إذن ها نحن، بعد 10 أعوام من" بريكست".
نستمتع بمزايا السيادة الخالصة.
استعدنا السيطرة على شؤوننا من بيروقراطيي بروكسل غير المنتخبين وسلمناها إلى إيلون ماسك، وجي دي فانس، ونايجل فاراج، وتومي روبنسون، وحفنة من أصحاب المليارات المجهولين ممن يعملون في مجال العملات المشفرة، ومديري صناديق التحوط، الذين يختار بعضهم عدم الإقامة في بريطانيا.
لدينا أعمال شغب في شوارع ساوثهامبتون، وما يشبه" البوغروم" [اعتداء جماعي منظم] في شوارع بلفاست.
وهناك سياسي صاعد يهدد بترحيل" ملايين وملايين" من الناس.
أما الزعيم السياسي الأكثر شعبية فيستخف بالشرطة من دون أن يكلف نفسه عناء التحقق من الأدلة.
ويطلب منا ازدراء هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، التي تقدم، في المجمل، رواية دقيقة ومتوازنة وصادقة لما يجري من حولنا.
وفي المقابل، مول المليارديرات نسختهم الخاصة من الحقيقة، وإحدى هذه النسخ تستخدم لتحريض الغوغاء ودفعهم إلى النزول إلى الشوارع.
وقد تعاقب علينا ستة رؤساء وزراء حتى الآن، والعدد مرشح للزيادة.
لا يبدو أي من هذا" بريطاني الطابع" على نحو خاص.
فتصور جورج أورويل لبريطانيا، إذ تركب نساء غير متزوجات دراجاتهن في طريقهن إلى قداس الأحد، والذي أعاد جون ميجور صياغته ليشمل" ظلالاً طويلة على ملاعب الكريكت، وجعة دافئة، وضواح خضراء هادئة، ومحبي الكلاب، ومن يملؤون استمارات مراهنات كرة القدم [تقليد بريطاني ساد في أوساط الطبقة الوسطى والضواحي]".
لكننا انتهينا إلى نسخة مختلفة من عالم أورويل، نسخة يتوقع فيها من الناس أن يرفضوا الأدلة التي تراها أعينهم وتسمعها آذانهم.
" وإذا قبل الجميع الكذبة.
فإنها تمر إلى التاريخ وتصبح حقيقة".
لقد كان كل ذلك موجوداً في رواية" 1984".
إحدى" الحقائق" التي جرى ترسيخها على نطاق واسع منذ الخطاب" الطارئ" الذي ألقاه نايجل فاراج قبل 10 أيام، في أعقاب قضية هنري نوفاك، هي أن بريطانيا تشهد نظاماً شرطياً ذا معايير مزدوجة.
فبحسب هذا الطرح، يتعرض البيض لمعاملة أسوأ من ذوي البشرة السمراء أو السوداء، على يد عناصر شرطة جرى" تلقينهم" عبر برامج مراعاة التنوع والمساواة والدمج عديمة الجدوى.
وأنه، نعم، ربما كانت هناك مشكلة عنصرية داخل صفوف الشرطة قبل نحو عقدين، لكن جرى حلها بالكامل عقب تقرير ماكفرسون عام 1998.
هذه هي، إلى حد كبير، رسالة نايجل فاراج، التي تضخمها بطبيعة الحال قناة" جي بي نيوز"، المحسوبة على حزب" ريفورم"، كما يرددها جيش من كتاب الافتتاحيات والمعلقين الإعلاميين والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.
أما بالنسبة إلى من يفضلون التفسيرات المختزلة في كلمات قليلة، فالمشكلة هي تيار اليقظة، " الووك" [ثقافة التنبه إلى التحيز والتمييز العنصري والظلم الاجتماعي].
الشرطة أصبحت تلتزم مبادئ هذا التيار.
وكل هذا" الهراء" المتعلق بالتنوع والمساواة والدمج أو الإدماج هو" اليقظة" بعينها، ويجب التخلص منها.
لكن لولا أولئك الشرطيين من تيار" اليقظة" في هامبشير، ربما كان نواك على قيد الحياة اليوم.
استيقظوا أيها السذج.
أعلنوا الحرب على" تيار اليقظة".
قبل أن تتحول هذه الكذبة إلى" حقيقة" راسخة في التاريخ، لنستعد في أذهاننا حال قوة شرطة هامبشير خلال أعوام" بريكست".
ففي عام 2018، اضطرت الشرطة إلى تنفيذ عملية سرية داخل وحدتها النخبوية لمكافحة الجريمة الخطرة والمنظمة (SOCU) في باسينغستوك، شملت زرع أجهزة تنصت في المكتب لمدة شهر وتسجيل ما يجري فيه.
ولا توجد طريقة لطيفة لسرد ما كشف عنه، لذا أعتذر مسبقاً عن صراحة الوصف.
فقد تعرض المحقق الأسود سول كورانتينغ لسيل من الإهانات والسخرية على أيدي أكثر من ستة من زملائه الضباط.
كانوا يمزحون، ويا له من مزاح، بأن كورانتينغ قد نُقل جواً إلى إنجلترا من أفريقيا في قفص، وأنه هرب من حديقة الحيوان في لندن.
وشبهوا زميلهم الأسود بالكلب.
ووضع الفريق خريطة لأفريقيا فوق ناحية في المكتب كان يجلس فيه المحقق كورانتينغ وضابط آخر من أصول أفريقية، وأطلقوا عليها اسم" الركن الأفريقي".
ونشر أحد الضباط، في رسائل تبادلوها بواسطة" واتساب"، مقطع فيديو يظهر رجلاً أسود يمارس الجنس مع امرأة بيضاء مخمورة في محطة للحافلات، مع تعليق جاء فيه" وهذا هو المكان الذي يوجد فيه سول اليوم".
وعرضت رسالة أخرى رجلاً أسود يكشف عن أعضائه التناسلية، وجرت مشاركتها مرفقة بتعليق كتب فيه" هذا هو المكان الذي كان فيه سول يوم السبت".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وصف جيسون بير، وهو المستشار القانوني للتحقيق الداخلي الذي أجري في وقت لاحق، ثقافة وحدة مكافحة الجريمة المنظمة بأنها" سامة وبغيضة".
كان الضباط يسخرون من المهاجرين ويتندرون على غرقهم في البحر أثناء محاولات العبور.
وكانوا يقلدون لكنات كاريبية زائفة بغرض السخرية من زميلهم، وقالوا إن الألبان ينبغي قتلهم بواسطة غاز الأعصاب.
لم تكن العنصرية مشكلتهم الوحيدة.
فقد كشفت المراقبة السرية أنهم كانوا يسخرون من المثليين ويصفونهم بألفاظ بذيئة، ويستخدمون عبارة" متحولين جنسياً مقرفين" المهينة.
وتبادلوا النكات الجنسية المسيئة للنساء من صاحبات" الصدور الجميلة"، وقالوا إن على زميلة لهم أن" تري الضباط صدرها".
وشارك أحد الضباط صورة جرى توليدها بالذكاء الاصطناعي لدوق ساسكس (الأمير هاري) وهو يمارس الجنس مع [زوجة أخيه] دوقة كامبريدج (الأميرة كيت ميدلتون).
وتوسل ضابط آخر كي لا يُرسل للتحقيق في جريمة اغتصاب لأنه كان ثملاً جداً نتيجة لقضاء سهرة مع أصدقائه في الليلة السابقة.
وقام زملاؤه بالتستر عليه.
استمرت عملية التسجيل السري 23 يوماً فحسب، لكن بير قال إنها احتوت من العنصرية والتمييز الجنسي ما يكفي لملء عمر كامل.
وكشف التحقيق عن ثقافة سلوكية أصبحت" متجذرة ومقبولة باعتبارها أمراً طبيعياً".
ومعظم التفاصيل المتعلقة بهذه الفضيحة استُقيت من أرشيف صحيفتي" هامبشير كرونيكل" و" ساوذرن إيكو".
أما وسائل الإعلام الوطنية، فقد تعاملت مع القضية باهتمام محدود وسريع، ربما لأنها لا تنسجم مع السردية السائدة.
تخيل نفسك الآن مكان قائد شرطة هامبشير، وقد واجهت هذه الأدلة الدامغة حول ثقافة صفوة عناصر قوتك.
ألن تباشر على الفور برنامجاً تدريبياً شاملاً لمحاولة استئصال السلوكات والمواقف السامة التي كشف عنها تحقيقك؟ الإجابة بديهية: بالطبع.
وعدم القيام بذلك كان سيشكل إهمالاً جسيماً.
ومع ذلك، في تغطية قضية نواك، لم أجد سوى إشارتين عابرتين إلى فضيحة وحدة مكافحة الجريمة المنظمة، التي انتهت بفصل خمسة ضباط.
أما الرواية المهيمنة فتقول العكس تماماً: إن شرطة هامبشاير أصبحت" ووكية"، وإن الضباط يتعرضون لضغوط لتبني أفكار التنوع والمساواة والدمج التي يتلقونها في التدريب، علماً أن 15 في المئة فقط ممن شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يشعرون بذلك.
وهكذا، تلج الكذبة باب التاريخ وتتحول إلى حقيقة.
هل ذكركم المعلقون هذا الأسبوع بأن تحقيقاً أجرته هيئة الإذاعة البريطانية" بي بي سي" في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 كشف نمطاً مروعاً من السلوك العنصري والتمييز الجنسي داخل مركز شرطة تشارينغ كروس؟ بالطبع لا.
ففي السياسة المعاصرة القائمة على الشعارات المختزلة، يكفي أن يُقال إن الشرطة" ووكية".
هذا كل ما تحتاج إلى معرفته.
انتهى الأمر.
وهكذا نعيش اليوم في واقع يمكن فيه لمقطع فيديو لا يتجاوز ثلاث ثوان - إذا أظهر شخصاً أسود يهاجم شخصاً أبيض - أن يفضي إلى أعمال شغب، وأن يدفع حشوداً ملثمة إلى إحراق أشخاص داخل منازلهم لمجرد أن لون بشرتهم" خاطئ".
ومن موسكو، إذ كان في زيارة برفقة إيرول ماسك، والد إيلون ماسك، استخدم تومي روبنسون منصة" إكس" لدفع المحتجين إلى النزول إلى الشوارع.
أما ماسك، الذي يتابعه 240 مليون شخص، فأعاد نشر مواعيد وأماكن الاحتجاجات، وكرر دعمه لأنصار روبنسون قائلاً: " إما أن تقاوموا، أو تموتوا".
وبحسب رؤية ماسك، فإن" حركة استعادة بريطانيا وحدها قادرة على إنقاذ بريطانيا".
وهي الحركة التي تدعو إلى ترحيل" ملايين وملايين" الأشخاص.
في المقابل، يقول روبنسون إنه يرى في روسيا بوتين" جمال المجتمع المتحضر".
ولا يساور نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، شك في أن هنري نواك كان سيبقى على قيد الحياة اليوم لو أن الأجيال القليلة الماضية من النخب الأوروبية قد صمدت في وجه سياسات كراهية الذات والغزو الجماعي للمهاجرين.
لقد مات" بالطريقة نفسها التي ماتت بها حضارة".
لا جدوى من إلقاء اللوم على من فرضوا علينا البريكست قبل 10 أعوام.
فمن كان يمكنه أن يتوقع كيف سيشوه هؤلاء وحلفاؤهم الأيديولوجيون وداعموهم من أصحاب المليارات أي احترام للحقيقة والتاريخ؟ ولكن تفضلوا، استمتعوا بهذه السيادة الخالصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك