في الوقت الذي يرحب فيه المستهلك المصري بانخفاض أسعار البيض والدواجن، بعد سنوات من الارتفاعات المتتالية لأسعار اللحوم البيضاء، يواجه مستثمرو المزارع أزمة صامتة تهدد واحدة من أكبر الصناعات الغذائية في البلاد.
وأكد منتجو دواجن وبيض مائدة في مصر لـ" العربي الجديد" أن الصناعة تواجه انهياراً واسع النطاق، مدفوعاً بفائض الإنتاج الكبير.
وأشار منتجون إلى انتشار فيروس يُعرف باسم" آي بي" (IB)، الذي يصيب مزارع الدواجن، إلا أن شعبة الدواجن نفت أن يكون الفيروس سبباً في أزمة صناعة الدوجن.
من جانبه، أكد مؤسس مجموعة مزارع متوسطة الحجم بمحافظة الدقهلية شمال دلتا النيل، ناصر بدوي، صحة ما ذكره عدة مستثمرين، موضحاً أن الفيروس يجتاح المزارع منذ عدة أسابيع دون قدرة الأجهزة الرسمية أو شركات المكافحة الخاصة على الحد من تأثيره؛ بسبب نقص الأدوية الفعالة، وصعوبة الحصول على بدائل سريعة من الأسواق الدولية، فضلاً عن عدم موافقة وزارة الزراعة على تدبير العملة الصعبة لشراء اللقاحات المتطورة، مكتفية ببدائل محلية غير مواكبة لتحورات الفيروس الذي يصيب الدواجن بالشلل ويمنعها من تناول الماء والأعلاف.
هذا الوضع دفع منتجين إلى التخلص مما لديهم من دواجن صالحة للذبح قبل موعد انتهاء دورتها الإنتاجية، وضخ كميات هائلة منها في الأسواق، ما أسهم في خفض الأسعار إلى مستويات باتت تلتهم 40% من قيمة تكلفة الإنتاج.
في المقابل، نفى رئيس شعبة الدواجن سامح السيد في حديثه لـ" العربي الجديد" أي علاقة لفيروس" آي بي" بأزمة صناعة الدواجن، مؤكداً أن الفيروس موجود في مصر والمنطقة منذ سنوات، ويجري تحصين الدواجن ضده بأدوية متوفرة بسهولة في السوق المحلية، لديها القدرة على محوه، ولدى المنتجين خبرات واسعة في التعامل معه بما يحافظ على سلامة المنتج، ويحول دون انتشاره بين المزارع.
أضاف السيد في تصريحه الخاص أن أزمة صناعة الدواجن في مصر تتعلق حالياً بانهيار الأسعار في الوقت الذي تعاني فيه الصناعة من ارتفاع التكاليف.
مطالب بإنقاذ صناعة دواجن مصرحمّل منتجون الحكومة مسؤولية إنقاذ قطاع يتعرض لانهيار سريع، تراوح استثماراته بين 100 و200 مليار جنيه، ويضم أكثر من 38 ألف منشأة داجنة، ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لما يتجاوز 3.
5 ملايين مواطن.
ورغم أن القطاع يحقق لمصر نسب اكتفاء ذاتي تقترب من 97% في الدواجن ويتجاوز الاحتياجات المحلية من البيض، فإنه يواجه اليوم معضلة خطيرة تتمثل بانهيار الأسعار إلى ما دون تكلفة الإنتاج، وفائض غير مسبوق، وانتشار أمراض ترفع معدلات النفوق وتزيد تكلفة العلاج، في وقت تتراجع فيه قدرة السوق الاستيعابية.
وبينما يبدو المشهد للمستهلك وكأنه انتصار، إثر هبوط أسعار كيلو الدواجن في المزارع إلى ما دون 60 جنيهاً نزولاً من 120 جنيهاً، وتراجع سعر طبق بيض المائدة إلى أقل من 80 جنيهاً بدلاً من 200 جنيه العام الماضي (الدولار = نحو 52 جنيهاً)، يحذر منتجون وخبراء من أن استمرار هذه الخسائر قد يقود إلى نتيجة عكسية تماماً؛ حيث قد يضطر آلاف المربين إلى الخروج من السوق، ما يؤدي إلى انخفاض حاد في الإنتاج خلال الأشهر المقبلة، ومن ثم عودة الأسعار إلى الارتفاع بصورة أكثر حدة.
من رمز للتضخم إلى وفرة خانقةقبل أقل من عام، كان البيض والدواجن اللذان تضاعفت أسعارهما خلال عامي 2023 و2024، من أبرز رموز التضخم الغذائي في مصر الذي فاق 34% على أساس سنوي؛ إذ كانت أسعار كرتونة البيض تلامس مستويات تاريخية فاقت 200 جنيه، ما دفع الحكومة إلى التدخل مراراً لزيادة المعروض عبر الاستيراد من تركيا والخارج لضبط الأسواق.
اليوم انقلبت الصورة بالكامل؛ فحسب أحمد نبيل، رئيس شعبة بيض المائدة في الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، ارتفع إنتاج مصر إلى نحو 16 مليار بيضة سنوياً، فيما يراوح الاستهلاك المحلي بين 10 و11 مليار بيضة فقط، ما يعني وجود فائض يقترب من 5 إلى 6 مليارات بيضة سنوياً.
وتزامن هذا الفائض مع انتهاء العام الدراسي وارتفاع درجات الحرارة، وهي عوامل تدفع المستهلكين عادة إلى تخفيض مشترياتهم من البيض ومنتجاته.
وانعكس هذا الفائض مباشرة على الأسعار لتتراجع في كثير من المناطق بنسبة تقل بنحو 40% عن التكلفة الفعلية للإنتاج.
ولم يكن البيض وحده المتضرر، إذ شهدت الدواجن الحية تراجعاً مماثلاً.
فوفقاً لتصريحات رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية بالجيزة، سامح السيد، هبط سعر الكيلو الحي داخل المزرعة إلى نحو 58 جنيهاً، بينما تراوح تكلفة إنتاجه بين 70 و75 جنيهاً، ما يعني أن المنتج يتكبد خسارة في كل كيلو يبيعه.
ووصف السيد ما يحدث بأنه أحد أعنف موجات الهبوط التي يشهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى خروج عدد كبير من صغار المربين ومتوسطيهم الذين يمثلون الركيزة الأساسية لإنتاج الدواجن المحلية وتوفيرها بمنافذ التوزيع بالمحافظات، لتقتصر السوق على الشركات الكبرى الداعمة لسلاسل المحلات التجارية والشركات الحكومية والخاصة.
اختلال التوازن وضغوط التكلفةيرى أستاذ الموارد المائية والأراضي في جامعة القاهرة، نادر نور الدين، أن ما يحدث حالياً نتيجة مباشرة لاختلال التوازن بين العرض والطلب.
وأوضح الخبير الزراعي أن الارتفاعات القياسية التي شهدتها أسعار البيض والدواجن خلال العامين الماضيين دفعت أعداداً كبيرة من المستثمرين والمربين إلى التوسع في الإنتاج، ولا سيما بعد نجاح الدولة في الإفراج عن شحنات الذرة والصويا وتحسن توافر الأعلاف.
ومع زيادة الإنتاج المتسارعة، واجهت السوق تخمة في المعروض، وساهم موسم عيد الأضحى في تراجع الطلب نتيجة وفرة اللحوم الحمراء، يضاف إلى ذلك ضعف القوة الشرائية لدى قطاعات واسعة من المواطنين، ما حدّ من قدرة السوق على استيعاب الكميات المنتجة، ليتجه المنتجون في النهاية إلى البيع بأقل من التكلفة.
في المقابل، يؤكد أحد منتجي الدواجن بمنطقة النوبارية، محمد الحسيني، لـ" العربي الجديد" أن الارتفاع الحاد في تكلفة شراء كتكوت التربية، ليصل إلى 40 جنيهاً، بالتوازي مع زيادة أسعار الأعلاف، والسولار، والكهرباء، والعمالة، فضلاً عن فرض الأجهزة المحلية إتاوات مالية على المربين دون مراعاة لخسائرهم، يقف وراء هذا الانهيار المتسارع.
ودفع هذا الوضع العديد من المزارع إلى تقليص الإنتاج أو تأجيل دورات التربية الجديدة، وهي ظاهرة يعتبرها الخبراء مؤشراً شديد الخطورة في صناعة تعتمد على دورات إنتاج قصيرة؛ حيث ينعكس أي تراجع في أعداد المربين سريعاً على حجم المعروض مستقبلاً.
وأضاف الحسيني أنه في الظروف الطبيعية يستطيع المنتج تحمل فترات محدودة من انخفاض الأسعار، لكن الأزمة الحالية تأتي في وقت تواجه فيه المزارع تحديات صحية متزايدة وارتفاعاً كبيراً في تكاليف التحصينات والأدوية البيطرية.
تحركات برلمانية وحلول حكومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك