كلّ المراحل الانتقالية هي بالطبيعة مراحل أزمة، تنتقل فيها المجتمعات من وضع أصابه الخراب إلى وضع لم تتبلور ملامحه بعد.
وهو وضع انتقالي لأنّه يعقب حرباً انطفأ لهيبها، لكنّ السلام لم يتحقّق بعد.
وغاية هذه المرحلة تتلخّص بدقّة في إنهاء الحرب، وما رافقها وارتبط بها من قضايا مادّية وقانونية وإنسانية، وإرساء أسس السلام الأهلي بكلّ ما يعنيه السلام من تفاهم وتسويات وجبر ضرر، واستعادة معنى القانون وسلطته، من أجل إطلاق دورة حياة اجتماعية جديدة.
لذلك تجمع هذه المراحل الانتقالية بين أسباب الحرب وأسباب السلام، وهذا ما يجعلها مراحلَ استثنائيةً حسّاسةً يشوبها التوتّر والقلق والشكّ والخوف من الانتكاس.
يتوقّف تجاوزها نحو السلام والاستقرار وعودة الحياة الطبيعية على مقدرة قادة المرحلة، من شتّى الأطراف، في الدولة والمجتمع، على التوصّل إلى صيغ مقبولة لحلّ النزاعات وإعادة التواصل، ووضع أسس التوافقات الجديدة على قواعد العيش المشترك والعقد الاجتماعي.
من دون ذلك تستمرّ الأزمة، ويبقى التوتّر والتخبّط في مشاكل المرحلة الماضية التي لم تُحلّ.
بخلاف ما يشيعه كثيرون، ليس هناك وصفة سحرية أو جاهزة وواحدة لإنجاز الانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلم الأهلي وتصفية آثار العدوان.
والسبب اختلاف المجتمعات وثقافاتها وتاريخها والسياقات الاجتماعية والإقليمية والدولية.
وهنا تتجلّى إبداعية القيادات وقدرتها على التعاون والتفاهم لاستعادة ثقة الشعب فيها، واستعادة ثقته بنفسه، والاندفاع نحو المستقبل بدلاً من الغرق في نزاعات الماضي.
يبدو لي، أولاً، أنّ رهان السلطة الجديدة في سورية في مواجهة مسائل هذه المرحلة الصعبة كان على إيجاد الفرص الاقتصادية لدفع الناس إلى تجاوز مرحلة النزاع والحرب الدموية أكثر من تكريس الجهد لحلّ المشكلات العديدة السياسية والاجتماعية والنفسية التي نجمت منها، وتقديم المنفعة المرتبطة بالازدهار الاقتصادي على جبر الضررين، المعنوي والقانوني، اللازم لتجاوزها.
وهذا ما ظهر، إلى حدّ كبير، في سلوك الجمهور أيضاً في الأشهر الأولى.
لكنّ تأخّر الاستثمارات الكبيرة المنتظرة أعاد إلى الواجهة، وبشكل أقوى، مسائل الانتقال السياسي.
وزاد من حدّتها إدراك الأطراف الاجتماعية، الظالمة والمظلومة، لشكلية الحلول التي قدّمتها السلطة الجديدة لمعالجة ملفّات الانتقال، والفصل بين منطق الانتقال ومنطق البناء المؤسّسي الدائم، والعدالة الانتقالية، وتثبيت حكم القانون والدستور، وإعادة الإعمار وحماية الحقوق الأساسية في الأمن والحياة والمعيشة للأغلبية من الشعب، والخلط بين الشرعية" الثورية" الاستثنائية المرتبطة بالإنجاز، وهو هنا إسقاط آلة الاستبداد، والشرعية الدستورية المنبثقة من اقتراع عامّ وقانوني يشارك فيه الأفراد كلّهم، ولا يمكن تحقيقه إلّا بعد حلّ مسائل الانتقال وتصفية آثار النزاع.
تهدف العدالة الانتقالية إلى مساءلة المجتمع نفسه عن مسؤولياته، وتفكيك الآليات التي أنتجت نظام العنف الجماعيبالرغم من إعلانه مرحلةً انتقاليةً لخمسة أعوام، تصرّف النظام الانتقالي كما لو كان سلطةً شرعيةً دائمةً.
تجاهل المهام السياسية الأساسية للمرحلة الانتقالية والحرّيات النقابية، وقانون الأحزاب، وتوفير الشروط المادّية والقانونية لانتخابات عامّة تنبثق منها سلطة شرعية دائمة.
إلخ، وركّز على تعزيز سلطته السياسية، وتوسيع قاعدة تحالفاته الخارجية، وهي مهام ضرورية وأساسية، لكن فصلها عن مهام المرحلة الانتقالية السياسية أو تقديمها عليها جعلها تظهر كما لو كانت محاولةً للقفز عن هذه المرحلة، ووسيلة لتمكين السلطة الجديدة من السيطرة الأحادية على مؤسّسات الدولة، وبناء قاعدة الولاء الخاصّة بها.
عزّزت هذا الاعتقاد عند فئات اجتماعية واسعة، لا تشارك السلطة توجّهاتها الأيديولوجية، الأخطاءُ الأمنيةُ الكارثيةُ في الساحل والسويداء، واختزال الحوار السياسي إلى اجتماع مغلق لساعات، وضعف التواصل بين السلطة الجديدة والرأي العام، وغياب الشفافية، ثم إنشاء" الأمانة السياسية" التي بدت كأنّها إعادة لتجربة نظام الحزب القائد للدولة والمجتمع.
ذلك كلّه ترك مسائل الخلاف جميعاً عالقةً من دون مواجهة ولا تفسير، ما زاد من الشكوك في نيّات النظام، والخوف من الإقصاء.
هكذا بقي الانقسام السياسي عميقاً في وقتٍ كان من الضروري العمل بجدّ على بناء الثقة وتوحيد الصفّ وتطمين الجميع على حقوق المواطنة المتساوية تحت سلطة القانون، وقطع الطريق على الرغبة المنفلتة في الانتقام.
من هنا، بدلاً من أن نشهد تعزيزاً لسلطة المؤسّسات، وبالتالي لبنائها، شاهدنا تكريساً متزايداً للسلطات الشخصية.
لذلك غابت معايير المهنية وتوزيع المسؤوليات، ومعها شروط المراقبة والمساءلة.
وساد الغموض وانعدام الشفافية في كيفية اتخاذ القرارات وبلورة الخيارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وبالمثل، لم تُسهم القيادات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية في إخراج الرأي العام من مناخ النزاع وتعزيز فرص الحوار والسلم الأهلي.
انقسمت هذه القيادات بين من يطالب السلطة بإنجاز المهام الانتقالية كما لو كانت سلطةً مستقرّةً، وكأنّ المجتمع قد تحرّر من إرث الماضي الثقيل، وأخرى لا ترى طريقاً للمساهمة غير الدفاع عن السلطة وتقديم الأعذار لها، بدلاً من مساعدتها على بلورة خيارات صحيحة والمشاركة في توسيع دائرة المناقشة وإشراك الرأي العام فيها.
وثانياً، في مسألة العدالة الانتقالية، أثار تأخّرُ النظام في فتح ملفّها، بالإضافة إلى الإسراع في تسوية أوضاع بعض رموز النظام السابق، الشكَّ في عزمه على تطبيقها، لدى قطاعات واسعة من ضحايا الحرب.
لكن حتى عندما بدأ في فتح الملفّ، تعامل معها بوصفها مسألة عدالة جنائية تتعلّق بأفراد جناة لا بجرائم جماعية ذات سياقات وطبيعة استثنائية.
فالجرائم الجماعية التي تُرتكب في سياق الحرب، أو الثورة أو الاضطراب العام، لا يمكن ردّها إلى دوافع فردية أو سمات نفسية فحسب، بل ينبغي فهمها بوصفها تعبيراً عن خلل بنيوي في النظام السياسي والاجتماعي، وعن فساد القواعد التي تحكمه.
وهدف المحاكمات فيها ليس تطبيق القانون فحسب، وإنّما كشف الحقيقة وتفكيك شبكة العلاقات والأوامر والمصالح التي أفضت إلى الجريمة الكُبرى أو العامّة، بما يسمح بفهم آليات الانحراف الجماعي، ويساعد الناس في فهم الديناميات التي ولّدتها وجعلت الآلاف ينخرطون فيها، وأن يدرك مرتكبوها خطأهم ويعترفوا به ويعتذروا لضحاياهم، بدلاً من أن يسعوا إلى التبرّؤ منها بذريعة أنّهم كانوا يتلقّون الأوامر من فوق، ما يعني أنّ المجرم الوحيد هو رئيس الدولة أو من أوحى له بقراراته.
وفيما وراء محاكمة النظام القائم على الإجرام، تهدف العدالة الانتقالية إلى مساءلة المجتمع نفسه عن مسؤولياته، وتفكيك الآليات التي أنتجت نظام العنف الجماعي، من ثقافة انعدام الشعور بالمسؤولية الجماعية لدى الفرد، والتسامح السياسي مع التمييز الطائفي والقومي، واستسهال اللجوء إلى العنف عموماً، وضعف (إن لم يكن غياب) التضامن والتكافل الاجتماعيَّين، وسيطرة المصالح الفردية والعائلية والعصبوية.
والغاية من ذلك كلّه تعزيز وعي المجتمع بنقائصه، ودفعه إلى الارتقاء في وعيه، أي المساهمة في تأسيس وعي جماعي جديد، لبناء مجتمع أكثر تضامناً وقدرة على تجاوز عيوبه، واستعداداً لتحرير ذاكرته من عقد الماضي، وشقّ الطريق نحو مستقبل جديد.
إنّ تحويل العدالة الانتقالية إلى (أو اختصارها في) عدالة جنائية تركّز على الفرد، يترك كلّ ما يتعلّق بكشف الحقيقة، والمساءلة، وترميم الذاكرة، وجبر الضرر العام، وبالتالي مستقبل الصلح والسلم الاجتماعي، من دون جواب.
وهو يشبه إغلاق الجروح على عفنها.
ويُخشى ألّا يسمح هذا الإغلاق، وتجاهل مشاعر الناس وقلقهم، أو التعامل مع جراحهم وتضحياتهم باستخفاف، بطي صفحة الماضي، ولا يساعد في الخروج من منطق الصراع والحرب.
ليست إعادة الإعمار رهن بإرادة أصحاب رأس المال والإداريين والمؤسّسات الدولية، والبيروقراطية الإدارية، وإنّما قبل ذلك هي ثمرة تحفيز إرادة السكّان أنفسهمأمّا إعادة الإعمار (ثالثاً)، فلم تحظَ بمعالجة ناجعة.
بل لا توجد إعادة للإعمار، إنّما جريٌ حثيثٌ وراء الاستثمارات الكُبرى، وتجاهل كبير لمشكلات المنتجين المحلّيين من مزارعين وصناعيين وحرفيين، وربّما دفع بعضهم إلى الإفلاس بسبب فتح الأسواق للتجارة الخارجية من دون إجراءات أولية تساعدهم في المواجهة.
ولا تكمن المشكلة في استقطاب رؤوس الأموال الكبيرة، فهي ضرورية، ولا يمكن من دونها ترميم البنية التحتية المتهاوية، إنّما في التعامل مع مسألة التنمية وإعادة الإعمار بوصفها مسألةً تقنية" اقتصادوية" تُلقى على كاهل الشركات التي لا تحرّكها أيّ أجندة وطنية أو اجتماعية، وإنّما زيادة العوائد من الريوع والأرباح، بدلاً من أن تكون كما هي بالفعل، قضية الدولة والمجتمع، بالدرجة الأولى، أي قضية إعادة بناء المجتمع وإحياء قواه وتنظيمه وإطلاق طاقاته وتشغيل شبابه والاستفادة من خبراته، قبل أن تكون قضية تفاهم مع الخارج وجذب استثماراته.
ومهما عظم حجم هذه الاستثمارات، وهو لا يزال أقلّ بكثير من المتوقّع، لن تنعكس نتائجها بالإيجاب على حياة الأغلبية من السكّان إن لم تنتظم ضمن مشروع اجتماعي، يرعى مصالح المجتمع الكلّي وأغلبية أفراده، ويعبّر عن المبادئ والقيم التي ناضل من أجلها أبناؤه في الكرامة والحرية والعدالة والمساواة، والتي تضمن وحدته وازدهاره.
من دون هذا المشروع الواعي، يمكن أن يتحوّل الاستثمار إلى فرصة لانتزاع ملكية البلاد ومواردها من شعبها، وتحويل هذا الشعب إلى كتلة من العاطلين والمهمّشين، ويجعلهم غرباء في بلادهم نفسها.
ما يعني أنّ الأولوية ينبغي أن تُعطى للناس، أي لتشغيل العاطلين وإدماج الجميع في عملية بناء من صنعهم ولمصلحتهم بالدرجة الأولى.
ويعني أيضاً العناية بتأهيل قوّة العمل والرهان عليها وتعظيم دور وفاعلية الموارد البشرية المحلّية.
ويعني أخيراً أنّ العبرة ليست في بناء الفنادق والمنتجعات السياحية والأبراج الكُبرى وملاعب الغولف والشقق الفاخرة التي تتركّز في مناطق محدودة بعينها، دمشق والمدن الكُبرى والساحل، ولا تستفيد منها سوى أقلّية خاصّة، وإنّما في ترميم الأحياء المدمّرة، وتوفير منازل، وإقامة منتزهات وأنشطة يمكن لعامّة الناس ارتيادها والاستفادة منها.
لا يمكن لمثل هذا الخيار الاقتصادوي أن يضمن للمجتمع أي إعادة إعمار.
وفي مجتمعٍ مفكّك، يفتقر إلى التفاهم وإلى التنظيمات النقابية والسياسية والاجتماعية، يمكن أن يقود بسرعة إلى تغوّل رأس المال وابتلاعه الدولة ونخبها، وتكريس قطيعة أنتجها اقتصاد الحرب بين عالمَين: أصحاب الثروة والسلطة والجاه، والمهمَّشين بلا أمل أو رجاء، أي بين أقلّية من" المواطنين الأحرار" المكرَّمين وأغلبية ساحقة من" العمّال الآسيويين"، ببشرة وملامح عربية.
من هنا، لن تكون هناك إعادة إعمار حقيقية وناجعة ما لم يشترك الشعب، بجميع طبقاته، في تصميمها ويرى مصلحته فيها.
ونقل الشعب من موقع المتلقّي أو المراقب والجالس في قاعة الانتظار، إلى موقع الفاعل والشريك في عملية البناء، هو ما ينبغي أن يكون محور سياسات التنمية وإعادة الإعمار ومحور المقاربة البديلة.
بهذا المعنى، لا تبقى إعادة الإعمار رهن إرادة أصحاب رأس المال والإداريين والمؤسّسات الدولية، والبيروقراطية الإدارية، وإنّما قبل ذلك ثمرة تحفيز إرادة السكّان أنفسهم، وإثارة حماسهم لإعادة بناء أحيائهم وقراهم وترميم مرافقهم.
بالتأكيد، لن تنتج المشاريع الصغيرة ما تعد به مشاريع التطوير العقاري أو السياحة من أرباح، لكنّها يمكن أن تفتح ورشات عمل تغطّي المناطق الأوسع التي لا تثير اهتمام تلك المشاريع، وتقوم بالأعمال الضرورية والأقرب إلى حاجات الناس والأكثر اتصالاً بحياتهم اليومية، كما يمكنها أن تساهم، بموارد محدودة، في حلّ عديد من المشكلات العالقة في قطاعات حيوية مثل التعليم، والسكن، والصحّة، والمواصلات، والاستثمارات الزراعية الصغيرة.
ثمّ إنّ إشراك السكّان في إصلاح مدارسهم ومنازلهم ومرافقهم لا يخفّف من الأعباء المالية على الدولة فحسب، بل يعيد الثقة بالنفس أيضاً، ويعزّز الحسّ الجماعي، ويمنح الناس شعوراً بالفاعلية والمعنى بعد سنوات من الاستبداد والدمار والانقسام.
من هنا، يمكن لمبادرات تعاونية وتطوّعية، مدعومة بإطار إداري وقانوني مرن، أن تشعل شرارة إعادة بناء الأحياء والقرى والمرافق على امتداد الخريطة السورية، والمساهمة في حلّ أزمات ملحّة: إعادة ترميم مساكن النازحين واللاجئين، وتأهيل المرافق الصحّية والتعليمية، إذ لا يزال ملايين الأطفال محرومين من الدراسة، وإنعاش التعاونيات الزراعية، وإصلاح شبكات المواصلات المحلّية.
وهي مجالاتٌ لا تجذب إليها رأس المال الباحث عن الربح السريع في منطقة أزمات مزمنة، لكنّها تمثّل شريان الحياة للمجتمع، كما أنّ مثل هذه المشاريع توفّر فرصاً للشباب العاطل من العمل، وتشجّع المجتمعات المحلّية على أخذ مسؤولياتها بنفسها وتطوير إبداعاتها، كما يساعد العمل التعاوني والتطوعي على بناء الثقة، وإحياء روح المسؤولية، والتمرّس على العمل الجماعي الذي قمعه الاستبداد، وتعزيز الشعور بامتلاك الجماعات لبلدها ومصيرها.
لا يمكن لمثل هذه المشاريع الاجتماعية أن تتطوّر من دون دعم الدولة المالي والقانوني والفنّي والإداري.
وربّما كان من المفيد والضروري استحداث" وزارة للتعاون والتنمية الشعبية"، مهمتها مساعدة أصحاب المبادرات على تخطيط المشاريع وتنسيقها، وضمان الشفافية في إدارة الموارد، ومكافحة الفساد والمحسوبية، ووضع نظام حوافز معنوية ومادية، إعفاءات ضريبية محدودة أو أولوية في الحصول على الخدمات العامّة.
وهذه مناسبة أيضاً لإحياء سلطة المجالس المحلّية والبلديات المهمّشة، وتفعيلها.
ليس نقص الإنجازات هو ما يضرب ثقة الناس في قياداتهم، وإنّما رفع سقف التوقّعات من دون إمكانية واضحة لتحقيقها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك