العربي الجديد - حدود الضعف في الأوطان العربية التجريبية القدس العربي - الذهب يرتفع بأكثر من 1% بعد توصل أمريكا وإيران إلى اتفاق سلام سكاي نيوز عربية - بصمة ديالو.. ساحل العاج تخطف فوزا دراميا على الإكوادور العربي الجديد - هذا الحراك الكنسي لحماية مسيحيّي فلسطين وكالة شينخوا الصينية - الصين تسجل نموا مطردا بحجم الشحن عبر السكك الحديدية خلال فترة يناير-مايو العربي الجديد - حين يتقن السوريون لغة الكراهية التلفزيون العربي - أماد ديالو يمنح ساحل العاج انتصارًا مثيرًا على الإكوادور في الوقت القاتل وكالة شينخوا الصينية - غوتيريش يرحب باتفاق السلام بين واشنطن وطهران فرانس 24 - مونديال 2026: مدرب الرأس الأخضر يستمتع بـ"حلم" مواجهة إسبانيا العربي الجديد - أزمة الانتقال السوري.
عامة

مسيّرات إسرائيل فوق بيروت... أزيزٌ متواصل يعمّق ذاكرة الحرب

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة
1

لم تعد المسيّرات الإسرائيلية تُسمّى بأسمائها العسكرية فقط، بل دخلت القاموس الشعبي اللبناني بأسماء ساخرة، من بينها" الزنانة"، " السايبة"، " الفسّادة"، و" أم كامل"، غير أنّها باتت تشكل حالةً من الاستنزا...

لم تعد المسيّرات الإسرائيلية تُسمّى بأسمائها العسكرية فقط، بل دخلت القاموس الشعبي اللبناني بأسماء ساخرة، من بينها" الزنانة"، " السايبة"، " الفسّادة"، و" أم كامل"، غير أنّها باتت تشكل حالةً من الاستنزاف والإنهاك النفسي البطيء للبنانيين، رغم تعايشهم القسري مع أزيزها، في زمنٍ لم يعد فيه الهدوء مضموناً.

لم يعد طنين المسيرات الإسرائيلية في سماء بيروت، حدثاً عابراً، بل صار خلفية للحياة اليومية، كأنّه جزء غير مُعلن من إيقاع العاصمة اللبنانية.

تُرى أحياناً ولا تُرى غالباً، لكن صوتها لا يخطئه أحد؛ أزيز ميكانيكي متواصل، يتسلّل إلى تفاصيل العيش، ويُعيد تشكيل علاقة اللبنانيين مع المكان والزمان والسكينة.

لم يعد السؤال: هل هناك مسيّرة في السماء؟ ، بل كم ستبقى هذه المرة؟ على الشرفات، وفي السيارات، وحتى على الشواطئ، يتكرّر المشهد نفسه.

يقطع الصوت المكالمات الهاتفية، ويُربك الجلسات، ويتسلّل إلى الصفوف المدرسية، وحتى إلى لحظات الاسترخاء النادرة.

تقول ليلى محروم، وهي بائعة في أحد متاجر بيروت: " لم أعد أسمعها.

تعوّدنا عليها".

لكنّ الجملة، كما تقصدها ليلى، ليست إعلان راحة ولا إنكاراً للخوف، بل وصف لشيء تدريجي حدث من دون قرار واعٍ.

في البداية، كانت تلاحظ الصوت فور ظهوره، تتوقف، ترفع رأسها، تتبادل نظرة سريعة مع مَن في المتجر، ثم يعود كل شيء إلى توتر خفيف يرافق ما تبقّى من اليوم.

تقول لـ" العربي الجديد": " مع الوقت، صار المشهد أقل حدّة، ليس لأنّ الطائرة اختفت أو لأنّ الخوف تلاشى، بل لأنّ التكرار نفسه أعاد تشكيل الاستجابة".

وتلفت ليلى إلى أنّ نهارها في المتجر يمضي بين الزبائن والمحاسبة والطلبات اليومية، وتضيف: " في لحظةٍ ما، تسمع الصوت، لكنّك لا تقف عنده كما في السابق.

صار مثله مثل أيّ صوت آخر في الشارع… مثل المولّد الكهربائي أو زحمة السير أو بوق السيارة.

الفرق أنك تعرف أنه في السماء ويسبّب الضرر، لكنك تتصرف وكأنه موجود بطريقة عادية".

أمّا أم علي، وهي مسنّة عايشت أكثر من حربٍ، فتقول لـ" العربي الجديد" جملةً تختصر معاناةً هذا التعايش القسري: " اعتدتُ عليها.

تزورني أكثر من أولادي، وتبقى في بيتي أكثر منهم.

لم تعد تزعجني".

بالنسبة لها، لم يعد الصوت طارئاً يُقاس بوقع المفاجأة، بل صار جزءاً من اليوميات، يدخل ويخرج كما أي شيء متكرّر إلى البيت من دون استئذان، ومن دون أن يثير ردّة الفعل نفسها كلّ مرة.

لكن خلف هذا" الاعتياد" شيء أكثر تعقيداً من مجرد التكيّف.

هو طبقة من الإنهاك النفسي البطيء، الذي يتراكم مع الزمن من دون أن يعلن نفسه بوضوح.

فحين يستمر الخطر أو الإحساس به فترات طويلة، لا يعود العقل يتعامل معه بوصفه حدثاً استثنائياً، بل حالة قائمة تُدرج في تفاصيل العيش اليومية، بحسب المتخصّصين النفسيين.

في المقلب الآخر، تُقدّم سليمة، وهي ربّة منزل، صورة مختلفة تماماً عن" التعوّد" الذي يتحدث عنه آخرون.

بالنسبة لها، المسألة لا تُقاس بمدى الاعتياد على الصوت، بل بما يخلّفه من شعور دائم بالانكشاف.

تقول سليمة لـ" العربي الجديد": " أشعر أنّني مراقبة دائماً… وأشعر بالخوف".

الجملة، كما تنطقها، لا تأتي بوصفها انفعالاً عابراً، بل حالة مستمرة تتداخل مع تفاصيل يومها.

فالمُسيّرة في السماء ليست مجرّد صوت يمرّ، بل حضور يفرض نوعاً من الحذر الدائم في حركتها وقرارها.

تضيف، وهي تصف روتينها اليومي: " لا أخرج من البيت عندما تكون في السماء، وأتجنّب التوجه إلى نفس الأماكن… لا أدري ماذا سيدور في رأسها وتظنّه عنّي، وأنا أخاف".

في السياق عينه، يقول ربيع قزمة لـ" العربي الجديد"، وهو ميكانيكي سيارات، إنّ" أحد أسوأ المشاعر هو إدراك حقيقة أنّ هناك مَن يراقبك في بلدك، في بيتك، في عملك… في أماكن يُفترض أن تشعر فيها بالأمان".

وفي زحمة منطقة كورنيش المزرعة في بيروت، يظهر خضر، وهو سائق تاكسي، يُمسك المقود بيدٍ، ويُدير حركة السير المتشابكة وسط الزحام، فيما يرفع صوت المذياع باليد الأخرى، كأنّه يحاول أن يخلق طبقة عازلة بينه وبين الخارج.

صوته لا يأتي هادئاً عندما يبدأ بشرح يومياته، ويقول لـ" العربي الجديد": " لن نعتاد هذا الصوت… لذلك أرفع صوت الموسيقى عن قصد".

لا يبدو كلامه مجرّد انزعاج عابر، بل محاولة واعية لمقاومة ضجيج يقتحم السيارة من الأعلى، ويكسر إيقاع القيادة والشارع في آنٍ واحد.

فبالنسبة له، الصوت ليس جزءاً من الخلفية اليومية التي يمكن التكيّف معها، بل عنصر دخيل يفرض نفسه بالقوة، ويُعيد شدّ الأعصاب كلما مرّ.

يضيف خضر، وقد ارتسمت على ملامحه علامات ضيقٍ واضح: " يوتّرني الصوت كثيراً… وقد صرتُ متعباً نفسياً وأُذنياً، تلك المسيّرات تصيبنا بالهلاك، لا أستطيع العمل والتركيز، ولو كان بالإمكان دفع مبلغ معين لإسكاتها لفعلت".

في نبرة حديثه، يظهر إرهاق يتجاوز مجرد الإزعاج السمعي.

هو وصف لحالة استنزاف مستمر؛ توتّر يرافق القيادة، ضغط على الأعصاب، وشعور بأنّ الجسد نفسه يبقى في حالة استعداد غير مريحة طالما الصوت ما زال حاضراً.

لذلك لا يتعامل معه باعتباره ظاهرة عابرة، بل عبئاً يومياً يضغط على التركيز والقدرة على الاحتمال، خصوصاً في مدينة مزدحمة أصلاً بكلّ ما فيها من أصوات وتوترات.

في هذا السياق، لا تبقى اللغة مجرد وسيلة وصف.

في زمن الحرب، تتحوّل إلى أداة للتأقلم، وأحياناً للترويض.

لذلك لم تعد المسيّرات الإسرائيلية تُسمّى بأسمائها العسكرية فقط، بل دخلت القاموس الشعبي اللبناني بأسماء ساخرة، من بينها" الزنانة"، " السايبة"، " الفسّادة".

بل إنّ بعضها صار له" شخصية" في الخيال اليومي للبنانيين.

تُكنّى المسيّرة بـ" أم كامل"، في تلاعب شعبي بحرفَي" MK" المرتبط بطرازها القديم.

وتذهب السخرية أبعد من ذلك عند سؤال البعض: " أليس لهذه الـMK عائلة تسأل عنها؟ " و" أم كامل… ألا تتعبين؟ ".

تشرح المتخصّصة النفسية وردة بو ضاهر أن تأثير هذا النوع من الأصوات يتجاوز البُعد العسكري المباشر، ليصبح أثراً نفسياً ممتداً، وتقول: " المسيّرات أداة نفسية تؤثر على كلّ شخص، لكن بطريقة مختلفة.

هناك من يتعوّد عليها، وهناك من تستفزّه.

في الحالتين، التأثير سلبي".

وتضيف لـ" العربي الجديد" أنّ" التعوّد لا يعني غياب التأثير، بل قد يعني نوعاً من التخدير النفسي.

أما استمرار الانزعاج، فهو إبقاء دائم لحالة القلق.

وفي الحالتين، هناك ضرر مستمر".

وتشدّد بو ضاهر على البُعد الأعمق في التجربة، وتتابع: " هذا خرق للخصوصية والحياة اليومية.

شعور دائم بالمراقبة، يجعل من الصعب على الإنسان أن يشعر بالراحة، خصوصاً عندما تكون هذه الوسيلة مرتبطة بالقتل أو الاستهداف".

في النهاية، لا تبدو المسيّرات مجرّد أداة في حربٍ بعيدة.

في بيروت، هي جزء من المشهد اليومي للبنانيين، من الذاكرة الحسّية للمدينة.

طنينها لا يمرّ فقط فوق الأسطح، بل يمرّ داخل الناس أنفسهم؛ في أعصابهم، في حواراتهم، في طريقة تنظيم يومهم، وفي تعريفهم البسيط لما يعنيه" الأمان" في زمنٍ لم يعد فيه الهدوء مضموناً.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك