لم يبدأ خطاب الكراهية في سورية نتيجة الحرب الأهلية التي أعقبت الثورة في عام 2011، ولم يكن حدثاً طارئاً أو ردّة فعل هامشية، بل تراكم خلال عقود من الخوف والصمت والقمع وجرح الذاكرة الجماعية للسوريين وهُويّتهم المتصدّعة، وأدّى إلى تعميق تصدّعاتها، فتحوّل نداء الحرّية الذي يُفترض أنّ السوريين خرجوا من أجله عن مراده، واستجاب لرغبة الانتقام المريرة التي زعزعت روح المواطنة، واستبدلت بالانقسام الصامت خلال عهد نظام الأسد التشظيَ الواضح ما بعد سقوطه.
فالحقد الذي كان السوريون يخافون أن يظهروه في الماضي أصبح شجاعاً.
فما أسّسه النظام السابق منذ سبعينيّات القرن الماضي وفق منطق أمني يوزّع التهم الجاهزة، ويزرع الشكّ لغةً أساسيةً بين المواطن والدولة، يزداد حالياً، فيصبح الاختلاف السياسي مؤشّراً على تهديد وجودي، والنقد دليلاً على الخيانة، أمّا الاختلاف بالرأي بشأن ما تروّجه السلطة، فلقد كان بالأمس، كما هو اليوم، علامة على عدم الولاء التي تؤهّل صاحبها لإلصاق كلّ أنواع التهم به.
عمدت السلطة الانتقالية في دمشق، منذ اللحظات الأولى لتسلّمها الحكم، إلى ترويج خطاب مبني على ثنائية الأكثرية والأقليات يتبادل فيه الجلّاد والضحية الأدوارلقد شكّل سقوط نظام الأسد في 2024 حدثاً هائلاً في تاريخ سورية الحديث، فمن البديهي أن يراهن السوريون بلا حدود على الكثير من آمال وأحلام وأمنيات كانت ممنوعةً من الصرف خلال أربعة عقود، أُضيف إليها تصاعد لغة الكراهية التي مزّقت البلاد بالحرب والاقتتال الأهلي، ما أدّى إلى حدوث العكس.
فلم يختفِ خطاب الفتنة الذي غرس الأحقاد، بل غيّر شكله، وتبدّلت أدواته، وانتقل من سياسة معلنة إلى أن يكون منتجاً جانبياً يتسرّب عبر الإعلام، والمؤسّسات الأمنية، وحتّى إلى" الخطاب الديني".
عمدت السلطة الانتقالية في دمشق، منذ اللحظات الأولى لتسلّمها الحكم، إلى ترويج خطاب مبني على ثنائية الأكثرية والأقليات بأسلوب جدلي مركّب يتبادل فيه الجلّاد والضحية الأدوار، ويتاح تعويم سردية" تصحيح التاريخ".
تلك السردية، وإن كانت تحمل في ظاهرها وعداً بالقطيعة مع النظام السابق، لكنّها ضمنياً تعيد إنتاج منطق المنتصر الذي يملك الحقّ في إعادة بناء وهيكلة المجتمع والدولة كما يريد.
ولم يكن شعار" من يحرّر يقرّر" إلا جزءاً من الخطاب الذي يضع كلّ من يهاجم السلطة أو ينتقدها في خانة" المعرقلين"، وفيه يصبح النقد خيانةً، والاختلاف تهديداً، والمعارضة" فلولاً".
لا ينكر أيّ من السوريين حقّ الضحايا وذويهم في المطالبة بالقصاص والعدالة ومحاسبة كلّ من تسبّب بجراحهم، لكن بعضهم ما زالوا يعمدون إلى حصر الاتهام في طائفة معيّنة، محمّلين ملايين الأفراد وزر الجريمة التي ارتكبت في عهد النظام السابق، لمجرّد أنّهم وُلِدوا منتمين إلى تلك الفئة أو المذهب، بينما يبدو أنّ حملة" لستَ شجرة" ضمن تلك التوجّهات التي لم ينحصر الخطاب المرافق لها ضدّ المجرمين والمتورّطين في سفك الدم السوري، بل وُجّه ضدّ العلويين بالكامل.
هذا الخطاب الذي رافق الحملة المذكورة وغيرها من حملات تُوجّه ضدّ فئات معيّنة من الشعب السوري لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة تراكم موروث عمره عشرات السنين، وزادت حدّته في الأشهر الأخيرة التي شهدت تصاعد منسوب الكراهية والتحريض في الفضاء السوري.
فظهرت منصّاتٌ عديدة تروّج نبذ" الآخر" وتخوينه وشيطنته، فكلّ من لا يرضخ للسلطة الانتقالية ويؤيّدها ويطبّل لما تقوم به ويبرّر أفعالها، ينضمّ تلقائياً إلى" حلف الأقليات".
لقد أضعفت السلطات التي تعاقبت على البلاد الهُويّة الوطنية الجامعة مقابل تثبيت هُويّات ثانوية استخدمتها أدواتِ ضبط اجتماعي، وأوجدت أرضاً خصبة لتنمو وتتكاثر خلال سنوات الحرب وما بعدها، حين حلّت الهُويّات الطائفية والإثنية والعرقية والعشائرية والأيديولوجية محلّ الهُويّة الوطنية.
فقد استقطب طرفا القتال آلافاً من الأفراد المنتمين إلى إحدى الهُويّات للقتال إلى جانبهما ودعمهما، ما أفرز مشكلاتٍ عديدة ما زالت تسهم في عدم استقرار البلاد على الرغم من مرور أكثر من عام ونصف عام على سقوط نظام الأسد واستلام السلطة الانتقالية سدّة الحكم.
فلم يزل ملفّ المقاتلين الأجانب عالقاً بكلّ ما يشكّله من قلق في الداخل والخارج، ويزيد من الفجوة بين السوريين، ويعلي منسوب الخوف والكراهية فيما بينهم بسبب الخطر الفكري والثقافي والاجتماعي والأمني الذي يسبّبه.
في ضوء ما يحدث في سورية كلّه في هذه المرحلة، يأتي السؤال عن دور السلطة الحالية وموقفها ممّا يحدث.
فعلى الرغم من أنّ الإعلان الدستوري نصّ، في الفقرة الثانية من مادته السابعة، على التزام الدولة" بتحقيق التعايش والاستقرار المجتمعي وحفظ السلم الأهلي ومنع الفتنة والانقسام وإثارة النعرات الطائفية والتحريض على العنف"، وقعت مجازر الساحل في مارس/ آذار العام الماضي، وهوجمت محافظة السويداء وارتكبت مجازر، في ظلّ الثناء على دعم العشائر وأفعالها، ولاحقاً حرمان طلّاب المحافظة من التقدّم إلى امتحان شهادتيَ التعليم الأساسي والثانوية العامّة، فضلاً عن الهجوم والمجازر التي ارتُكبت بحقّ الأكراد في حلب وريفها ومدن المنطقة الشرقية.
أحداث تضرب تضع السلطات أمام مسؤوليتها في حفظ الأمن والسلم الداخلي، وبالتالي، منع أيّ شكل من خطاب الكراهية الذي يعمد بعضهم إلى تبنّيه وتعويمه.
لا بدّ من مساهمة في تفكيك خطاب الكراهية بالاعتراف المتبادل من الأطراف كلّها بالألم الذي سبّبته عقود الظلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك