غزة – في قطاع غزة، حيث حرب الإبادة الإسرائيلية لا ترحم، وأحلام كثير من الغزيين تُغتال قبل أن تولد، تخرج أصوات فتية تقول للعالم: " نحن هنا، نركل الكرة ونركل معها الحزن واليأس".
روزان وكفاح وعائشة وفتيات أخريات فقدن أطرافهن بفعل صواريخ الاحتلال وقنابله، لكنهن لم يفقدن إرادة الحياة ولا شغف الرياضة، ويشكلن معاً نواة فريق نسائي لكرة القدم البتر، ليثبتن لأنفسهن وللآخرين أن أجسادهن بترت، لكن أحلامهن بقيت تعانق عنان السماء.
على أرضية ملعب صغير معشب في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، من بين ملاعب قليلة نجت من التدمير، تتعالى الصيحات وتمتزج مع الضحكات، وتعلو إرادة الحياة، لدى فتيات يلعبن كرة القدم ضمن فريق أسسته جمعية فلسطين لكرة القدم البتر وتعكف على تأهيله ليشكل منتخب فلسطين للبتر للسيدات على أمل المشاركة والمنافسة في مسابقات رياضية خارجية.
وبعدما مررت الكرة لزميلتها بعكاز تتكئ عليه، وقفت روزان خيرة تتحدث للجزيرة نت قائلة إن" نيران الاحتلال بترت أجسادنا، لكنها لم توقف أحلامنا وإرادة الحياة لدينا".
روزان (24 عاما) من سكان حي الدرج في قلب" غزة القديمة"، حيث المنازل والمباني الأثرية التي يفوح منها عبق التاريخ، وتضرب جذورها في أعماق الأرض.
ونشأت هذه الفتاة في أسرة رياضية بهذا الحي، وكانت تمارس كوالدها رياضة الركض، وتشارك في مسابقات محلية قبل اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي 19 نوفمبر/تشرين الثاني ذلك العام، حيث كانت الحرب في أوج دمويتها، تبدلت حياة روزان في لحظة كلمح البصر، وتتذكر أن عقارب الساعة كانت تشير للعاشرة ليلاً، عندما وقعت غارة جوية عنيفة على منزل مقابل لمنزل أسرتها، وأصيبت بجروح أدت لبتر ساقها.
حاولت الشابة أن تنهض من سريرها ولم تستطع.
وفي عيادة الحي المجاورة" وضع الطبيب ساقي في حضني، وكانت قطعة صغيرة من الجلد لا تزال تربطها بجسدي"، تقول روزان وهي تستعيد هذه التجربة القاسية، مضيفة أنه في المستشفى لم يكن أمام الأطباء خيار سوى بتر الساق.
وذاقت روزان ويلات النزوح ومرارة التنقل بساق واحدة، لكنها تقول بإصرار إنها لم تفقد الأمل وإرادة الحياة للحظة، واختارت بحب وشغف الالتحاق بفريق كرة القدم البتر، ولديها حلم كبير أن تمثل فلسطين ضمن منتخب وطني للسيدات ينافس في مسابقات رياضية عالمية.
وأظهرت بيانات رسمية صادرة عن وزارة الصحة في غزة في اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أن الحرب خلفت 6 آلاف حالة بتر بحاجة إلى برامج تأهيل عاجلة طويلة الأمد، ومن بين إجمالي هذه الحالات 25% أطفال يواجهون إعاقات دائمة في سن مبكرة.
وفي 30 يونيو/حزيران العام الماضي، كانت كفاح الفاخوري ضحية صاروخ إسرائيلي غادر، تقول للجزيرة نت إنه سرق منها ساقها، ورفيقاتها ولحظات فرح كن يسرقنها من بين براثن الموت في مقهى ساحلي على بحر مدينة غزة.
ونتيجة الغارة على هذا المقهى فقدت كفاح الوعي، واستيقظت بلا ساق على سرير مستشفى الشفاء في المدينة، وانغمست في حزن شديد على فقدها الكبير لساقها ورفيقاتها الشهيدات.
لكن هذه الفتاة الثلاثينية لم تستسلم لأحزانها طويلاً، وسرعان ما استعادت عافيتها وراحت تبث روحا مرحة ولعبا مميزا بين زميلاتها في فريق الفتيات لكرة القدم البتر، الذي انضمت إليه إصراراً منها على البقاء ومواصلة الحياة.
تقول كفاح إنها وجدت في ممارسة رياضة كرة القدم مقاومة مختلفة ومؤثرة، تمكنها من استعادة حياتها ومواصلة طريقها، رغم قسوة البتر والفقد.
بين ثلاث خشبات تقف الطفلة عائشة العبادلة (16 عاما) تحرس المرمى بذراع واحدة، تلبس قفازاً في يدها اليمنى، فيما ذراعها اليسرى غير مكتملة النمو، حيث ولدت على هذه الهيئة، نتيجة استنشاق والدتها الفوسفور الأبيض خلال الحرب الإسرائيلية الأولى على القطاع أواخر عام 2008.
آنذاك كانت عائشة -تقول للجزيرة نت- جنينا في أحشاء والدتها، وولدت بذراع غير مكتملة، وتشير إلى أن الأطباء أخبروا أسرتها أن الحالة ناجمة عن استنشاق الفوسفور الأبيض من قنابل استخدمها الاحتلال في استهداف القطاع خلال تلك الحرب.
ورغم إعاقتها، عشقت عائشة كرة القدم منذ 8 أعوام، وتلعب في مركز حراسة المرمى، وبثقة تتحدث عن حلمها بأن تحرس مرمى منتخب فلسطين للسيدات لكرة القدم البتر، وتشارك في بطولات ومسابقات خارجية، لتحمل رسالة الحياة لأهل غزة للعالم بأسره.
وبين هذه وتلك، تتنقل المدربة لمياء مصلح بين الفتيات اللاعبات، وتركض هنا وهناك، لتحثهن على الركض وركل الكرة والتمرير السليم، وتقول للجزيرة نت: " كرة القدم هنا ليست مجرد لعبة، إنها مساحة للأمل والتفريغ النفسي".
وفي الوقت الذي يهدفون فيه لتأهيل لاعبات مميزات للانضمام لمنتخب فلسطين لكرة القدم البتر، " فإننا نبث في الفتيات المبتورات روح الإصرار والتحدي والرغبة في الاستمرار ومواصلة الحياة"، تضيف لمياء.
وتلمس المدربة تغييراً إيجابياً على اللاعبات، وتحسناً كبيراً على صحتهن الجسدية والنفسية، وتشير إلى أن اللاعبة حين تركل الكرة كأنها تركل حزنها وآلامها، لتقول بصوتها وحركتها" لا للمستحيل.
بتر الجسد لا يعني بتر الحلم والإرادة".
من جهته، يوضح مؤسس ورئيس جمعية فلسطين لكرة القدم البتر، فؤاد أبو غليون، أن الجمعية تأسست عام 2018، وتحمل ترخيصاً محلياً وآسيوياً ودولياً، وقد توقف نشاطها مع اندلاع الحرب، قبل أن تستأنفه من جديد مع هذا الفريق من الفتيات، وسط تحديات كبيرة.
وقال: " هدفنا كبير، ولكن التحديات أيضاً كثيرة وكبيرة.
نحن نعمل في بيئة مدمرة، وتفتقر للإمكانات والوسائل المساعدة، علاوة على صعوبة المواصلات، والمخاطر".
ورغم هذه التحديات، وتزايد أعداد ذوي البتر نتيجة الحرب، يبدي أبو غليون إصراراً على مواصلة العمل، ويرى أن في ممارسة كرة القدم تعزيزاً لثقة الفتيات المبتورات بأنفسهن، ولا تجعلهن" يشعرن بأي نقص، بل تساعدهن على العودة للاندماج بالمجتمع وممارسة حياتهن بشكل فاعل وأسرع".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك