز الوردة إلى الحلم، بينما يحيل الشوك إلى المعاناة التي ترافقه.
وأضاف أن الكاتبة نجحت في توظيف الواقعية السحرية، إذ يبدأ السرد من مشهد واقعي مألوف قبل أن ينزاح إلى الفانتازيا بخروج بطل الرواية من الصندوق والنيران تشتعل في جسده.
ومن خلال هذا التحول، تتجلى جمالية الإيحاء والرمز، حيث يكتفي النص بالتلميح بدل التصريح، تاركًا للقارئ مهمة استكمال المعنى وتأويله.
وخلص عيسى، إلى التعبير عن ثقته بتطور التجربة الإبداعية لميرنا حتقوة، متوقعًا أن تواصل مشروعها السردي وصولًا إلى إصدار رواية في الأعوام المقبلة.
وأضاف، في إشارة رمزية إلى إحدى قصص المجموعة، أن الأيام كفيلة بالإجابة عمّا إذا كان بطلها سيخرج من الكرتونة والنار تشتعل في جسده، كما في مشهد الخيبة والانكسار، أم أنه سينظر إلى نفسه ليجد الزنابق تنبت على كتفيه، في صورة توحي بالاكتمال والازدهار وتحقيق الحلم الإبداعي.
من جانبه، قال الشاعر محمد خضير" إن مجموعة" شظايا حرير"، تتجاوز كونها مجموعة قصصية إلى وثيقة إنسانية تنبض بحساسية عالية تجاه التفاصيل اليومية والهواجس الإنسانية، حيث تتحول الشظايا فيها إلى أداة للكشف والرؤية السردية".
ورأى خضير، أن الكاتبة تنجح في بناء عوالم سردية تترك أثرًا عميقًا في الذاكرة، وتمزج بين الحلم والواقع بلغة موحية وصور آسرة.
كما أنها تمتلك قدرة لافتة على رصد الاغتراب والهشاشة الاجتماعية، كما في قصة" استغناء"، حيث يتراجع التميز المهني أمام الصراعات والواجهات الزائفة، لتبقى النهاية مفتوحة على أسئلة مؤرقة.
كما تحدث خضير عن قصة" ابتلاع"، التي تمثل ذروة البعد الفلسفي في المجموعة، من خلال شخصية مثقلة بالشقاء تسعى إلى تجاوز واقعها، قبل أن تنفتح القصة على مشهد فانتازي يجسد ضياع الحظ والكلمات وانهيار اليقين.
وأوضح خضير أن المجموعة تغوص في سراديب الشك النفسي المعتمة، متتبعةً أثر التآكل البطيء في أروقة الروح المجهدة.
ففي قصة" لست مريضًا"، يتجسد تآكل الذات بفعل أوهام تنمو في العزلة، لينتهي البطل أمام طبيبه النفسي بسؤال ساخر يمس الوجود: هل هو المريض حقًا، أم أن العالم كله يعاني علة مستعصية؟ وبذلك لا يقدم النص مناجاة فردية، بقدر ما يطرح محاكمة رمزية لواقع يختلط فيه الوهم بالحقيقة.
وفي قصة" تكرار"، يبرز انفتاح فانتازي على عوالم الماورائيات، حيث تضيق السبل بشخصية أنهكها صداع دائم، فلا تجد سوى موعدا غامضا مع" مستشار من الشياطين"، في محاولة يائسة للتخلص من لعنة الفقد والنسيان، وسط خسارات متكررة لا تترك سوى أثرا غامضا، يتمثل في نقود مجهولة المصدر داخل المحفظة.
وتختتم الكاتبة عوالمها بومضات سردية مكثفة، تشق العتمة وتضيء الوجع الإنساني.
ففي قصة" هيشي"، يمتزج دخان التبغ برائحة القهوة في مشهد يشي بحزن هادئ يرافق رحيل امرأة غادرت بصمت، بدا فيه الموت أقل قسوة وأكثر رفقًا.
أما قصة" نظرة لا تنتهي"، فتقدم درسًا في العطاء المتجرد من الأنانية، إذ تتجاوز البائعة ضيق الحال والرفض لتصنع من لعبة قماشية بسيطة لحظة إنسانية عميقة، تترك أثرًا ممتدًا في الذاكرة كنظرة لا تنتهي.
وخلص خضير، إلى أن أسلوب القاصة يقوم على السهل الممتنع ولغة مكثفة ذات طابع شعري سينمائي، تمنح النصوص حيوية بصرية تجعلها أقرب إلى مشاهد مشبعة بالظل والنور.
كما تتجلى براعتها في النهايات المفتوحة أو الصادمة، حيث تنطلق القصة من تفصيل يومي بسيط، لتصل إلى مفارقة تأملية تعيد تشكيل وعي القارئ.
من جانبها، قالت القاصة ميرنا حتقوة" إن إصدار كتاب يمثل جرأة كبيرة ومسؤولية أكبر، مؤكدة أن مجموعة" شظايا حرير"، التي تتصدر غلافها الأحمر ويُحتفى بها اليوم، تتمحور حول الوجع الإنساني المتشظي".
وأوضحت حتقوة أن تفريغ المشاعر على الورق وتقديمها للقارئ يضع الكاتب تحت" مشرحة"، النقد والقراءة، ما يستدعي تقبل النقد البناء والاستفادة منه في تطوير التجربة الإبداعية.
ورأت حتقوة أن الكاتب لا ينفصل عن نصوصه، إذ يكتب ما يمر به من مشاعر وأحاسيس وتجارب حياتية، ويعيد صياغة ما تلتقطه عيناه في شكل سردي.
مبينة أن" شظايا حرير"، تضم قصصًا اجتماعية واقعية تعالج الوجع الإنساني في لحظات مفصلية، نعجز فيها عن المرور من دون أن ندفع ثمن التجربة.
وختمت بالإشارة، إلى أن هذه التجربة علمتها كيف يمكن اختزال الكتاب في كلمة، والبستان في زهرة، والعمر في بسمة، مؤكدة أن هذه اللحظة هي التي جمعتها بالحضور لتضع بين أيديهم مجموعتها القصصية" شظايا حرير".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك