في الشرق الأوسط لا تكفي قراءة نصوص الاتفاقات لمعرفة من انتصر ومن خسر.
فالسياسة في هذه المنطقة تُكتب غالبا بين السطور، بينما تُترك العناوين الكبرى للاستهلاك الإعلامي والدعاية الداخلية.
ومن هنا تبدو مسودة مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية، التي تسربت بعض بنودها إلى وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية، مثالا نموذجيا على اتفاق يحاول كل طرف أن يقدمه لجمهوره باعتباره انتصارا تاريخيا، في حين أن القراءة الهادئة تشير إلى حقيقة مختلفة تماما: لا يوجد منتصر كامل ولا مهزوم كامل، بل هناك طرفان توصلا إلى قناعة مشتركة بأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من كلفة التسوية.
منذ اندلاع المواجهة الأمريكية – الإيرانية، راهنت إدارة الرئيس دونالد ترامب على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية المتراكمة، ستدفع طهران إلى قبول شروط قاسية، تتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي.
لكن ما تسرب من بنود المذكرة المقترحة، يوحي بأن المفاوضات انتهت إلى مساحة وسط بين مطالب الطرفين، وليس إلى استسلام إيراني، كما كان يروج بعض الصقور في واشنطن.
الرواية الإيرانية التي نقلتها وسائل إعلام مقربة من فريق التفاوض تحدثت عن رفع تدريجي للعقوبات النفطية، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، وإعادة فتح مضيق هرمز، وبدء مفاوضات تستمر ستين يوما حول الملف النووي، فضلا عن حديث مثير للجدل عن مشاريع إعادة إعمار ودعم اقتصادي بمئات المليارات من الدولارات.
كما أشارت التسريبات إلى أن المفاوضات النهائية ستركز على الملف النووي والعقوبات وإعادة الإعمار، من دون إدراج برنامج الصواريخ، أو علاقة إيران بحلفائها الإقليميين ضمن جدول الأعمال المباشر للمحادثات.
لكن المشكلة أن هذه الرواية الإيرانية اصطدمت سريعا بالرواية الأمريكية، فقد سارع ترامب إلى نفي ما نشرته وسائل الإعلام الإيرانية، مؤكدا أن ما جرى تسريبه «لا علاقة له بما تم الاتفاق عليه خطيا»، وذهب أبعد من ذلك عندما وصف المسؤولين الإيرانيين بأنهم «عديمو الشرف»، وأن التعامل معهم لا يتم «بحسن نية».
هذه اللغة الحادة لم تكن مجرد رد فعل على تسريب إعلامي، بل كانت محاولة أمريكية واضحة لمنع طهران من احتكار رواية الانتصار قبل توقيع الاتفاق.
المفارقة أن الطرفين يبدوان اليوم بحاجة إلى هذا الاتفاق، أكثر مما يرغبان في الاعتراف بذلك، فالولايات المتحدة التي دخلت الحرب تحت شعار ردع إيران وإنهاء تهديداتها الإقليمية، وجدت نفسها أمام حرب طويلة رفعت أسعار الطاقة، وأثارت قلق الحلفاء، وأدخلت الإدارة الأمريكية في مواجهة مفتوحة لا تملك ضمانات واضحة بشأن نهايتها.
ولهذا لم يكن مستغربا أن تتحدث تقارير أمريكية عن ضغوط داخلية متزايدة على ترامب لإنهاء الحرب قبل أن تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي على إدارته.
في المقابل، لا تستطيع إيران الادعاء بأنها خرجت من الحرب من دون خسائر، فقد تعرض اقتصادها لضغوط هائلة، وتضررت منشآتها وبنيتها التحتية، وتراجعت صادراتها النفطية، كما واجهت تحديات داخلية معقدة، لكن طهران نجحت في أمر بالغ الأهمية: منع خصومها من فرض شروط الاستسلام الكامل.
وهذا ما يفسر إصرار المسؤولين الإيرانيين على الحديث عن استمرار حق إيران في التخصيب، وعن عدم التنازل عن الثوابت الأساسية للبرنامج النووي.
هنا تحديدا يمكن فهم السبب الذي يجعل إسرائيل أكثر الأطراف قلقا من الاتفاق المرتقب.
فتل أبيب كانت تأمل أن تفضي الحرب إلى نتائج أكثر حسما ضد البرنامج النووي الإيراني، ولذلك جاء الموقف الإسرائيلي حذرا ومشككا.
وقد أكد بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لن تسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي، مشددا على وجود «اتفاق تام» مع ترامب حول ضرورة منع طهران من التحول إلى قوة نووية، لكن هذه التصريحات تكشف في الوقت نفسه عن قلق إسرائيلي من أن تنتهي المفاوضات إلى تسوية لا تحقق جميع المطالب التي كانت تل أبيب تسعى إليها.
وتزداد المخاوف الإسرائيلية مع الحديث عن تأجيل الملفات الأكثر حساسية إلى مفاوضات لاحقة.
فإسرائيل كانت تريد ربط أي اتفاق بقضايا الصواريخ الباليستية والشبكات المسلحة الحليفة لإيران في المنطقة، بينما تشير التسريبات إلى أن التركيز الحالي ينصب أساسا على الملف النووي والعقوبات.
ولهذا تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مخاوف داخل تل أبيب من أن يتحول الاتفاق إلى إنجاز دبلوماسي يمنح ترامب فرصة إعلان النجاح، من دون أن يبدد الهواجس الأمنية الإسرائيلية بالكامل.
أما عربيا، فإن الاتفاق يطرح أسئلة لا تقل أهمية.
فمن جهة، يفتح احتمال خفض التوتر العسكري في الخليج، وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة والممرات البحرية.
ومن جهة أخرى، فإنه لا يقدم إجابات واضحة بشأن مستقبل الصراعات الإقليمية، التي كانت إيران طرفا مؤثرا فيها خلال السنوات الماضية.
وحتى الحديث عن وقف القتال على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، لا يزال محاطا بكثير من الغموض، بسبب التباين الواضح بين الروايتين الأمريكية والإيرانية.
المثير للاهتمام أن مسودة الاتفاق تكشف عن تحول مهم في ميزان الحسابات السياسية.
فبعد سنوات من الخطابات المتشددة والتهديدات المتبادلة، عاد الطرفان إلى النقطة نفسها التي انتهت إليها المفاوضات النووية السابقة: الاعتراف الضمني بأن الحل العسكري لا يستطيع إنتاج استقرار دائم.
ولذلك فإن كثيرا من البنود المتداولة اليوم تبدو أقرب إلى إعادة إنتاج منطق الاتفاق النووي السابق بصيغة جديدة، رغم أن ترامب أمضى سنوات في مهاجمة ذلك الاتفاق واعتباره من أسوأ الصفقات في التاريخ الأمريكي.
وهنا تبرز مفارقة سياسية لافتة.
فالرئيس الذي انسحب من الاتفاق النووي القديم بدعوى أنه قدم تنازلات كبيرة لإيران، يجد نفسه اليوم مضطرا للتفاوض على اتفاق جديد لا يبدو، وفق كثير من الخبراء، أكثر تشددا من الاتفاق الذي مزقه عام 2018، بل إن بعض المحللين يرون أن إيران تمكنت، رغم الضغوط الهائلة، من الحفاظ على جزء مهم من أوراقها التفاوضية، وفي مقدمتها حقها في التخصيب وموقعها الجيوسياسي وقدرتها على التأثير في أمن الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز.
لكن ذلك لا يعني أن طهران هي الرابح المطلق، فالحرب كشفت أيضا حدود القوة الإيرانية، وأظهرت حجم الأعباء الاقتصادية التي يمكن أن تتحملها البلاد، إذا استمرت المواجهة، كما أن أي تخفيف للعقوبات سيظل مرتبطا بدرجة التزام إيران ببنود الاتفاق وبمستوى الثقة الذي يمكن أن يتشكل بين الطرفين، وهو عنصر يكاد يكون معدوما بعد سنوات طويلة من الصراع وعدم الوفاء المتبادل بالالتزامات.
لذلك فإن السؤال عن الرابح والخاسر قد يكون مضللا من الأساس.
فهذه ليست حربا انتهت بانتصار ساحق لطرف على آخر، بل أزمة انتهت مؤقتا عند نقطة توازن جديدة.
الولايات المتحدة لم تحصل على كل ما أرادته، وإيران لم تحقق كل ما كانت تطمح إليه.
إسرائيل تبدو قلقة، لكنها لم تُهزم.
أما المنطقة فقد ربحت فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لم تحصل بعد على ضمانة حقيقية بأن أسباب الصراع قد زالت.
ما يمكن قوله بثقة هو، إن الرابح الأول من الاتفاق، إذا تم توقيعه فعلا، سيكون منطق التسوية نفسه.
فبعد أشهر من التصعيد والتهديدات والضربات المتبادلة، عاد الجميع إلى طاولة التفاوض.
أما الخاسر الأكبر فهو الوهم الذي رافق الحرب منذ بدايتها: وهم أن القوة العسكرية وحدها قادرة على فرض حلول نهائية في منطقة أثبتت تجارب العقود الماضية أنها أكثر تعقيدا من أن تُدار بمنطق الغلبة المطلقة.
لهذا فإن القيمة الحقيقية للاتفاق لا تكمن في الأموال المجمدة التي قد يُفرج عنها، ولا في العقوبات التي قد تُرفع، ولا حتى في البنود النووية التي ستخضع للتفاوض، بل في اعتراف الطرفين، ولو بصورة غير مباشرة، بأن الحرب لم تستطع حسم ما عجزت السياسة عن حسمه.
وهذه الحقيقة وحدها كافية لتفسير سبب احتفال كل طرف بالاتفاق، باعتباره انتصارا، بينما يخفي خلف خطابه الرسمي إدراكا عميقا بأن ما جرى ليس نصرا ولا هزيمة، بل تسوية فرضتها حدود القوة على الجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك