لم يكن الجمعة الماضي يوماً عادياً في أسواق" وول ستريت" المالية، فقد سجلت البورصة الأميركية أكبر طرح عام في تاريخها بقيمة 75 مليار دولار، وتسابق المستثمرون، شركات وأفراداً، على شراء أسهم شركة سبايس إكس التي اعتبرها البعض ذات يوم، مجرد حلم، كاسرين حاجز الخوف لصالح المكاسب المرتقبة.
لم توقفهم معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة التي تجاوزت 4.
2% في مايو/أيار الماضي، ولا توقعات البنك الدولي بتباطؤ النمو العالمي التي ظهرت قبل الطرح بيوم واحد، ولا ترمومتر التوتر المرتبط بحرب إيران الذي يتحرك نزولاً وصعوداً كل يوم.
فتحت" سبايس إكس" الشهية بمستوى غير مسبوق للاستثمار في عالم الذكاء الاصطناعي رغم التحذيرات السابقة واللاحقة بشأن مصيره وفقاعته، وما إذا كان يناسب استثمارات الأفراد أم أنه من عمالقة التكنولوجيا لكبار المستثمرين فقط.
ولأن" سبايس إكس" مثلت علامة فارقة في تاريخ طروحات الأسهم، باتت الأعين تترقب ما هو آت لمستثمرين عملاقين في قطاع الذكاء الاصطناعي هما" أوبن إيه آي" و" أنثروبيك" وهل سيحالفهما الحظ نفسه الذي يرافق إيلون ماسك أينما حل أم لا.
وبحسب تقرير نشرته" نيويورك تايمز" أمس الأحد، فإنه" رغم أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل سوى جزء من أعمال سايس إكس، سيكون أداء الشركة في السوق مؤشراً مهماً على مدى استعداد المستثمرين الأفراد للمشاركة في طروحات شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى التي يُعتقد أنها لا تزال بعيدة عن تحقيق الأرباح".
وتنقل الصحيفة عن محللين ماليين توقعاتهم أن ينعكس النجاح الذي سجلته" سبايس إكس"، إذا استمر، بعدما بلغت قيمتها السوقية تريليوني دولار، على أداء" أوبن إيه آي" و" أنثروبيك" اللتين ستراقبان من كثب أداءها في مقبل الأيام لمعرفة ما إذا كانت الأسواق ستظل متعطشة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، وهل يتحول إلى أداة استثمار فردية أم يظل قاصراً على صناديق الاستثمار والشركات الكبيرة.
ومن المتوقع أن تبلغ القيمة السوقية لكل منهما عند طرحهما حوالي تريليون دولار.
تجربة مختلفة ما يثير دهشة الأسواق والمحللين في هذه الموجة هو الاندفاع نحو الاستثمار في قطاع الذكاء الاصطناعي بالرغم من أن عمالقته، حتى الآن، لم يسجلوا أرباحاً تذكر واكتفوا بضخ الاستثمارات وتمويل النفقات في انتظار الحصاد السخي في مقبل السنوات.
وقد أشارت" نيويورك تايمز" إلى موجات الصعود السابقة في أسواق الأسهم، حين كان المستثمرون الأفراد مستعدين لتحمل خسائر شركات التكنولوجيا، لكن ذلك لم يستمر إلى الأبد.
فقد انتهت فقاعة شركات الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي بانهيار حاد لأسهم التكنولوجيا.
وتكرر نمط مشابه مع جيل آخر من شركات التكنولوجيا التي أدرجت أسهمها بعد أكثر من عقد.
ففي عام 2019 بدأت" وول ستريت" تنفر من الشركات التي تغرق قوائمها المالية بالخسائر.
وفي ذلك العام، عندما طرحت شركة أوبر أسهمها للاكتتاب العام، علماً بأنها لم تحقق أرباحاً تشغيلية إلا في عام 2023، سجل سهمها واحداً من أسوأ بدايات التداول من حيث القيمة الدولارية بين جميع الاكتتابات الأميركية منذ عام 1975.
وبحسب الأرقام المتاحة في المصادر المفتوحة، فقد حققت" أوبن إيه آي" إيرادات بلغت نحو 13 مليار دولار العام الماضي، لكنها تتوقع إنفاق نحو 100 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة.
أما" أنثروبيك"، فالمعلومات المتاحة عن أوضاعها المالية أقل، إلا أن الشركة تحدثت مراراً عن التكلفة الباهظة لأعمالها، ويعتقد محللون أنها لم تحقق أرباحاً منتظمة حتى الآن.
الأرباح تتغلب على المخاطرويشير الارتفاع الأولي القوي لسهم" سبايس إكس" إلى أن الربحية عادت لتتراجع إلى المرتبة الثانية مقابل النمو وقوة العلامة التجارية والمكانة في السوق.
وقد يشكل ذلك خبراً إيجابياً لكل من" أنثروبيك" و" أوبن إيه آي"، اللتين تتمتعان بشهرة واسعة وتنفقان بوتيرة سريعة توازي نموهما السريع.
وفي المقابل، إذا استثمر المتداولون مبكراً في" سبايس إكس" ثم شهدوا تراجعاً حاداً في قيمة الشركة، فقد يترددون في المخاطرة مجدداً مع" أوبن إيه آي" أو" أنثروبيك".
تجاهل الخوف تداعيات طرح" سبايس إكس" لا تثبت الشهية المتزايدة فقط لقطاع لم تثبت أرباحه حتى الآن، لكنها تؤكد أيضاً أن الأسواق لا تكترث بالجغرافيا السياسية، أي ما يحدث من صراعات في منطقة ما بالعالم، إلا عندما تقترب نيرانها من حدودها.
وبحسب تقرير نشرته" فاينانشال تايمز" أمس الأحد، فإن موجة إصدارات الأسهم والديون تظهر أن المستثمرين بدؤوا بتحريك الأموال من مواقع الانتظار، متجاوزين المخاوف بشأن ارتفاع التضخم، الذي قد يؤثر في النشاط الاقتصادي ويدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة.
وتنقل الصحيفة عن كريستينا هوبر، كبيرة استراتيجيي الأسواق في مؤسسة مان غروب" تشهد الأسواق مزيجاً استثنائياً من الخوف من تفويت الفرصة والخوف التقليدي.
وفي معظم الأسابيع، بما في ذلك هذا الأسبوع، ينتصر الخوف من تفويت الفرصة".
وأضافت: " الجغرافيا السياسية لا تهم الأسواق حتى تصبح العامل الوحيد الذي يهمها.
وما زلنا في المرحلة الأولى.
المستثمرون يفكرون في المكاسب الكبيرة وعلى المدى القصير، أما المدى الطويل فليس في أذهانهم اليوم".
حتى الآن، تركزت معظم عمليات جمع الأموال في شركات التكنولوجيا، بما في ذلك طروحات أسهم ضخمة من شركات مثل ألفابت.
كما تدرس شركات أخرى مثل ميتا بيع أسهم لتمويل خططها للإنفاق على الذكاء الاصطناعي.
ووفقاً لبيانات شركة إل إس إي جي، جمعت الشركات نحو 4.
7 تريليونات دولار هذا العام عبر أسواق الأسهم والديون والقروض المصرفية العالمية، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، بزيادة 7% مقارنة بالعام الماضي.
ولا يشمل هذا الرقم النشاط المتزايد في أسواق الائتمان الخاص ذات التصنيف الاستثماري، والتي تُستخدم بشكل متزايد لتمويل مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية ومحطات الطاقة المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي.
ويراقب صناع الصفقات ما إذا كان الحماس لتمويل نمو الذكاء الاصطناعي سيمتد إلى قطاعات أخرى من السوق، على أمل أن يساعد ذلك على فك الاختناق الذي تعانيه صناعة الملكية الخاصة، حيث تواجه شركات الاستحواذ الممول بالديون صعوبة في التخارج من استثمارات قديمة تبلغ قيمتها نحو أربعة تريليونات دولار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك