تقف فتاة في مواجهة فراغ صحراوي ممتد بلون برتقالي كثيف، وسماء مثقلة بالسحب.
عند خط الأفق، يلوح بناء غريب من جزأين، يتوسطهما سطح عاكس لصورة الفتاة من جديد.
يبدو المشهد للوهلة الأولى متماسكاً، قابلاً للتصديق، كأنه التُقط في لحظة نادرة من تلاقي الطبيعة مع المعمار، لكن شيئاً ما يظل معلقاً، فهذا العالم، على دقته الفوتوغرافية، لا يمكن أن يكون موجوداً بالفعل.
هذه إحدى صور معرض" المدينة" للفنان أيمن لطفي الذي اختتم قبل أيام في" غاليري الزمالك" بالقاهرة.
تجسد الصورة آلية بناء كاملة، فكل عنصر فيها يشير إلى أنه صُنع، وأُعيد ترتيبه داخل كادر محسوب بعناية، من الجسد إلى الأفق، ومن الكتلة المعمارية إلى انعكاسها.
هي صورة المدينة كما يمكن تخيّلها حين تتحول إلى بنية بصرية مغلقة على نفسها.
صورة المدينة التي أعيد إنتاجها هنا هي احتمال متخيل وغرائبي، أو مجرد صورة ذهنية يشاركها الفنان مع الآخرين.
تجربة أقرب إلى" التصوير المركب" تقوم على إعادة البناء والتخيللا يتوقف الفنان عند حدود هذا المشهد، إذ تمتد معالجاته لتشمل منطقاً كاملاً يحكم بقية الأعمال المعروضة.
في" المدينة"، تُقدَّم الأمكنة ووجوه الشخصيات بكونها عناصر قابلة لإعادة التشكيل، حيث يتراجع الواقع خطوة إلى الخلف ليترك المجال لنسخته المصنوعة.
المباني لا تبدو مأهولة، والوجوه تظهر جزءاً من تركيب أكبر؛ وجوه محملة بطبقات من الأربطة والإضافات، فلا تتبين ملامحها بالكامل.
في هذه الصور تتخذ العناصر المعتادة في الواقع أدواراً مختلفة، فماكينة الخياطة وصنبور الحريق مثلاً، يفقدان هنا وظيفتهما ليصبحا عنصرين داخل فراغ أوسع، ربما بلا تفسير.
كل شيء في هذه الصور يُدار وفق نسق بصري دقيق، يحدّ من الفائض، ويستبدل العشوائية بنوع من الصمت المشغول بعناية.
هنا تصبح المدينة أقرب إلى نموذج ذهني منها إلى مكان فعلي؛ مدينة نراها من مسافة محسوبة، كأننا أمام تصور لها ولسنا في داخلها.
وهو ما يضع المتلقي أمام مفارقة لافتة، فكلما بدت الصورة أكثر إحكاماً، ازدادت المسافة بينها وبين الواقع.
إذ يعيد الفنان صياغة الواقع وفق شروط أخرى، تجعل من الصورة بديلاً ممكناً له.
ومن هنا، يمكن قراءة المعرض بكونه مساحة للتشكيك في ما نراه، أو بناءً قابلاً لإعادة النظر.
تنتمي تجربة أيمن لطفي إلى ما يُعرف بـ" التصوير المُركَّب"، وهو اتجاه يتعامل مع الصورة باعتبارها مشهداً يتم بناؤه بالكامل.
في هذا النوع من الممارسات، تتراجع فكرة التوثيق لمصلحة الإخراج، ويصبح المصور أقرب إلى مخرج سينمائي أو فنان تشكيلي، يدير العناصر داخل الكادر بدقة، من الضوء إلى الجسد، ومن الفضاء إلى التفاصيل الرمزية.
وقد تطور هذا الاتجاه منذ أواخر السبعينيات والثمانينيات مع تجارب عالمية تعاملت مع الصورة وسيطاً يتجاوز فكرة التوثيق، إلى إعادة البناء والتخيل.
غير أن هذا التحول ظل يثير سؤالاً متكرراً عن هذا النوع من الممارسات الفنية، وهل ينتمي إلى الفوتوغرافيا بالفعل، أم شيئاً آخر؟ فالصورة، في هذه الحالة، تستمد مشروعيتها من تعقيد بنائها، وهو ما يدفع البعض إلى التشكيك في انتمائها إلى الفوتوغرافيا، بينما يراه آخرون امتداداً طبيعياً لتاريخ الوسيط نفسه، الذي لم يتوقف يوماً عن إعادة تعريف حدوده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك