استضافت حلقة برنامج" المقابلة" مع الزميل علي الظفيري، الجراح والبروفيسور البريطاني نيك ماينارد، مستشار جراحة الجهاز الهضمي والأورام في مستشفيات جامعة أكسفورد، حيث قدم شهادة عينية حول تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتفكيك البنية التحتية للمنظومة الصحية في إطار ما وصفه الضيف بنية الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
ويرى ماينارد، الذي بدأت علاقته المهنية والإنسانية بفلسطين منذ عام 2006، أن غزة تحولت بفعل سنوات الحصار إلى سجن كبير يضم سكانها كافة، مؤكدا أن الغارات الجوية والقصف المستمر أصبح يمثل تفصيلا من تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين هناك، حتى قبل أحداث السابع من أكتوبر 2023.
وأوضح ضيف" المقابلة" أن الاستهداف الذي طال المستشفيات في قطاع غزة، مثل مستشفى شهداء الأقصى ومجمع ناصر الطبي، لم يكن مجرد أضرار جانبية ناتجة عن العمليات العسكرية، بل يعكس خطة لتدمير مقومات الحياة الأساسية.
واستذكر البروفيسور حادثة استهداف صاروخي مباشر لوحدة العناية المركزة في مستشفى الأقصى في الخامس من يناير عام 2024، في أثناء وجوده داخل غرفة العمليات لمعالجة أحد المصابين.
كما كشف الجراح البريطاني عن تفاصيل تتعلق بفشل آلية" تجنب الاستهداف" الدولية؛ حيث جرى قصف المنزل الذي كان يقيم فيه مع زملائه من الأطباء البريطانيين بواسطة سلاح الجو الإسرائيلي مباشرة، وذلك بعد مغادرتهم له بوقت قريب، مما أسفر عن إصابة عناصر من الفريق الطبي البديل الذي تسلم الموقع.
وفيما يتعلق بتوثيق الإصابات، قدم ماينارد شهادة طبية حول طبيعة الجروح التي عاينها في مجمع ناصر الطبي؛ حيث أشار إلى استقبال 19 فتى مراهقا في يوم واحد مصابين برصاص في الرأس والرقبة، وفي أيام أخرى كانت الإصابات تتركز في الصدر أو البطن.
وأضاف ماينارد أن الفريق الطبي رصد قنص أربعة فتيان مراهقين في منطقة الخصيتين مباشرة دون وجود أي إصابات أخرى في أجسادهم.
هذه الأنماط دفعت البروفيسور بالتعاون مع زملائه إلى إعداد ورقة علمية قُدمت إلى المجلة الطبية البريطانية لتوثيق استخدام أسلحة محدثة لإحداث أكبر قدر من التدمير في الأنسجة البشرية ضد تجمعات مدنية، وهي إصابات لا تُسجل عادة إلا في ساحات القتال العسكرية بين الجيوش، ولم تكن مجرد صدفة.
حصار التجويع واغتيال الكوادر الطبيةوتحدث البروفيسور عن حالات وفاة كان يمكن تفاديها لو توفرت مقومات الرعاية العادية، مستعرضا قصة الطفلة" حبيبة" البالغة من العمر 11 عاما، والتي وصفها بأنها أكثر حالة سببت له ألما ومعاناة طوال 40 عاما من ممارسة الطب، والتي نجح في إجراء جراحة معقدة لها لإصلاح المريء، لكنها فارقت الحياة بعد 4 أسابيع نتيجة انعدام المكملات الغذائية والتغذية العلاجية الضرورية للاستشفاء بعد العملية بسبب الحصار.
وكشف أيضا عن قيام جنود الاحتلال عند المعابر بمصادرة عبوات حليب الأطفال التي جلبها أطباء أميركيون متطوعون ومنعوا دخولها للقطاع.
وفي سياق استهداف الكوادر، أشار ماينارد إلى تصفية جراح التجميل أحمد مقادمة الذي عثر عليه مقتولا مكبل اليدين، واغتيال رئيس قسم العظام البروفيسور عدنان البرش داخل سجون الاحتلال، مؤكدا أن مرصد العاملين في الرعاية الصحية وثق شهادات لأطباء تعرضوا للاحتجاز والتعذيب، مستعرضا تقارير عن استخدام الكلاب البوليسية المزودة بكاميرات وأسلحة يتم التحكم بها عن بعد داخل مراكز الاعتقال.
وعبّر الجرّاح البريطاني عن شعوره بغضب عميق إزاء موقف حكومة بلاده وحكومات أخرى، لكونها تستمر في تقديم الدعم لإسرائيل وتفشل في إيقاف هذه الحرب.
وانتقد السياسة التحريرية لبعض وسائل الإعلام الغربية، مثل شبكة بي بي سي، ووصف تغطيتها بـ" التوازن الزائف" الذي يمنح مساحات متساوية للرواية الإسرائيلية المتصلة بوجود حركات مسلحة داخل المشافي.
وهو ما نفاه قطعا من واقع تجربته وحريته في التنقل داخل أقسام مستشفيات الشفاء، والأقصى، وناصر، والأوروبي.
وفيما يتعلق بالضغوط الفكرية والإعلامية في الغرب، فكك الجراح البريطاني كيفية توظيف مفهوم" معاداة السامية" في بيئة العمل التحريري؛ حيث أوضح أن الجريمة الحقيقية لمعاداة السامية جرى استخدامها بمثابة سلاح في وجه النقد المشروع الموجه لأفعال الجيش والحكومة في إسرائيل.
وأضاف ماينارد أن ثمة خلطا متعمدا يجري ممارسته بين التضامن الإنساني المبرر مع سكان غزة وبين تأييد حركة حماس أو معاداة السامية، مما خلق حالة من الخوف والتردد بين الكثير من الصحفيين والكتاب ومنعهم من التعبير عن مواقفهم على نحو علني خشية الاتهام بمعاداة السامية.
وفي سياق المساءلة القانونية، أشار البروفيسور نيك ماينارد إلى زيارته مقر المحكمة الجنائية الدولية في ثلاث مناسبات مختلفة بغرض تقديم الإفادات والأدلة الطبية للمحققين.
حيث أكد ماينارد أن أروقة المحكمة تحوز في الوقت الحالي كمية هائلة من الأدلة والوثائق الموثقة التي تثبت وقوع الانتهاكات، كما أوضح أن هذه الإثباتات في حالة ظهور وتراكم مستمر، مما يمهد الطريق لمحاسبة المسؤولين عن تلك الأفعال قانونيا.
وفي ختام المقابلة، وحين طلب الزميل علي الظفيري من ضيفه تقديم قراءة تلخص حصاد هذه التجربة الإنسانية الممتدة وثقل مشاهداتها، اختصر البروفيسور نيك ماينارد رؤيته في نقطتين رئيسيتين تعكسان التناقض الصارخ في المشهد.
وأفاد ماينارد بأنه شهد في الشطر الأول أسوأ نماذج السلوك البشري عبر أفعال اتسمت بالشر المطلق ولم يكن يتخيل إمكان حدوثها في عالم متحضر، مع التأكيد على أن هذه الذكريات السوداء سترافقه على الدوام.
وفي المقابل، أوضح الجراح البريطاني أنه عاين في الشطر الثاني أروع صور الإنسانية من خلال صمود الكوادر الطبية وأهالي غزة، حيث وصفهم بالأبطال الحقيقيين ومصدر الإلهام اليومي له نظراً لاستمرارهم في أداء واجبهم الإنساني والمهني تحت القصف وفي ظل الجوع الممنهج، مؤكداً أن فرصة تقديم العون لهم كانت بمثابة الامتياز الأعظم في حياته برمتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك