عالمياً، يُرمز إلى العدالة بصورة الحسناء معصوبة العينين.
فهي لا تفرّق بين الواقفين أمامها من خصوم يحجّون إليها طلباً للحسم.
إنّهم يتساوون أمامها بقطع النظر عن مكانتهم الاجتماعية وألوانهم وأعراقهم ومعتقداتهم ومهنهم.
إلخ.
يقف هؤلاء كلّهم أمامها طلباً لعدالة الميزان، حتّى يوازي الجرم العقاب المستحقّ، والكلّ في هشاشة كبرى خشية الانزياح عن الحقّ تحت تأثير ما ذكرنا من عوامل سابقة.
لا تكمن قيمة السيف الذي تقبض عليه الحسناء بيدها اليمنى في قدرتها على إيذاء المُذنب، ولكن في قدرة العدالة على تنفيذ الحكم إنصافاً للخصم المظلوم.
لكن يظلّ السؤال: لماذا اختيرت العدالة أصلاً على هيئة امرأة؟
تفيد تأويلات عديدة، حتّى قديمة منها، بأنّ الرحمة تسكن قلب امرأة، فالعدالة لا تقترن بالغلظة والبطش، بل بالرحمة، لذلك غُضّ النظر عن الرجل حتّى لا تنحرف العدالة إلى القوّة.
قد تعيد هذه الاستعارات والرموز إنتاج ثقافة ذكورية تقسّم العواطف وفق معايير جندرية بالية، ولكن لا يمكن مطلقاً، مهما كانت تمثّلاتنا للعدالة، أن ننزع منها الرحمة.
كيف يمكن للمواطن أن يسلّم بنزاهة الأحكام، وعشرات القضاة عُزلوا لأنّهم خالفوا السلطة في تمشّيها منذ إلغاء دستور 2014يستحضر طيف واسع هذه المعاني منذ أيّام إثر صدور بطاقة إيداع بالسجن في حقّ المؤرخ التونسي وعالم الآثار، وزير الثقافة السابق عزّ الدين باش شاوش (88 عاماً)، وقد أثار استياء أوساط سياسية وحقوقية واسعة، بما فيها طيف من مساندي الرئيس.
لقد أصدر القطب القضائي المالي القرار الذي شمل أيضاً الصحافي زياد الهاني، الذي يقضي عقوبةً في السجن في قضية أخرى، ومتصرّف في بلدية قرطاج، على خلفية شبهة" معاوضة" بشأن عقار قام بها وزير الثقافة ورئيس بلدية قرطاج صحبة عضو المجلس البلدي.
ومن دون الدخول في تفاصيل القضية، ما أثار استياء هذا الطيف الواسع من الناس، ومن مختلف التدوينات التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي، سجن المؤرخ عزّ الدين باش شاوش، وهو مقعد، علاوة على أنّه يتنفّس بالاستعانة بأسطوانة أكسجين.
وقد أوردت إحدى قريباته أنّ الفِرق الأمنية التي نفّذت قرار الإيداع في السجن نزعته من سريره الطبّي قرابة منتصف الليل، إذ كان الرجل يتنفّس بآلات طبّية، فضلاً عن أمراض عصبية ومزمنة أقعدته طريح الفراش.
يقول محامو المتّهمين إنّ القضية تعود إلى ستينيّات القرن الماضي، أي حتّى قبل ميلاد بعض هؤلاء، وإنّها لا تخلو من توظيفات، بل إنّها تكاد تكون كيديةً يراد بها تشويه حكّام عشرية الانتقال الديمقراطية، خصوصاً أنّ باش شاوش هو أوّل وزير ثقافة بعد الثورة، وقد استُقدم من كمبوديا، حيث كان الرجل عقوداً خبيراً هناك، عيّنته" يونسكو" للسهر على صيانة التراث الكمبودي وترميمه باعتباره تراثاً عالمياً.
كما أنّ الرجل كان قد تقلّد مناصبَ ثقافيةً عليا في تونس، إذ عيّن سابقاً مديراً عامّاً لدار الكتب الوطنية، ثمّ مديراً عامّاً للمعهد الوطني للترجمة.
ولعلّ مثار غضب هؤلاء يعود أيضاً إلى أنّ الأمر يكاد يكون ظاهرةً سياسيةً حقوقيةً، فجلّ من أُوقفوا قد تجاوزوا الستّين على غرار غازي الشواشي، وعياشي الهمامي، وبرهان بسيس، وخيام التركي، وعبد الحميد الجلاصي، ونور الدين البحيري، ومنهم من تجاوز الثمانين مثل الحبيب اللوز، ونجيب الشابي، وراشد الغنّوشي.
لا أحد فوق القانون، هذا مبدأ لا يمكن أن نشكّك في سلامته ورقيّه الأخلاقي، غير أنّ الأمر يحتاج إلى تنسيب وتسييق.
الأصل في الأشياء حرّية المتّهم إلى حين صدور حكم نهائي وباتّ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك