لا يقدم المسلسل الكوري" الحمقى الخارقون" (The Wonderfools) نفسه بوصفه مسلسلا جديدا عن الأبطال الخارقين بقدر ما يتعامل مع الفكرة كلها باعتبارها نكتة كبيرة وقعت بالخطأ في مدينة صغيرة على أعتاب عام 2000.
ومنذ حلقاته الأولى يضع المشاهد أمام مجموعة من الأشخاص الذين تبدو همومهم اليومية أكثر إلحاحا من أي قدرات استثنائية قد يحصلون عليها لاحقا، ومن هذه المفارقة البسيطة يبدأ العمل في بناء عالمه.
المفاجأة أن العمل لا يحاول أن يكون ملحميا أو متكلفا، بل يكتفي بأن يكون ممتعا ومليئا بالشخصيات التي تشبه الناس العاديين.
لذلك يبدو اختيارا مثاليا لمن يبحث عن عمل خفيف الظل لا يتخلى عن حسه الإنساني، ولا يثقل مُشاهِده بالرهانات الكونية المعتادة في هذا النوع من الأعمال.
ما يمنح المسلسل خصوصيته أن حسه الكوميدي لا يعتمد على النكات المباشرة بقدر ما ينبع من شخصيات مكتوبة بعناية، ومن مواقف عبثية تنشأ حين تقع قوى غير عادية بين أيد غير مؤهلة تماما للتعامل معها.
أما السخرية من فكرة البطل الخارق فليست جديدة في السينما والتلفزيون، لكن العمل يقدمها بروح كورية خاصة تمزج بين الكوميديا الجسدية والمفارقات الوجدانية، بحيث تضحك على الشخصية وتتعاطف معها في اللحظة نفسها.
تدور الحكاية في مدينة هايسونغ الكورية أواخر عام 1999، في وقت كان فيه الهلع العالمي من دخول الألفية الجديدة يسيطر على خيال الناس.
هناك تعيش" تشاي ني" (بارك أون بين)، التي تواجه ظروفا صحية قاسية إذ تعاني من قصور قلبي خِلْقي يجعل الموت شريكها اليومي، وتعيش مع جدتها التي تمثل عالمها كله.
وبينما تبدو حياتها محكومة بسقف منخفض من الأحلام، تقودها سلسلة من الأحداث الغريبة إلى اكتشاف قوة خارقة لم تكن تتوقعها.
ومع ظهور أشخاص آخرين يمتلكون قدرات غير مألوفة، تتشكل مجموعة غير متجانسة من الجيران والأصدقاء والعابرين، لا أحد منهم يشبه أبطال القصص المصورة التقليديين أو يملك الثقة أو الحكمة للتعامل مع ما يحدث.
وبينما تتسع دائرة الغموض، يجد الجميع أنفسهم في مواجهة تهديد أكبر من قدرتهم على الفهم، قبل أن يصبح مصير المدينة مرتبطا بأشخاص كانوا حتى وقت قريب مجرد أفراد على الهامش يحاولون النجاة من حياتهم التقليدية.
نهاية تفتح بابا، فهل تفتح موسما ثانيا؟اختار المسلسل إنهاء موسمه الأول بنهاية مفتوحة تترك أسئلة حول مصدر القوى الخارقة وبعض الشخصيات، كما تضمن مشهدا أخيرا يعكس إمكانية التوسع.
ومع أنها جاءت ذكية ومدروسة، فإن الجمهور انقسم حولها بين من وجدها تتناسب مع عمل قائم على الغموض والعشوائية، وبين آخرين أرادوا الحسم، رافضين الانقياد خلف الدراما الأمريكية التي تميل إلى ترك النهايات معلقة أملا في مواسم لاحقة.
ومن جهته، صرح المخرج يو إن-سيك بأن النهاية المفتوحة جاءت للإشارة إلى عالم أكبر قد يمكن العودة إليه مستقبلا، لكن قرار إنتاج موسم جديد يبقى بيد نتفليكس وحدها.
حقق مسلسل" الحمقى الخارقون" حضورا جماهيريا لافتا رغم أنه حظي ببداية أبطأ مما توقعه المروجون؛ إذ تصدر قائمة أفضل عشرة أعمال على نتفليكس في 64 دولة في الأسبوع الثاني من عرضه، فضلا عن حضور قوي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ورغم مرور ما يقارب الشهر على طرحه، فإنه لا يزال حاضرا في القائمة، كما حصل على تقييم 100% على موقع" الطماطم الفاسدة" من النقاد و96% من الجمهور.
ويمكن إرجاع هذا النجاح إلى قدرته على بناء شخصيات قابلة للتعاطف دون التضحية بمشاهد الحركة، وإلى مزجه بين النوستالجيا والفوضى، إضافة إلى توازنه بين الكوميديا والعاطفة بطريقة نادرة في الدراما التلفزيونية المعاصرة.
في عالم الأبطال الخارقين.
أين يقف الحمقى؟خلال السنوات الأخيرة ظهرت عدة مسلسلات كورية تعاملت مع الأبطال الخارقين بطرق مختلفة، أبرزها" انتقال" (Moving)، و" البائع الخارق" (The Uncanny Counter)، و" المرأة القوية دو بونغ سون" (Strong Girl Bong-soon).
وإذا كان مسلسل" انتقال" قدّم الأبطال الخارقين داخل إطار درامي جاد يميل إلى التراجيديا والعمل الاستخباراتي، فإن" الحمقى الخارقون" يتحرك في الاتجاه المعاكس تقريبا، حيث لا توجد هالة أسطورية حول الشخصيات، بل قدر كبير من الارتباك والسخرية.
كما يختلف عن" البائع الخارق" الذي اعتمد على معارك واضحة بين الخير والشر، بينما يفضل هو التركيز على رحلة الأبطال أكثر من التركيز على الخصوم.
لكن بالنظر إلى الدراما الأمريكية مثل (The Boys) أو (WandaVision)، سنجد المسلسل يتفوق في بناء العلاقات ونبرته الإنسانية، وإن كان أقل طموحا على مستوى العالم الخيالي والتوسع الأسطوري.
ورغم ذلك، تمتع العمل بمؤثرات بصرية جيدة بما ينسجم مع طبيعته الكوميدية التي لا تشترط الكمال التقني بقدر ما تعتمد على الإيقاع والطاقة والتوقيت.
إذا كان هناك اسم واحد يحمل العبء الأكبر للمسلسل فهو بارك أون بين، إذ كانت الشخصية التي قدمتها مهددة بسهولة بأن تتحول إلى نموذج مزعج بسبب اندفاعها وتخبّطها، لكنها قدمتها بخفة احترافية جمعت بين الكوميديا الجسدية وهشاشة امرأة تتحدى الموت بمرح، ما جعل المشاهد يتعاطف معها حتى في أكثر لحظاتها تهورا، مما يضع هذا الدور ضمن أبرز أعمالها الكوميدية.
كذلك قدّم تشا أون وو أحد أكثر أدواره تماسكا، مستفيدا من مساحة أهدأ سمحت له بإظهار طبقات أكثر عمقا في الأداء، خصوصا عبر تعبيرات الوجه والصمت، وهو ما أعاد تقييم حضوره التمثيلي لدى كثير من المشاهدين.
أما المفاجأة الممتعة فجاءت من الثنائي تشوي داي-هون وليم سونغ-جاي، حيث قدما كوميديا جسدية ذكية دون مبالغة، وكان وجودهما ضروريا للحفاظ على الإيقاع الطريف للعمل.
في المقابل، لم تحصل بعض الشخصيات الثانوية المرتبطة بالمنظمة الغامضة على عمق كاف، ما جعل أداء بعض الممثلين أقل تأثيرا مما تسمح به إمكاناتهم.
موسيقى خفيفة في عالم مضطربوكما اعتدنا من المخرج يو إن-سيك، ها هو يستكمل تجربته في الموازنة بين الطبقات الدرامية والشخصية، لكن هذه المرة داخل إطار أكثر خفة، حيث تدور الأحداث في سياق كوميدي، بينما تظل الخلفيات النفسية مثقلة بالوحدة والخسارة.
وقد نجح في إدارة عدد كبير من الشخصيات دون أن يفقد المسلسل مركزه العاطفي، مستفيدا من أجواء نهاية التسعينيات وألوانها الدافئة لخلق عالم بصري مشبع بالحنين، وهو ما عززه التصوير حيث بدت المدينة نفسها كأنها شخصية إضافية داخل العمل.
أما الموسيقى التصويرية، فهي من أكثر عناصر المسلسل تميزا، رغم أنها الأقل حديثا عنها نقديا.
فقد اختارت أن تسير عكس مزاج الحكاية، إذ تأتي مرحة رغم أجواء نهاية العالم الكئيبة.
متأثرة بأصوات التسعينيات وإيقاعات البوب الكوري الكلاسيكي، لتخلق مفارقة مستمرة ومحببة بين الصورة والصوت، تجعل العمل أقل جدية وأكثر إنسانية في آن واحد.
أنت لست بحاجة أن تصبح بطلا" الحمقى الخارقون" مسلسل من 8 حلقات، وهو من أكثر الأعمال الكورية صدقا في محبة شخصياته، ومن أكثرها جرأة على اختيار الفرح مسارا حين كان يمكن أن يختار الثقل.
لكنه رغم طابعه الترفيهي، لا يبدو مناسبا لمن هم دون الخامسة عشرة بسبب بعض المشاهد المرتبطة بالجانب المظلم من الحكاية.
وبعيدا عن قصص الأبطال الخارقين، يؤكد العمل أن النجاح لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، بل قد يكمن السحر في أشخاص مرتبكين يحاولون فهم ما يحدث حولهم.
في النهاية، لا يتذكر المُشاهد القوى الخارقة بقدر ما يتذكر الأشخاص الذين حملوها، وعلاقاتهم الصغيرة التي تشبه الحياة نفسها.
وبين كل هذه الفوضى، ينجح العمل في قول فكرته بهدوء: البشر لا يحتاجون إلى الكمال كي يصبحوا أبطالا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك