من طوكيو إلى سيول إلى نيودلهي، تشهد عملات آسيا سلسلة تراجع متواصل بسبب تداعيات الحرب على إيران على اقتصادات تلك الدول، وقد بدأت الحكومات تفقد صبرها.
فقد أنفقت الحكومة اليابانية أكثر من 70 مليار دولار للدفاع عن الين هذا العام، فيما حذّر مسؤولون في وزارة المالية المستثمرين من اختبار مدى استعدادهم للقيام بالمزيد.
وفي إندونيسيا، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة للمرة الثانية خلال ثلاثة أسابيع في اجتماع طارئ يوم الثلاثاء الماضي، في محاولة لكبح تدفق رؤوس الأموال الخارجة من البلاد ووضع حد لتراجع الروبية الحاد.
أما في كوريا الجنوبية، فقد كثّفت السلطات التدقيق في تداولات سوق الصرف الأجنبي لمواجهة ما تصفه بالمضاربات المفرطة على الوون الكوري، الذي تراجع بأكثر من 5% مقابل الدولار منذ بداية العام، رغم طفرة تصدير قوية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي.
ويشير تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، أمس الأحد، إلى أن ضعف العملات الآسيوية هو سلاح ذو حدين، فمن جانب يمنح أفضلية للمصدّرين الآسيويين فيزيد حجم الصادرات، وكذلك جذب مزيد من أعداد السائحين الأميركيين والأجانب، لكنه في المقابل يسبب ضغطاً كبيراً على المستوردين والمستهلكين داخل المنطقة، ما يفاقم تأثير ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن إغلاق مضيق هرمز.
وتُعد دول آسيا مستورداً كبيراً للطاقة، إذ تعتمد دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية على الواردات لتغطية 80% إلى 90% من احتياجاتها، وكذا الهند والصين وماليزيا، وجزء كبير من هذه الإمدادات يأتي من الشرق الأوسط، وقد أدى إغلاق مضيق هرمز أمام الشحنات البحرية عقب الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران في نهاية فبراير/شباط الماضي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وبما أن النفط يُسعَّر عادة بالدولار، فإنّ ارتفاع فاتورة الاستيراد يدفع العملات في الدول المستوردة إلى الضعف.
ارتفاع تكاليف الطاقة يضغط على ميزانيات الحكومات ويرفع معدلات التضخم وفق مراقبين، ما يزيد الضغط على أسعار الصرف.
وقد انخفضت عملة تايلاند (البات) بنحو 4% هذا العام، بينما تراجع البيزو الفيليبيني بنحو 3%، والروبية الإندونيسية بنحو 7%.
وتواجه البنوك المركزية ضغوطاً لرفع أسعار الفائدة لكبح التضخم ودعم عملاتها.
لكن محللين ماليين يرون أن إغلاق مضيق هرمز ليس السبب الرئيسي في ضعف العملات الآسيوية، التي تعيش ضعفاً مشهوداً منذ سنوات، لكن السبب الرئيس يعود إلى هجرة الأموال الساخنة من الاقتصادات الآسيوية إلى الولايات المتحدة، إذ ارتفعت عوائد السندات الأميركية مع توقعات بنمو أسرع وتضخم أعلى وعجز مالي كبير.
وهذا خلق فجوة في العوائد بين السندات الأميركية ونظيراتها في آسيا، ما يدفع رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة بحثاً عن عوائد أعلى، وبالتالي يضعف العملات الآسيوية.
وتقول ديبالي بهارغافا، كبير باحثين آسيا ومنطقة الباسيفيك في مؤسسة أبحاث ING Think إن استجابة الحكومات في جنوب وجنوب شرق آسيا أصبحت متباينة.
فبعض البنوك المركزية، وعلى رأسها بنك إندونيسيا، تتبنى زيادات أسرع في أسعار الفائدة لدعم عملاتها، بينما يقوم بنك الاحتياطي الهندي، بمزج التشديد التدريجي مع إجراءات موجهة لجذب تدفقات رأس المال حيث لا يزال التضخم تحت السيطرة نسبياً.
ومن المرجح أن تعطي البنوك المركزية الأولوية لتثبيت توقعات التضخم واستقرار أسعار الصرف، حتى مع تزايد مخاطر النمو.
ومع استمرار ارتفاع أسعار النفط، من المتوقع أن ترفع معظم البنوك المركزية الآسيوية أسعار الفائدة في الربع الثالث.
لكن أي تراجع تدريجي في الدولار واستمرار تدفقات رأس المال قد يساعدان على استقرار العملات الإقليمية في النصف الثاني من العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك