في الأجواء الفكرية التي سادت ستينيات القرن الماضي، بدأت تتبلور ملامح تجربة عالم الاجتماع والسياسي السويسري جان زيغلر الذي رحل الأربعاء الماضي عن 92 عاماً.
تأثر زيغلر خلال إقامته في باريس بأفكار جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، قبل أن يترك لقاؤه بتشي غيفارا عام 1964 أثراً واضحاً في مساره الفكري والسياسي.
ومن تفاعل الماركسية النقدية مع أفكار لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية، تشكلت رؤيته الناقدة للعلاقات الاقتصادية الدولية ولدور سويسرا في النظام العالمي، ما جعله من أبرز المدافعين عن قضايا محاربة الفقر واللامساواة في الجنوب العالمي.
ارتبط اسم زيغلر بتيار اليسار الراديكالي وحركات التحرر العالمي، تلك الموجة التي أعادت الاعتبار لعدالة التوزيع وحقوق الشعوب في زمن الحرب الباردة.
كذلك بدا قريباً من روح مناضلين أعادوا للعمل الأممي حضوره العنيف بعد عقود من هيمنة الدبلوماسية الناعمة والمفاهيم البيروقراطية الجافة.
وعلى نطاق أوسع، ثمة خيط يربطه بنقاد العولمة الكبار مثل نعوم تشومسكي وإدوارد سعيد؛ ذلك الإصرار على تعرية آليات الهيمنة، وعلى النظر إلى الضحايا في لحظات ضعفهم وانكشافهم أمام غول الرأسمالية.
تكوّنت لغة زيغلر (1934-2026) السوسيولوجية في منطقة تماس بين عوالم متعددة؛ فقد وجد في الماركسية النقدية، وفي لاهوت التحرير، وفي إرث حركات التحرر الأفريقية واللاتينية، منابع خصبة لتوسيع رؤيته للنظام العالمي.
كذلك استوقفته تجارب قادة متمردين مثل توماس سانكارا في بوركينا فاسو.
فمنذ صدور كتابه الفردي الصادم" سويسرا فوق الشبهات" عام 1976، بدا واضحاً أنه لا ينوي السير في الطرق المألوفة وسط نُخب بلاده.
اعتبر الجوع سياسة استعمارية متعمّدة لا كارثة طبيعيةوربما كان هذا الميل إلى المجابهة امتداداً لسيرته الشخصية؛ فقد نشأ في بيئة سويسرية بورجوازية محافظة، ثم تمرد عليها ليرتمي في حضن الفكر الوجودي بباريس، قبل أن ينتقل إلى جنيف، ويتخذ من جامعتها ومنبرها الأممي منصة لاستعادة أصوات الشعوب المسحوقة في الجنوب العالمي.
فمن منبره مقرراً أممياً للحق في الغذاء، اجترح لغته الصادمة التي تعرّي المنظومة المالية العالمية، واصفاً الجوع بأنه" جريمة اغتيال منظمة" تقع مسؤوليتها على كاهل عالم يفيض بالوفرة.
هذه الجرأة قادته إلى خوض معارك انتحارية سياسياً في بلاده، تجسدت في ملاحقات قضائية كادت تطيحه من النخب المالية.
ورغم هذه الصلابة، إلا أن قراءته الرومانسية لقضايا" الجنوب العالمي" أوقعته أحياناً في شرك العمى السياسي، وجعلته يغض الطرف عن انتهاكات صارخة ارتكبتها أنظمة دكتاتورية.
أما الكتابة والخطابة فكانت عنده عملية تعرية للمقولات الغربية السائدة؛ فهو يختار مصطلحات صلبة ومستفزة، ويهاجم بها واجهات الدبلوماسية الأنيقة والمنظمات الدولية كأنه يشرّحها بمبضع جراح لا يرحم، تاركاً الفضائح الاقتصادية شروخاً لا يمكن ترميمها في جدار الرأسمالية.
تبرز هذه الفلسفة بوضوح في حواراته وأدبياته المتأخرة، حيث شنّ هجوماً ضارياً على ما أسماه" الاستعمار الجديد المبطّن"، معتبراً أن الغرب لم يغادر مستعمراته القديمة إلا ليعود إليها بثوب أكثر توحشاً عبر بوابة الديون، والشركات العابرة للقارات، وصندوق النقد الدولي.
وفي حوار له مع موقع الجزيرة نجده يصدم الضمير الغربي بإعلانه أن" آليات السوق الحرة تشكل دكتاتورية مطلقة تمارس تدميراً صامتاً"، واصفاً قادة المال العالمي بـ" القراصنة" الذين يحتمون وراء لافتات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
هذا العنف اللفظي والمفاهيمي كان محاولة لكسر بلادة الحس الأوروبي، وصدم عالماً يرى المجاعات" كوارث طبيعية" بينما هي، في قاموس زيغلر، قرارات سياسية واقتصادية واعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك