في واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم، تحولت ناقلة نفط مدرجة على قوائم العقوبات إلى نقطة اختبار جديدة في ملاحقة ما يعرف بـ" أسطول الظل" الروسي.
فالعبور من القناة الإنجليزية (بحر المانش) لم يعد مجرد مسار ملاحي بين ضفتي أوروبا، بل بات جزءا من مواجهة أوسع حول النفط الروسي والعقوبات الغربية وتمويل الحرب في أوكرانيا.
list 1 of 2صور فضائية تكشف أثر المسيرات الأوكرانية على النفط الروسيlist 2 of 2الأقمار الصناعية توثق اشتعال أكبر موانئ تصدير النفط الروسيوفي هذا السياق، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية اعتراض ناقلة النفط" سميرتوس" (SMYRTOS) داخل القناة الإنجليزية، في عملية قالت إنها الأولى من نوعها التي ينفذها الجيش البريطاني ضد ناقلات النفط المرتبطة بروسيا.
ووفق البيان البريطاني، شاركت في العملية طوافات وسفن حربية وعناصر من مشاة البحرية الملكية، إلى جانب الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة، بعد دخول الناقلة إلى القناة.
ووصف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر العملية بأنها ضربة موجهة إلى العائدات النفطية التي تساعد في تمويل الحرب الروسية على أوكرانيا.
ما الذي تقوله بيانات الملاحة؟أظهرت بيانات ملاحية رصدتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أن الناقلة" سميرتوس" غادرت ميناء أوست-لوغا الروسي، محملة بنحو 705 آلاف برميل من النفط الروسي، وكان من المقرر أن تتجه إلى ميناء بورسعيد.
وتظهر بيانات التتبع الملاحي أن الناقلة واصلت مسارها من بحر البلطيق باتجاه القناة الإنجليزية، ثم جرى اعتراضها عقب دخولها المنطقة، في تطور يعكس انتقال لندن من سياسة العقوبات إلى مستوى أكثر مباشرة من الرقابة الميدانية.
كما تُظهر آخر إشارة بث مسجلة للناقلة موقعها قبالة السواحل البريطانية داخل نطاق القناة الإنجليزية، قبل أن تتوقف حركتها الملاحية المعتادة بعد الاعتراض.
وتدرج الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي الناقلة على قوائم العقوبات، لاتهامها بالمشاركة في أنشطة مرتبطة بنقل النفط الروسي الخاضع للقيود الغربية، بما يسهم -وفق هذه الاتهامات- في تقويض أمن أوكرانيا أو زعزعة استقرارها.
لم يتوقف أثر العملية عند الناقلة" سميرتوس" وحدها.
فبعد إعلان لندن اعتراضها، أظهرت بيانات ملاحية تغيرا لافتا في سلوك عدد من الناقلات المدرجة على قوائم العقوبات الأوروبية.
ورصدت وحدة المصادر المفتوحة، عبر بيانات منصة مارين ترافيك، تعديل 5 ناقلات على الأقل لمساراتها أو الاستدارة قبل عبور القناة الإنجليزية.
ومن بين هذه الناقلات 3 كانت قادمة من موانئ روسية قبل أن تستدير أو تعدل مسارها قبيل الاقتراب من القناة، وهي: " قصر" (QASR)، و" سونا" (SONA)، و" مياني" (MAINI).
كما أظهرت البيانات أن الناقلتين" لايون 1″ (LION 1) و" سي فايكنغ" (C Viking) استدارتا في شمال المحيط الأطلسي قبل التوجه شرقا نحو مسار العبور عبر القناة الإنجليزية.
وتدرج العقوبات الأوروبية الناقلات الخمس على قوائمها، لاتهامها بالمشاركة في نقل النفط الروسي الخاضع للقيود.
ولا تعني الاستدارة بالضرورة وجود قرار معلن من هذه السفن بتجنب القناة نهائيا، لكنها تكشف تغيرا ملاحيا متزامنا مع الاعتراض البريطاني، وتفتح الباب أمام قراءة أوسع لتأثير العملية على حسابات المخاطر لدى ناقلات" أسطول الظل".
جاء التحرك البريطاني بعد عملية مماثلة نفذتها فرنسا في الأول من يونيو/حزيران الجاري ضد ناقلة النفط" تاغور" (Tagor) في المحيط الأطلسي، وهي قادمة من روسيا.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن العملية جرت بدعم من عدة شركاء، بينهم المملكة المتحدة، ووفق قانون البحار.
وبحسب البيانات الملاحية فإن الناقلة" تاغور"، التي تحمل رقم التعريف البحري 9282481، غادرت روسيا في الثاني من مايو/أيار الماضي، وكانت في طريقها إلى الكاميرون.
واعترضت البحرية الفرنسية الناقلة بعد خروجها مباشرة من المياه النرويجية، وذلك وفق آخر إشارة أطلقتها السفينة قبل أيام من اعتراضها.
ويدرِج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) الناقلة على قوائم العقوبات، لارتباطها بنقل شحنات من النفط الإيراني الخاضع أيضا للعقوبات.
موسكو تندد.
وأوروبا تضيق الخناقأثار الاعتراض الفرنسي ردا روسيا حادا، إذ قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن موسكو تعد هذه الأعمال" غير قانونية" وتقترب من" القرصنة الدولية"، مضيفا أن روسيا تتخذ إجراءات لضمان سلامة سفن الشحن التابعة لها.
لكن العمليتين الفرنسية والبريطانية تكشفان، في المقابل، تغيرا في مقاربة عدد من الدول الأوروبية تجاه" أسطول الظل" الروسي.
فبعد أشهر من العقوبات والإدراجات القانونية وتتبع هياكل الملكية المعقدة، تبدو أوروبا أقرب إلى مرحلة الاعتراض المباشر والتفتيش والاحتجاز، خاصة عندما تدخل السفن المدرجة على قوائم العقوبات ممرات بحرية حساسة أو مناطق تخضع لرقابة أوروبية مكثفة.
ويُنظر إلى" أسطول الظل" بوصفه إحدى الأدوات التي استخدمتها موسكو للإبقاء على صادراتها النفطية، عبر سفن ترفع أعلاما مختلفة وتعمل ضمن شبكات ملكية وإدارة معقدة، بما يسمح بتقليل أثر العقوبات الغربية على عائدات النفط الروسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك