لا تستطيع أي قوة على وجه الكون، مهما اختلفت أو اتفقت مع السياسة الأمريكية، أن تتجاهل الولايات المتحدة كأقوى دولة في العالم.
ولكن هذه أمريكا غريبة في سياستها، عجيبة في توجهها ونظرتها إلى العالم.
نحن هنا لا زلنا في شهر حزيران (يونيو) الحزين كربلاء، غربان الهزيمة وتعزيز ثقافتها.
رغم كل الإنجازات والتحولات الكبرى التي أعقبتها من إعادة بناء الجيش المصري من جديد، ووضع قيادات جديدة أثبتت قدرتها اللامحدودة على العطاء والفداء، حتى إن رئيس هيئة الأركان الفريق الشهيد البطل عبد المنعم رياض استُشهد وسط جنوده وهو يقاتل معهم، وليس في الخنادق الخلفية للقتال، وخوض حرب الثلاثة أعوام.
ورغم مأساة النكسة، فإن نسبة النمو ارتفعت إلى 8%، وهذا ما اعترفت به الأمم المتحدة من خلال منظمة اليونسكو التابعة لها في تقريرها عام 1976م، أي بعد رحيل جمال عبد الناصر بستة أعوام.
…وإنصافًا للجميع، فإن ما حدث في حزيران (يونيو) كان فوق قدرة الجميع، تلك المعركة التي وصفها الزعيم الفرنسي الأشهر شارل ديغول بأنها معركة أمريكية بحتة بأيدي صهيونية (هو قال إسرائيلية)، وكان لأمريكا العامل الأساسي في الميدان بما تملكه من تكنولوجيا متطورة سخّرتها لخدمة العدوان الصهيوني الأليم.
نتذكر كل ذلك ونحن نرى عودة الوعي والأمل في الانتصارات التي حققتها جمهورية إيران الإسلامية، التي تُعد جزءًا أساسيًا من المنطقة ودولة جوار تاريخية.
وللأسف يسعى دعاة الفتن الطائفية البغيضة من عملاء الصهاينة إلى جعل الخلاف الطبيعي معها حالة عداء وجودي، بل ورأينا الدهماء ينساقون وراء دعاة الطائفية ويجعلون إيران، وليس الكيان الصهيوني، عدوهم الأول.
وإيران اليوم، وهي على أبواب اتفاق مع الولايات المتحدة بعد فشل الأخيرة في كل خياراتها، ها هي تعود إلى طاولة الحوار بعد أن جرّبت كل وسائل التهديد والحرب العسكرية والنفسية.
لكن ما هو محيّر أن الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة الأكبر والأقوى عسكريًا واقتصاديًا وجغرافيًا، أي إنها قارة غنية بكل الموارد، لا تحتاج للعالم بقدر ما يحتاج إليها العالم.
هذه أمريكا التي كانت حتى وقت قريب الحلم والأمل والعنوان للحداثة والحياة المدنية وحقوق الإنسان، فوجئنا بها تتحول، وتحديدًا في عهد هذا الرئيس، إلى دولة عصابات من الأشرار أسسوا شركة للبلطجة والإجرام والسطو المسلح خارج كل الأنظمة والقوانين التي طالما نظرت بها هذه أمريكا.
ويتساءل الكثيرون: هل هذه أمريكا الأمس التي كانت، برأي الكثيرين، جنة الله على أرضه، بلد قانون ومؤسسات ودستور يُصنّف بأنه الأكثر رقيًا في العالم؟واليوم، عندما يقف رئيسها الأحمق دونالد ترامب ليقول إنه استولى، أي سرق، نفط بلد مستقل بعد خطف رئيسه المنتخب وزوجته ومحاكمتهم داخل الولايات المتحدة، بأي قانون وبأي نظام؟ إلا نظام عصابات المافيا التي تعتبر أمريكا زعيمتها اليوم.
ونفس التهديدات أطلقها هذا المعتوه على جمهورية إيران الإسلامية، ومحاولة أخذ ما فشل بالحرب أن يأخذه بالتفاوض، والتي يتحكم بها مزاجه المتقلب وتأثير شريكه مجرم الحرب نتنياهو.
فمن ذا الذي عاد يصدق أمريكا بعد هذا السقوط المزري لهيبتها كدولة عظمى، عندما يتصرف رئيسها وكأنه زعيم أكبر عصابات المافيا الإجرامية، أو أن ترامب هو الوجه الحقيقي للولايات المتحدة التي أقامت كيانها على حساب شعب آخر اسمه الهنود الحمر.
وحتى الاستعمار القديم، بأبشع صوره، كان يرفع عناوين براقة لأجل إعطاء عدوانه مبررًا أخلاقيًا، مثل نشر التحضر وإعطاء معنى آخر للاستعمار بأنه إعمار، وأخيرًا إعطائه طابعًا دينيًا كالحروب الصليبية، وهي لا علاقة لها بالصليب والمسيحية، ولكنها مبررات وعناوين.
أما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي يتحدث بلغة العصابات: “سوف أستولي على النفط والغاز والثروات… إلخ”، فأي منطق هذا من رئيس أعظم دولة في العالم؟أمريكا الصهيونية اليوم كشفت كل أوراقها وسقط القناع عن وجهها الحقيقي، الأكثر بشاعة من النازية والفاشية، وهي اليوم على المحك، فقد وصلت إلى أعلى درجات الإمبريالية، ولم يبقَ أمامها إلا النزول من أعلى الشجرة، والولايات بداخلها أصبحت تعادي بعضها، ناهيك عن العنصرية البغيضة وبوادر الانقسام والتفكك الواضحة، ما لم يتم وضع حد لهذا الجنون الأمريكي الذي وصل مع ترامب إلى أقصى درجاته.
ولأول مرة تصبح أمريكا دولة منبوذة من أصدقائها وأعدائها على السواء، وحتى من عمالائها الذين تمردوا عليها.
باختصار، أمريكا على مفترق طرق، وتذكروا ذلك جيدًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك